مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 9

الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 9، ألقاها

الرد على استدلال أهل البدع بأثر ابن مسعود

يناقش استدلال أهل البدع بأثر ابن مسعود لتبرير البدع، ويبين عدم صلاحية هذا الأثر للاستدلال به. يوضح أن المراد بالإجماع هو إجماع الصحابة وليس جميع المسلمين.

مفهوم الاجتهاد والرأي في الفتوى

يشرح مفهوم الاجتهاد والرأي في الفتوى، وكيف يستخدم العلماء الرأي الحسن عند عدم وجود نص صريح. يستدل على ذلك بأقوال العلماء مثل الحسن البصري وإبراهيم النخعي.

شروط وضوابط الاجتهاد

يشرح شروط وضوابط الاجتهاد، ويبين أن المجتهد يجب أن يكون عالما بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة. يوضح أن من ليس أهلا للاجتهاد لا يعذر في الخطأ.

استكمال الكلام عن الأدلة الشرعية

يشير إلى استخدام سنة النبي وإجماع المسلمين كأدلة، ويشير إلى استكمال الكلام في درس لاحق. يؤكد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام العبد البر رحمه الله، كما في صحيح جامع البيان عمّا في كلامه على اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص، حيث نزول النازلة أو في حين نزول النازلة. قال: وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح». هذا الأثر رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده، والطيالسي وغيرهما، وهو أثر حسن. وهذا الأثر أراد به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن ما أجمع عليه المؤمنون، وقد أراد به هنا الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فتكون الألف للعهد. ويبين ذلك ما جاء في بعض روايات هذا الأثر أنه قاله عندما أجمع الصحابة على خلافة أبي بكر، فقال: «ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن». فيكون مراده ما رآه الصحابة وأجمعوا عليه فهو حسن، فيكون كذلك عند الله حسن. وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح، أي ما أجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم على استنكاره وإنكاره، فهو يكون كذلك عند الله سبحانه وتعالى. وهذا الأثر استدل به بعض أهل البدع على فعل البدع والمحدثات، وعلى استحسانها، وأن في الدين بدعة حسنة: «ما رآه المؤمنون حسن فهو عند الله حسن». قالوا: نحن اجتمعنا على هذه العبادة، على المولد أو غيرها من البدع، ورأينا أنها حسنة، إذن فتكون عند الله حسنة: «ما رآه المؤمنون حسن فهو عند الله حسن». وهذا القول باطل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن جميع البدع ضلالة: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». فهذا عموم لا يخرج منه شيء، فكل العبادات في الدين المحدثة والبدع فهي ضلالة، ليس فيها بدعة حسنة، بل كل البدع ضلالات كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا أمر محكم، وهذا أمر محكم وظاهر وبين. هذا أولا، ثم إن هذا أثر إنما هو من قول عبد الله بن مسعود، ليس هو من قول النبي عليه الصلاة والسلام. وقد روي مرفوعا، لكنه لا يصح، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن مسعود من قوله. وإذا كان موقوفا عليه فلا يعارض به النصوص، فلا يعارض به النصوص. وكذلك أيضا كما ذكرنا أن سبب قول عبد الله بن مسعود لهذه المقالة هو عندما أجمع الصحابة على خلافة أبي بكر، فيكون المراد في قوله «المؤمنون» أي الصحابة، أي الصحابة. على أن الألف للعهد. ولو جعل ألفه للاستغراق -يعني لأنه ليس للعهد بل لجميع المسلمين- فكذلك ليس فيه دليل على إحداث البدع واستحسانها؛ وذلك لأنه قال: «ما رآه المؤمنون»، ولو جعلنا ألف الاستغراق دخل فيه جميع المؤمنين. وإذا أخذنا بألف الظاهرة لدخل في ذلك ماذا؟ العلماء وغير العلماء، لدخل في ذلك العلماء والعوام وغيرهم. وهذا أيضا مما يبطل هذا الاستدلال؛ فإن العوام ليس لهم دخل في الإجماع، وإنما الإجماع المعتبر هو إجماع مجتهدي هذه الأمة، والعوام والمقلدون ليسوا بمجتهدين. ثم أيضا يقال لهم: أنتم اجتمعتم على فعل هذه البدعة، وزعمتم أنكم أجمعتم على ذلك. وهل أنتم كل المؤمنين؟ هل أنتم كل المسلمين؟ الجواب: لا، ما أنتم إلا طائفة، أنتم طائفة من المسلمين، وغيركم يخالفكم فيما أحدثتم. والله جل وعلا يقول: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. فليس لهم في هذا الأثر أي احتجاج على بدعهم ومحدثاتهم، لا من قريب ولا من بعيد. لكن أراد الإمام عبد البر رحمه الله أن الحادثة إذا حصلت وأجمع عليها أهل العلم واستحسنوها لدلائل تدل عليها، فتكون حجة. وذلك كجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم للقرآن، ما فعله عثمان رضي الله تعالى عنه في جمعه للمصحف. فهذا الأمر اتفق عليه الصحابة، ودلت عليه دلائل من الشرع، فقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. فكان هذا الفعل حسن. أما أن يأتي شخص ويحدث عبادة، ثم يجمع الناس عليها ويستحسنها، ويقول: هذا أمر حسن، «وما رآه المؤمنون أو المسلمون حسن فهو عند الله حسن»، فهذا ليس بصحيح. قال: وعن الجريري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال للحسن: أرأيت ما تفتي به الناس، أشيء سمعته أم برأيك؟ قال الحسن: لا والله، ما كل ما نفتي به الناس سمعناه، ولكن رأينا لهم خيرا من رأيهم لأنفسهم. والمعنى أنه يسأل رحمه الله عن مسائل ما قد مرت عليه، ما قد سمعها من أهل العلم، فهو يفتي فيها بما يرى أنه الصواب، بما يرى أنه الحق. وعن حماد قال: ما رأيت أحضر قياسا من إبراهيم -أي النخعي-. ويريد أحضر قياسا، أي أنه كان يلحق المسائل بأنفالها إذا سئل عن شيء وليس له نص صريح أو دليل صريح، ألحقه بما كان شبيها له. وهذا وهذا يوفق له من كان عنده معرفة بمقاصد الشريعة، والنظر كذلك في أحكامها وعلى لها، فإنه يستطيع أن يلحق الأحكام بعضها ببعض. قال: وأن عبد الله بن الحارث الجمحي قال: كان ربيعة في صحن المسجد جالسا، فجاز ابن شهاب داخلا من باب دار مروان بحذاء المقصورة، يريد أن يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم -يعني على قبره- فعرضوا له بربيعة، فلقيه، فقال له: يا أبا بكر، ألا تسأل عن هذه المسائل؟ قال: وما أصنع بالمسائل؟ فقال: إذا سئلت عن مسألة، فكيف تصنع إذا سئلت عن مسألة، فكيف تصنع؟ قال: وحدث فيها بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فإن لم يكن عن النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أصحابه. قال: فإن لم يكن عن أصحابه، اجتهدت رأيي. قال: فما تقول في مسألة كذا وكذا؟ قال: حدثني فلان عن فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. قال: فما تقول في مسألة كذا وكذا؟ قال: حدثني فلان عن فلان كذا وكذا. قال: فما تقول في مسألة كذا؟ قال: ربيعة طلبت العلم غلاما، ثم سكنت به إدمانا. قال: وإدمانا ضيع لابن شهاب على نحو ثمان ليال من المدينة على طريق الشام. ويريد رحمه الله أنه سمع بعض العلم، ثم انتقل وابتعد عن المدينة، فلم يسمع كثيرا من العلم. فهو يريد بذلك أنه ليس أحد يحيط بالعلم كله، وهو كذلك قد فاتته كثير أو كثير من المسائل. لكن كما قلنا يجيب أهل العلم بالرأي الحسن، كما قال الشافعي نفسه: نعم وزير العلم الرأي الحسن. قال محمد بن الحسن: من كان عالما بالكتاب والسنة، وبقول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما استحسن فقهاء المسلمين، وسعه أن يجتهد رأيه فيما ابتلي به، ويقضي به ويمضيه في صلاته وصيامه وحجه، وجميع ما أمر به ونهي عنه. فإذا اجتهد ونظر وقاس على ما أشبه، ولم يأل وسعه العمل بذلك، وإن أخطأ الذي ينبغي أن يقول به -يعني أنه إذا سئل العالم بالكتاب والسنة، وبأقوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهذا هو العالم الذي عنده علم بالكتاب والسنة، وعنده كذلك معرفة بأقوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهكذا ما استحسنه أهل العلم- وليس كما قلنا هو الاستحسان المجرد، ليس استحسانا بالعقل والرأي؛ فهذا من التشريع. ورحم الله الإمام الشافعي يقول: «من استحسن فقد شرع، من استحسن فقد شرع». والتشريع إنما هو لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾. كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي﴾. وعلى هذا كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾. فالتشريع إلى الله ورسوله، فليس لأحد أن يأتي ويشرع في دين الله جل وعلا ما ليس منه، يأتي بعقله وهواه، فيقول: هذا الأمر واجب، أو هذا محرم، أو هذا مستحب بلا حجة ولا برهان. قال: وسعه أن يجتهد رأيه فيما ابتلي به ويقضي به -يعني الذي عنده معرفة بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وكذلك ما أفتى به العلماء قبله- فإنه يستطيع إذا سئل عن مسألة أن يجتهد فيها رأيه، يجتهد في الصواب في هذه المسألة، ويقضي بها، سواء كانت في الصلاة أو في الصيام أو في الحج أو غير ذلك. فينظر إلى دلائل الشريعة، ويقيس بعضها ببعض، يقيس بعضها ببعض، ويلحق الشبيه بنظيره. فإذا فعل ذلك فإن أخطأ وهو مجتهد فليس عليه شيء، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر». كما في حديث عمرو بن العاص في الصحيحين، أو في البخاري. هذا إذا كان مجتهدا، أما إن لم يكن مجتهدا فهو آثم، وإن أصاب الحق، وإن أصاب الحق. إذا لم يكن مجتهدا فإنه لا يؤجر على ذلك؛ لأنه ليس أهلا للاجتهاد، ليس أهلا للاجتهاد. وإنما الذي يعذر في الخطأ هو المجتهد. قال الشافعي رحمه الله: لا يقيس إلا من جمع آلات القياس، وهي العلم بالأحكام من كتاب الله فرضا وأدبا، وناسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه، وإرشاده وندبه. ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن النبي صلى الله عليه وسلم، وبإجماع المسلمين. فإذا لم يكن سنة ولا إجماع، فالقياس على كتاب الله، فإن لم يكن فالقياس على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول رحمه الله -أي الإمام الشافعي- لا يقيس إلا من جمع آلات القياس، يعني الذي عنده قدرة على الاجتهاد، وعنده آلات الاجتهاد، عنده العلم بالأحكام من كتاب الله عز وجل، يعرف الفرائض والواجبات، وهكذا أيضا يعرف الناسخ والمنسوخ، ما يأتي ويحكم في مسألة من المسائل وهي منسوخة قد رفع حكمها، فهذا يقع في الخطأ. ولا يقولها للعلم من لم يعرف الناسخ من المنسوخ، فلا يحل له أن يتكلم أو يفتي. قال: وعامه وخاصه، يعرف الأدلة العامة، وكذلك يعرف الأدلة الخاصة، حتى إذا تعارض عنده العام والخاص استطاع أن يجمع بينهما، فيحمل العام على الخاص. وإن لم يكن عنده معرفة تخبط ووقع في الخبط والخلط في المسائل الشرعية. وهكذا إرشاده وندبه، يعرف الأوامر التي يراد منها الوجوب، والتي يراد منها الندب والإرشاد. وهكذا أيضا يستدل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، وبإجماع المسلمين. طيب وبقي تتمة لكلامي إن شاء الله نكملها في درس آخر. الله تعالى علَم. الله تعالى علَم. الله تعالى علَم.

شاركنا على