مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 16

الدرس في مقتطفات من جامع بيان العلم وفضله 16، ألقاها

مفهوم الغنى الحقيقي

الغنى الحقيقي هو غنى النفس وليس كثرة المال، حيث أن الشخص الغني نفسياً يكون قانعاً بما لديه. الغنى المادي ليس دليلاً على الغنى الحقيقي.

علاقة غنى النفس بالقناعة

غنى النفس يرتبط بالقناعة، حيث أن القناعة هي مفتاح الرضا والكفاية سواء في الغنى أو الفقر. العلماء والحكماء يؤكدون على أهمية القناعة.

الاعتدال في التعامل مع الغنى والفقر

يجب الاعتدال في التعامل مع الغنى والفقر، بعدم الإسراف عند الغنى وعدم اليأس أو ارتكاب المحرمات عند الفقر. السعادة الحقيقية في النجاة من عذاب الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. ما بعد، قال الإمام عبد البر رحمه الله: كان في صيد جامع بيان بالعلم وفضله، في ضمن كلامه على ذنب الاستكثار من الدنيا، وبيان المحمود من ذلك مما يسد حاجة الإنسان. قال: رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس». والحديث في مسلم. وأيضا رواه البخاري رحمه الله من حديث أبي هريرة، قال: والعرض بتثليث الراء متاع الدنيا وحطامها، وجمعه أعراض، والعرض بسكون الراء واحد العروض، وهي الأمتعة التي يتجر فيها. هذا كلام المالكي. قال المبارك: ليس حقيقة الغنى كثرة المال، لأن كثيرا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتيه، فهو يحرص على الازدياد، ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير لشدة حرصه. وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتيه، وقنع به ورضيه، ولم يحرص على الازدياد، ولا ألح في الطلب، كأنه غني. قلت: بمعنى الحديث أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع، فعزت وعظمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه، فإنه يورطه برذائل الأمور وخسائص الأفعال لدناءة همته وبخله، ويكثر من يذمه من الناس، ويصغر قدره عندهم، فيكون أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل. قال: والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعا بما رزقه الله، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة، ولا يلح في الطلب، ولا يلحف في المسألة أو في السؤال، بل يرى بما قسم الله له فكأنه واجد أبدا. والمتصف بفقر النفس على الضد من ذلك، لكونه لا يقنع بما أوتي، بل هو أبدا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه، ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف، فكأنه فقير من المال لأنه لم يستغني بما أوتي، كأنه ليس بغني. عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس». وهذا الحديث رواه البزار. قال: ولقد أحسن عثمان بن عفان الموصلي في نظمه معنى هذا الحديث حيث يقول: تقنع بما يكفيك واستعمل الرضا ... فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي فليس الغنى عن كثرة المال ... إنما يكون الغنى والفقر من قبل النفس يعني أن الشحيح يكون غنيا باستغناء نفسه والقناعة بما أعطاه الله سبحانه وتعالى، مع أنه ربما يكون فقير المال، ما عنده مال، لكنه غني بقناعة نفسه. والآخر عنده الأموال، لكنه فقير لأن نفسه طمع، ليس عنده الاستغناء والقناعة. قال: وقضى القاضي أبو يعلى بن أحمد أيضا فقال في جوابه لسليمان بن حبيب بن المهلب: أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال سخي بنفسي أني لا أرى أحدا ... يموت هزلا ولا يبقى على حال الرزق عن قدر لا العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال والفقر في النفس لا في المال تعرفه ... كذا يكون الغنى في النفس للمال وأنشد بعضهم من محمد بن يوسف: تقنع بما أتاك ولا تيأس لما ... فاتك ولا تغتر بالدنيا أما تذكر أمواتك وقال بعضهم: كان من فقير غني النفس تعرفه، ومن غني فقير النفس مسكين. قال أبو نعيم: كان سفيان بن عياض يقول: إنما الفقر والغنى بعد العرض على الله تعالى، أي ذلك هو الفقر حقا. يقول: إنما الفقر والغنى بعد العرض على الله، فالغني الذي عنده الحسنات ويفوز بجنة المأوى، والفقير الذي يأتي وليس عنده من الحسنات شيء، هذا الفقير فيكون مصيره إلى النار، فالغني هو الذي عنده طاعات وعنده حسنات، هذا هو الغناء الحقيقي. قال محمود الوراق: الفقر في النفس وفيها الغناء، وفي غنى النفس الغنى الأكبر. من كان ذا مال كثير ولم يقنع، فذاك المعسر. وكل من كان قنوعا وإن كان مقلا فهو الموسع. يعني أن الغناء حقيقة وغنى النفس وقناعة النفس. وقال أيضا: غنى النفس يغنيها إذا كنت قانعاً ... وليس يغنيك الكثير مع الكدر يعني: إذا كنت قنوع النفس فالقليل يكفيك. وأما إن لم تكن قانعاً فليس هناك شيء يغنيك مع حرصك على المال وعلى الاكثار منه، فليس هناك شيء يغنيك. قال أبو فراس الحمداني: غنى النفس لمن يعقل خير من غنى المال ... وقدر الناس في الأنفس ليس القدر في الحال عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة، قال: قال سليمان عليه السلام: كل العيش جربناه لينه وشديده، فوجدناه يكفي منه القليل. قال: إسناده صحيح إلى خيثمة. أخرجه ابن أبي شيبة، ووكيع بالزهد، وأحمد بن حنبل كذلك بالزهد. ومن المبارك بالزهد إلى خيثمة صحيح. فالإنسان إذا فتح الله عليه وأعطاه من متاع الدنيا وكان قنوعا فإنه يجد الكفاية. وهكذا إذا كان فقيرا ما دام أنه قنوع يجد كذلك الكفاية، فالكفاية حاصل في الغنى وفي الفقر لأن حقيقة الغنى هو غنى النفس. عن سفيان عن منصور عن أبي نجيح، قال: قال سليمان عليه السلام: أوتينا مما أوتي الناس ومما لم يؤتوا، وعلمنا مما علم الناس ومما لم يعلموا، فلم نجد شيئا أفضل من تقوى الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الغنى والفقر. قال سفيان: وزادني فيه غير أبي نجيح، قال: قال سليمان: لا يضر مع هذا مال ولا فقر. وهذا أيضا الإسناد فيه انقطاع بين ابن أبي نجيح وبين سليمان بن داود عليه السلام. وجاء بمعنى هذا الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، ثلاث مهلكات: ... وثلاث منجيات: ... وذكر عليه الصلاة والسلام من المنجيات العدل في الغضب والرضا، والقصد في الغنى والفقر». والقصد في الغنى والفقر وهو حديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. والشاهد قوله: «القصد في الغنى والفقر». فالإنسان إذا أغناه الله جل وعلا وفتح عليه من متاع الدنيا فإن من أسباب السعادة أن يكون مقتصدا، لا يصرف المال ويرى أنه قد أعطي المال الشيء الكثير فلا يبالي بصرف المال يمينا وشمالا، ربما أسرف على نفسه بالمعاصي لسبب المال. وهكذا تكبر ما يغضب الله جل وعلا، فهذا سبب لشقاوته. وربما كان هذا المال سببا في تعاسته وسبب كذلك في خسارته في الدنيا والآخرة، فكان الخير له هو أن يكون مقتصدا كما قال الله جل وعلا: ﴿ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾، وكما قال جل وعلا: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا﴾، فالحق وسط. فإذا أغناك الله جل وعلا فلا بأس أن تستعمل هذا المال فيما يحب الله جل وعلا، وتظهر نعمة الله جل وعلا عليك فيما يلبسك وفيما تأكله وفي مركبك، لكن لا تسرف ولا تبذر فتكون مقتصدا. وهكذا في الفقر إذا ضيق الله جل وعلا عليك في أمر الدنيا فكن مقتصدا، لا تجد تكلف أنك من أهل الأموال، فربما تتكالب عليك الديون، وهكذا ترسل في نفسك في الحرج والضيق من أجل أن تغطي هذا الفقر الذي قدره الله جل وعلا عليك. وهكذا أيضا لا يكون الفقر سببا في وقوعك في الحرام، تريد أن تجمع المال ولا تبالي من أي طريق ومن أين وكيف، المهم تريد أن تكون ذا مال من أجل أن تزيل هذا الفقر، فيكون الفقر سببا في وقوعك فيما يغضب الله جل وعلا، وفي ارتكاب المحرمات وترك الواجبات، فيكون سببا في هلاكك. كن وسطا مقتصدا، استغني بما أتاك الله جل وعلا، واسأل الله جل وعلا أن يغنيك، ولكن لا يكون الفقر سببا في أن تقع في الحرام. وربما تترك الحق الذي أنت عليه من أجل الفقر، تقول: إلى متى يبقيني في هذه الحال؟ ما عندنا أموال، ولا عندنا شيء، والناس يقاسمون الأموال ويطلبون وراء الدنيا، هذا بنا بيتا، وهذا اشترى سيارة، وهذا كذا، ونحن ما عندنا شيء. تذهب وتترك المنهج الحق الذي أنت عليه من أجل المال، تذهب خلف الدنيا، لا تصبر وتحمد الله جل وعلا على الخير الذي أنت عليه، وإن كنت فقيرا فلك برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، ولك بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أسوة. والسعادة الحقيقية هي أن تنجو من عذاب الله، وأن تفوز بنعيم الله جل وعلا، فعليك أن تصبر. قال: والكلام في هذا الباب وتقصي القول والآثار فيه لا سبيل إليه لخروجنا بذلك عن تأليفنا وعما لا نقصده. وإنما حملنا على أن عرضنا على ذكر ما ذكرنا فيه المعنى الذي اعترضنا مما وصفناه. والله تعالى أعلم.

شاركنا على