الدرس في شرح مسائل الجاهلية 98، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع حديث المؤلف حول الفخر ولو بحق، ويبين أن الفخر هو التمدح والاستطالة على الغير، ويوضح أن هذه الخصلة كانت منتشرة في مجتمعات أهل الجاهلية.
نهى الإسلام عن الفخر والافتخار، حيث يعتبر من صفات أهل الجاهلية، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الاستطالة على الغير بحق أو بغير حق لا تجوز وتعتبر افتخارًا أو بغيًا.
ينصح المقطع بعدم الافتخار بالنعم التي أنعم الله بها على الفرد، ويشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفتخر بمناقبه رغم أنه أعطي خير الدنيا والآخرة.
يُحذر من الفخر حتى لو كان بحق، ويُنبه إلى أن الله لا يحب المختالين والفخورين، ويطلب من الله النفع بما قيل واتباع أحسن القول.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثانية والتسعون، أن أجل فضائلهم أيضًا الفخر ولو بحق، فنهي عنه. هذا الفقر، إخواني في الله، بقولي: أن أجل فضائلهم، أجل بمعنى أعظم، أي من أعظم فضائلهم. قال: والضمير هنا لأهل الجاهلية، وأن هذه خصلة مستفحلة، منتشرة في مجتمعاتهم. قال: الفخر ولو بحق، فنهي عنه. الفخر، إخواني في الله، وهو التمدح والاستطالة على الغير، وهذا التمدح بمآثر ومناقب، سواء أكانت في المتكلم أو كانت في غيره من آبائه وأجداده وأسلافه، فيفتخر بأفعاله، مثلا يفتخر بأفعاله بمعنى يتمدح بأفعاله وأنه فعل كذا وكذا، أو أنه إن كان صفرًا من المفاخر، فلا أقل أن يفتخر بمآثر قومه، بمآثر آبائه وأجداده وأسلافه. وهنا نلحظ الفرق بين هذه المسألة التي بين أيدينا وبين ما مضى من قوله: الفخر بالأحساب، فذاك كان نوع من أنواع الفخر المتعلق بالحسب، أي ما كان من جهة النسب، لكن هذا أعم، قد يكون الفخر والاستطالة قد تكون بالمآثر والمناقب، وقد تكون بملك، بجاه، بأفعال، بمآثر، بكرامات، بغير ذلك، فهنا أعم من الحسب. وقول رحمه الله تعالى: أن ذلك كان من أجل فضائل، فقد حكى ذلك ربنا سبحانه وتعالى عن أهل الجاهلية أنهم كانوا يفتخرون على غيرهم، بما أعطاهم الله، لو تلاحظ أن ما اكتسبوه ليست مما اكتسبته أيديهم، وإنما منه ونعمة من الله جل وعلا حباهم الله جل وعلا بها، إذ بهم يفتخرون بها على غيرهم. كما حكى ربنا جل وعلا عن قوم عاد ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَا قُوَّةً﴾، أعطاهم الله قوة وبسط في الجسم والبدن، ومع ذلك كانوا يغتروا ويفتخروا على غيرهم. وهكذا في قوم فرعون، أنه قال: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾، وهكذا في قولهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾، فكانت هذه شيمة وخصلة عند أهل الجاهلية، الفخر أنهم كانوا يفتخرون بأي شيء، أعمالهم، مآثرهم، مناقبهم، بما أعطاهم الله من الملك والجاه والقوة والقدرة والشجاعة إلى غير ذلك. فقال رحمه الله تعالى: فنهي عنه، جاء الإسلام ونهى عن هذه الخصلة، جاء الإسلام ونهى عن الفخر، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، الفخر لا يحبه الله سبحانه وتعالى، فهذا ليس من صفات أهل الإيمان، أنك تفتخر، الفخر والافتخار يا عبد الله هذا من صفة ومن سيمة أهل الجاهلية، يفتخرون ويتطاولون على غيرهم. ولهذا قال مؤلف رحمه الله تعالى: ولو بحق، يعني أحيانًا بعض الناس قد يفتخر بما ليس فيه، وهذا سيأتي، قد يوجد هذا، أن بعض الناس يريد أن يتطاول على غيره فيدعي بعض المناقب والكرامات هي ليست له، لأنه مكذوبة مفتراة، فيدخل في الفخر على كذب، فهو إثم على إثم، جريمة على جريمة. لكن لو عثر على أن أحد من الناس عنده مفخرة في نسبه في حسبه من قوم على علو نسب، أو كان على صنعة، أو كان على ملك، أو كان على جاه، أو كان على قدرة، أو أعطاه الله من صفات الجلال والجمال النسبي البشري، فلو وجد أن أحد من الناس أعطي مثل هذه المفاخر، فهي كذلك تدخل في عموم النهي، لا يجوز أنك تجعلها ذريعة للفخر والافتخار على غيرك، هذا لا يجوز. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ذكر جمعًا وفرقًا حول مسألة الفخر، ومسألة البغي، البغي الذي قد مر معنا، ومسألة الذي بين أيدينا مسألة الفخر، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المستطيل، معنى المستطيل أي المتطاول، الشخص تطاول على غيره، قال رحمه الله تعالى: المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، وإن كان بغير حق فقد بغى، المستطيل الذي يتطاول هنا الاستطالة بمعنى التطاول على الغير. قال شيخ الإسلام: المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، وإن استطال بغير حق فقد بغى، فلا يحل هذا ولا هذا، هكذا قال رحمه الله تعالى، أي الاستطالة بشكل عام لا تجوز، تدخل في عموم النهي، فإن كان استطالتك على إخوانك على المسلمين بأمر حباه الله لك، فهذا افتخار، وهذا لا يجوز، تفتخر مثل أنك رجل من كما قلنا من نسب عريق، فلا تتجعل هذا ذريعة، أنا ابن فلان من فلان، وأنت من تريد أن تطعن في العرض مقابل أن تفتخر بنسبك. أو أن الله حباك ولو حتى خير في باب الدين، مثل أعطاك الله علم شرعي، فلا تجعل هذا العلم مفخرة، تقول اسكت أنت لا تدري مع من تتكلم، أنا فلان من فلان، لي سابق في العلم درست عند المشايخ عند فلان، فتجعل هذه المسألة ذريعة للافتخار، ما يجوز هذا ولو كان بحق، انتبه ولو كان بحق شيء من نعم الله عليك، لا تجعلها ذريعة للافتخار. أعطاك الله مال، أعطاك الله جاه، أعطاك الله سلطان، أعطاك الله نفوذ، أعطاك الله قدرة، أعطاك الله جمال، حسب، نسب، لا تجعل نعمة الله التي حباها لك ماذا تجعلها محل الافتخار، هذا إن كان هذا من حقك، فلا تستطيل به على غيرك لأن هذا افتخار، وإن لم يكن هذا بأن كان الاستطالة بغير حق، فهذا بغي، وهذا بغي، والنهي عن البغي قد مر معنا، نهى عليه صلى الله عليه وسلم عن البغي، فلا يحل هذا ولا هذا. وانظر يا عبد الله إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من هو صلوات ربي وسلامه عليه الذي منَّ الله جل وعلا بخير الدنيا والآخرة، ومع ذلك ما جعل نبينا هذه المناقب وهذه المنازل التي أعطاه الله إياها ما جعلها ذريعة للافتخار، قال عليه الصلاة والسلام: «إني لأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر، وأعطي لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة يوم القيامة ولا فخر»، إيش معنى ولا فخر؟ أي ما أفتخر على غيري بهذا، ما أفتخر على هذا، ما أجعل. أنظر هذه إخواني مناقب حق لنبينا، وما جعلها عليه الصلاة والسلام أن هذه مفخرة يتطاول بها على غيرها، لكن يحدث بنعمة الله، المسلم إخواني في الله إن احتاج أن يحدث يحدث بنعمة الله عليه، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن العاقل الدين إذا ذكر شيء من فضائله ذكرها ولا يريد بها الافتخار، حدث بنعمة الله من نعمة الله عليك أن يجعلني من هذا الخلق، من نعمة الله عليك أن حباني بنعمة العلم، من فضل الله عليك أن من عليك بمال، من عليك بأولاد، من عليك بجاه، تذكر نعمة الله جل وعلا، تذكرها من باب ماذا؟ من باب التواضع لله سبحانه وتعالى، وأن هذه النعم التي بك يا عبد الله ليست الذريعة للافتخار وإنما ذريعة للشكر، أن تكثر من شكر الله بأن الله حباك من بين الناس بما أنت به من مزية من نسب من خلق من جمال من جلال من منصب من جاه، هذا يجعلك يا عبد الله تتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى لا أنك تفتخر على أحد. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد»، فبالتواضع يا عبد الله تنتفي عنك الاستطالة، سواء كان بحق وهي الافتخار، أو بغير حق وهو البغي، إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد. فالحاصل إخواني في الله أن الفخر ولو كان بحق هذا لا يجوز، فكل ذلك مما نهى الله جل وعلا، بل إن الله لا يحب من كان مختالا فخورًا، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.