التعليق على كتاب العلم  51

التعليق على كتاب العلم 51

الدرس في التعليق على كتاب العلم 51، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

طريقة طلب العلم: حفظ القرآن والسنة

يؤكد الشيخ ابن عثيمين على أن طريقة طلب العلم تبدأ بالحرص على حفظ القرآن الكريم ومراجعته يومياً مع التدبر والتفهم. كما يشدد على الاهتمام بحفظ ما تيسر من السنة النبوية الصحيحة مثل كتاب عمدة الأحكام مع الموازنة بينهما.

أهمية التركيز والتدرج في طلب العلم

ينصح طالب العلم بالتركيز والثبات عبر إكمال الكتب في فن واحد قبل الانتقال لغيره محذراً من التشتت في طلب العلم نتفاً مبعثرة. ويؤكد على ضرورة التدرج بالمراحل بدءاً من صغار الكتب المناسبة للمستوى ثم الارتقاء تدريجياً لضمان رسوخ العلم.

ضوابط تلقي العلم وتقويم مستوى الطالب

يشدد المقطع على ضرورة تقويم المعلم لمستوى الطالب قبل التعليم فلا يدرّس المتقدم إلا بعد إتقان المقدمات. كما يبرز أهمية تعلم الأصول والقواعد الكلية في كل علم وفضيلة مناقشة المسائل مع الشيخ أو الثقة من الأقران لترسيخ الفهم.

أهمية المباحثة العلمية والمناقشة

تؤكد الفقرة على أن المباحثة العلمية والمناقشة تعود بفائدة عظيمة في ترسيخ العلم وتعزيز فهمه لدى الطالب. ويختتم المتحدث حديثه بالاكتفاء بهذا القدر من النصح والتوجيه مع الحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد: فنظرًا لتكرار بعض الأسئلة، فأحببنا أن نختار من هذه الأسئلة -لأنها كثيرة- ما نراه مناسبًا، وما نراه غير مكرر. فإن شاء الله نقرأ السؤال السابع عشر. سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: ما طريقة طلب العلم باختصار؟ جزاكم الله خيرًا. فأجاب فضيلته بقوله: طريقة طلب العلم باختصار في نقاط، وذكر ست نقاط: قال: الأولى: احرص على حفظ كتاب الله تعالى، واجعل لك كل يوم شيئًا معينًا تحافظ على قراءته، ولتكن قراءتك بتدبر وتفهم. وهذا الشيء المعين قد يكون مراجعة لحفظ متقدم سابق، وهذا أمر مهم جدًا لطالب العلم: إذا حفظ القرآن أو حفظ شيئًا من القرآن أن يتعاهد القرآن، وإلا فإنه يتفلت منه كتفلت الإبل من عقلها، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد قال عليه الصلاة والسلام: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها». فاجعل لك وقتًا معينًا في كل يوم تراجع فيه ما يسر الله عز وجل لك، سواء كان جزءًا أو أكثر من ذلك أو أقل، المهم أنك تستمر في كل يوم على المراجعة، والاستمرار فيه خير، وفيه بركة، وفيه كذلك محافظة على الحفظ السابق. ثم قال: ولتكن قراءتك بتدبر وتفهم، لتجمع بين أجري القراءة والحفظ والتدبر والتفهم. فليس معنى أنك تراجع ما حفظت أن تقرأه فقط بغرض المراجعة دون أن تتدبر، ودون أن تتفهم ما تقرأ في هذا الحفظ. ليس الأمر كذلك، فأنت تجمع بين مصالح كثيرة: من المراجعة، ومن كذلك التدبر، من أجر القراءة، فكل ذلك تتحصل عليه بمراجعتك إذا نويت تلك النية الطيبة. وكذلك لا تنسى أن يكون لك ورد تقرأ من كتاب الله نظرًا إلى المصحف أو نظرًا في المصحف، فهذا أيضًا مما ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم. لماذا؟ لأن ربما المراجعة يكون الذهن منشغلًا بإتقان المحفوظ وبعدم الخطأ في الحفظ، فما يكون ذاك التدبر وذاك التفهم لما تقرأ. لكن إذا قرأت نظرًا في المصحف، فإن التفهم والتدبر يكون أكثر، ويكون أكثر. فلذلك اجعل لنفسك كذلك حظًا من القراءة في المصحف نظرًا، ولو كنت تحفظ القرآن كله. قال: وإذا عنت لك فائدة أثناء القراءة فقيدها، فإن الإنسان أحيانًا يتدبر الآية فيفتح الله عز وجل عليه بفوائد، وبكذلك يعني أمور هذه الأمور تعينه على تدبري وفهم كتاب الله سبحانه وتعالى. فطالب العلم ينبغي أن يولي القرآن اهتمامًا بالغًا، وأن يقبل عليه إقبالًا كليًا، لا سيما ونحن قادمون على شهر فاضل، شهر رمضان، وهو شهر القرآن الذي أنزل فيه، والذي كان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارس نبينا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه القرآن. فاحرص أن تجعل من وقتك للقرآن: للقرآن حفظًا ومراجعة وتدبرًا، وكذلك تلاوة وعملًا وتفهمًا، وإلى غير ذلك. هذا أول طريق ينبغي أن يحرص عليه طالب العلم في سيره في هذا الطريق، طريق العلم. قال: ثانيًا: احرص على حفظ ما تيسر من صحيح سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك حفظ «عمدة الأحكام» هذا على سبيل المثال. وقد تقدم أن طالب العلم يجمع بين حفظ القرآن والسنة، فلا يغلب حفظ القرآن على السنة، بمعنى أنه لا يلقي لحفظ السنة بالًا، وإنما يحفظ القرآن وكذلك يعتني بحفظ السنة الصحيحة. ولذلك قال: ما تيسر من صحيح سنة الرسول، واختار «عمدة الأحكام» كما تقدم؛ لأن أحاديثها من الصحيحين: صحيح البخاري وصحيح مسلم. ولا بأس أن يحفظ ما هو أرفع وأكثر مما جاء في العمدة ك«بلوغ المرام»، وإن كان فيه بعض الأحاديث الضعيفة، إلا أنه ولله الحمد والمنة قد خدم ذلكم الكتاب بالتحقيق والتصفية، فترجع إلى حكم علماء الحديث على تلك الأحاديث التي هي خارج الصحيحين. قال: ثالثًا: احرص على التركيز والثبات، بحيث لا تأخذ العلم نتفًا: من هذا شيئًا، ومن هذا شيئًا، لأن هذا يضيع وقتك ويشتت ذهنك. وهذه نصيحة غالية، ونصيحة كذلك مهمة لطالب العلم: ألا يشتت نفسه في التنقل من علم إلى آخر دون أن يتقن العلم الأول. فالتخصص، وكذلك التركيز على فن معين وإتقانه، هذا أمر مهم جدًا. فالذي يتنقل من علم إلى آخر قبل أن يكمل العلم الأول، هذا في الغالب لا يستفيد. لماذا؟ لأنه يتشتت ويضيع وقته دون إتقان. وأمثال هؤلاء كذلك أهل الثقافة الذي همه أن يقرأ الجديد: إذا رأى كتابًا جديدًا أخذه وقرأ فيه وتصفحه، عنده شغف بالكتب والاطلاع فحسب. هذا كذلك لا يؤصل علمًا، هذا لا يؤصل علمًا. تأصيل العلم إنما يكون بأخذ الفن، وكذلك بإكمال الكتب أو بعض الكتب المؤلفة فيه. فمثلًا على سبيل المثال: أردت أن تدرس التوحيد، فادرس كتب التوحيد كتابًا كتابًا، لا تنتقل من كتاب إلى آخر، ولا كذلك تدرس ربع الكتاب ثم تنتقل إلى علم الفقه لأنه فتح درس جديد في الفقه، وتترك علم التوحيد. وهكذا: فتح علم في الأصول، تترك علم الفقه وتذهب إلى الأصول، تأخذ من كل علم نتفًا، يعني فوائد متفرقة مبعثرة. هذا ليس بمجدٍ لطالب العلم. فطالب العلم يأخذ العلم كما ذكر: تركيز وثبات وإكمال للكتب المؤلفة في هذا الفن. ولا يمنع أن تدرس في وقت أو في زمن واحد أكثر من فن من فنون العلم. فمثلًا: عندك درس في العقيدة تستمر في العقيدة، وفي المساء عندك درس في الفقه تستمر في الفقه، لا يمنع ذلك. لكن لا تقطع الدرس وتنتقل إلى درس آخر قبل أن تكمل هذا الكتاب. فهذا هو المراد، والله تعالى أعلم. قال: رابعًا: ابدأ بصغار الكتب وتأملها جيدًا، ثم انتقل إلى ما فوقها حتى تحصل على العلم شيئًا فشيئًا على وجه يرسخ في قلبك وتطمئن إليه نفسك. وهذا أيضًا أمر مهم جدًا لطالب العلم: أن يتدرج في أخذ العلم، أن يتدرج في أخذ العلم. كل يوم يأخذ فائدة ويأخذ شيئًا من العلم الذي يوافق مستواه، يوافق مستواه. فإن كان مبتدئًا يبدأ بصغار الكتب، كتب المبتدئين، فيجتهد في إكمالها، فإذا أكملها يرتقي إلى ما هو أرفع منها، وهكذا. فالتدرج في كل شيء يصل صاحبه إلى مقصوده. فالتدرج في طلب العلم كصعود الشخص على سلم: فلو أراد هذا الصاعد أن يصعد إلى سقف هذا المسجد، فأراد أن ينتقل من الدرجة الأولى إلى الدرجة العاشرة، لا يستطيع، ربما يسقط ويكسر نفسه، ولا يصل إلى مقصوده، ولا يصل إلى مقصوده. وهكذا في هذا الأمر المعنوي وهو طلب العلم: فالذي مباشرة يريد أن يدرس الطحاوية ما شاء الله، أو يريد أن يدرس الحموية، وهو لم يدرس بعد الكتب التي قبل هذا الكتاب من المختصرات، فكتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أو كتاب العقيدة الواسطية، أو غيرها من الكتب المختصرة الموافقة لمستوى الطالب المبتدئ، الطالب المبتدئ. فينبغي لطالب العلم أن يحذر من أن يتقفز تقفزًا، فيخرج ولم ينل من العلم شيئًا. ولذلك جاء في تفسير قول الله عز وجل: ﴿ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون﴾، أن الربانيين هم الذين يعلمون الناس صغار العلم قبل كباره، قبل كباره. فالشيخ أو المدرس الحاذق المستفيد يستطيع أن يحدد مستوى الطالب، يستطيع أن يحدد مستوى الطالب. فمثلًا: أنت مدرس، جاء عندك عشر من الطلاب تدرسهم، على سبيل المثال، مثلا في النحو، تدرسهم المتممة على الآجرومية ما شاء الله. تسأل الأول: أعرب «جاء زيد راكبًا»، ما إعراب «راكبًا»؟ قال: راكبًا مفعول به. هذا ما يصلح أن يدرس المتممة على الآجرومية، لأن هذا من بدائيات علم النحو، فباب الحال موجود في الآجرومية، وهذه متممة عليها، لا يدرسها إلا من قد درس الآجرومية. وهذا يدل على أن العلماء يؤلفون على حسب مستويات طلاب العلم، فالمتممة إنما ألفت لمن أتقن الآجرومية حتى ينتقل إلى ما هو أرفع منها. وهكذا، فينبغي لطالب العلم أن يذهب عند مدرس ويقول له: أنا أريد أن أطلب العلم، ما نصيحتك؟ ما هي الكتب التي أدرسها؟ كيف ترى مستوى العلم؟ كيف ترى مستوى العلم؟ هل يصلح أن أدرس مثلا كتاب كذا وكذا وكتاب كذا وكذا؟ وليس بعيب أن تطلب منه أن يسألك عن مستواك. العلم ليس بعيب. قل له: يا أخي، اسألني عن بدائيات هذا العلم، هل أنا قد ألممت ببدائيات هذا العلم وبأساسيات هذا العلم، أو أنني لم أدرس أو لم أعرف هذه المقدمات أو هذه البدائيات؟ فتأتي عند المدرس وهو الذي يوجهك، وهو الذي يرشدك، وهو الذي كذلك يضعك في الدرس الذي يليق بك، الذي يليق بك. فهذا أمر مهم جدًا. قال: خامسًا: احرص على معرفة أصول المسائل وقواعدها، وقيد كل شيء يمر بك من هذا القبيل. فقد قيل: من حرم الأصول حرم الوصول. فالقواعد مهمة جدًا، والأمور القواعد الكلية، سواء كان في علم الفقه، أو كذلك في علم العقيدة والتوحيد. في باب مثلًا الأسماء والصفات، ولله الحمد والمنة، العلام ابن عثيمين له ذاك الكتاب الطيب وهو «القواعد المثلى»، هذا مثال حي لما يدند حوله الشيخ وغيره من المشايخ في مسألة معرفة أصول المسائل. فهذه القواعد تجعلك متقنا لمسألة ما ورد في أسماء الله وصفاته، في أسماء الله وصفاته، وتستطيع بإتقانك لتلك القواعد أن ترد على جميع الطوائف والفرق التي خرجت في معتقدها على منهج أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات. وهكذا في باب الفقه: القواعد الفقهية والقواعد الكلية وغيرها من القواعد، تقيدها وتدرسها وتحرص على فهمها، فتفتح لك أبوابًا عظيمة وكثيرة من أبواب العلم، من أبواب العلم. والأمر كما قيل: من حرم الأصول حرم الوصول. قال: سادسًا: ناقش المسائل مع شيخك، أو مع من تثق به علمًا ودينًا من أقرانك. وهذا أمر أيضًا مهم جدًا، وهذا فائدة الدراسة عند الشيخ، أو عند المدرس المتقن، أو المستفيد في العلم الذي تريد أن تدرسه. فإن من فوائد الدراسة، من فوائد الدراسة عنده، أن تناقشه، وأن كذلك تتثبت من ما فهمت وما حفظت. فإن الشخص قد يفهم خطأ، وقد تشكل عليه المسألة، فمن الذي يفكها له، ومن الذي يحلها؟ إنه العالم، أو كذلك الشيخ المدرس الذي من الله عز وجل عليه بإتقان هذا العلم، أو بالاستفادة في هذا العلم. فهذا أمر مهم جدًا، وبذلك يرسخ العلم، وبذلك يرسخ العلم عند المناقشة، وعند كذلك السؤال، وعند السؤال. قال: ولو بأن تقدر في ذهنك أن أحدًا يناقشك فيها إذا لم تمكن المناقشة مع من سمينا. نعم، فترد بعض الإشكالات، وترد عليها، وهكذا. فالمباحثة العلمية والمناقشة لها فائدة عظيمة في ترسيخ العلم، وفي كذلك فهم العلم. والله تعالى أعلم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.