شرح الفتوى الحموية 6

الدرس في شرح الفتوى الحموية 6، ألقاها

انتقاد استخدام التأويل في مخالفة الكتاب والسنة

ينتقد شيخ الإسلام ابن تيمية استخدام التأويل في مخالفة نصوص الكتاب والسنة، ويشير إلى أمثلة من الفرق المخالفة مثل المعتزلة والشيعة والخوارج. يُظهر كيف أن هذه الفرق تستخدم التأويل لإنكار بعض صفات الله أو أمور أخرى.

نقد تأويل الصفات الإلهية بالعقل واختلاف الفرق

يناقش شيخ الإسلام كيف تستخدم بعض الفرق العقل لتأويل الصفات الإلهية، ويشير إلى عدم وجود قاعدة عقلية متفق عليها بينهم، منتقدًا هذا النهج واختلافاتهم.

وجوب الأخذ بالعلم النبوي وبيان كمال الرسالة المحمدية

يؤكد النص على أهمية تلقي العلم من النبوات وعدم الابتداع في الدين، ويبرز كمال رسالة النبي محمد في العلم والبيان والإرادة، مشيرًا إلى استقامة الصحابة والتابعين في هذا السياق.

ختام بالتسبيح والاستغفار

يختتم النص بالتعبير عن عظمة الله تعالى ويتضمن تسبيحًا واستغفارًا وتوبة إليه، مع التأكيد على طلب المغفرة والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب في أمر مريج. فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل. ومن يحيل أن لله علما وقدرة وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل. بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: بعد أن ذكر حال المخالفين لطريقة الرسل في شتى أنواعهم، قال: ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة من المتأولين لهذا الباب -أي لباب الأسماء والصفات- قال: في أمر مريج، أي في أمر ملتبس. فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، كحال المعتزلة، ينفون الرؤية وأن الله جل وعلا يرى. لماذا؟ يقول: لأنه مستحيل بأن نقول بأن الله يرى. لماذا؟ يقول: لأن العقل يأباه. قال: لأن المرء لا بد أن يكون في جهة أو في مكان، والله جل وعلا لا يجوز أن يكون في جهة ولا أن يكون في مكان. إذن الرؤية مستحيلة. هكذا زعم بالعقل واضحة جماعة. وكذلك يقول: ومن يحيل -يعني المعتزلة كما سمعتم أنكروا الرؤية- وكذلك من تبع المعتزلة على هذه العقيدة من الشيعة الرافضة وغيرهم من الشيعة بشتى أنواع الشيعة في باب الاعتقاد معتزلة. بل طوائف من الخوارج كذلك على هذه العقيدة صاروا. قال رحمه الله: ومن يحيل أن لله علما وقدرة -أي ينفي أن يكون لله جل وعلا علما وقدرة- يقول: هذا محال. وأن يكون كلامه غير مخلوق يقول أيضا محال. أن يكون كلام الله جل وعلا غير مخلوق، أي بل كلامه مخلوق واضحة جماعة. يقول: ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل. يقول: لأن العقل ينهى ويأبى ويحيل أن يكون الله جل وعلا له علم وله قدرة وأن الله جل وعلا يتكلم. لماذا؟ لأن هذه الصفات من صفات الحدوث ومن صفات المحدث. ولو قلنا بأن الله جل وعلا متصف بها لزم أن يصف بالصفات المحدث وتشبيه الخالق بالمخلوق ممتنع محال واضح. قالوا بالعقل أيضا إذا ممنوع لا يجوز بزعم هؤلاء أن يصف الله جل وعلا بصفة العلم ولا بصفة الكلام ولا بصفة القدرة ولا بشيء من ذلك. لماذا؟ لأن العقل بزعمهم يمنع هذا كما هو قول الجهمية ومن كان على شاكلتهم. ثم قال رحمه الله: بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة كالفلاسفة والغولاة من الباطنية. يقول: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. لماذا؟ لأن العقل يمنعه. قال: ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل. إذن هؤلاء مذاهبهم شتى وهم مختلفون بل وهم متعادون وهم متنافرون. وكل واحد يزعم أن العقل يمنع ويحيل أن يصف الله جل وعلا بما ثبت في كتابه وبما ثبت في سنة رسوله. زعما منهم أن العقل يأباه. قال رحمه الله: ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل. بل منهم من يزعم أن العقل يجوز أو أوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله. يعني يعطي مثالا، مثال على ذلك الأشاعرة يثبتون لله جل وعلا العلم والقدرة والكلام. لماذا؟ يقول: أن العقل يجيز ذلك بل هذا واجب في حق واجب الوجود. في المقابل تجد الجهمية يقولون بأن هذه الصفات ممكنة أم مستحيلة ممتنعة. لذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل. قال: فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟ فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس حيث قال: أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء. وقوله: يا ليت شعري هذا صار مثلا يذكر للشيء المتعجب منه مع ظهوره. فيقول الشيخ الإسلام: فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة؟ بأي عقل؟ هل هو بعقل القرمطي الباطني أم الفيلسوف أم الجهم أم المعتزلي أم الأشعري أم بعقل من؟ قال رحمه الله: وكل من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر. وهو من وجوه، أحدها: بيان أن العقل لا يحيل ذلك. والدليل على أن العقل لا يحيل ذلك أن ما منعه الغالي ما دونه يثبته. والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل لأنها نصوص واضحة صريحة جلية. نصوص واضحة وثابتة متواترة من حيث الثبوت وكذلك من حيث الدلالة قطعية. الثالث: أن عامة هذه الأمور قد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بها بالاضطرار كما أنه جاء بالصلاة الخمس وصوم شهر رمضان. فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم وسائر ما جاءت به النبوات. الرابع: أن يبين أن العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص. وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن درك تفصيله. وإنما يعلمه مجملا. على أن الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية. قال رحمه الله: وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه. ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. وكفى بالله شهيدا. قال: والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمن الإيمان بالمبدأ والمعاد. وهو الإيمان بالخلق والبعث. كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا خَلَقَكُمْ وَلَا بَعَثَكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾. قال: ومعلوم للمؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من غيره بذلك وأنصح للأمة من غيره وأفصح من غيره عبارة وبيانا. بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم. فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة. قال: ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله. وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه وإما لعجزه عن بيان علمه وإما لعدم إرادته البيان. والرسول صلى الله عليه وسلم هو الغاية في كمال العلم والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين والغاية في قدرته على البلاغ المبين. قال: ومع وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المراد. فعلم قطعا أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان. وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه. وعلمه بذلك أكمل العلوم. قال: فكل من ظن أن غير الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا منه أو أكمل بيانا منه أو أحرص على هدى الخلق منه فهو من الملحدين. قال: والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيل السلف هم في هذا الباب على الاستقامة. إذ أن عقولهم صحيحة صريحة لم تتلوث. فما جاء به الرسول أخذوه وآمنوا به. والله تعالى أعلى وأعلم، وسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على