شرح لمعة الإعتقاد  30

شرح لمعة الإعتقاد 30

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 30، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف الإيمان ومكوناته

يتم تعريف الإيمان بأنه قول وعمل وعقيدة، ويتم استدلال ذلك من القرآن الكريم. الإيمان يشمل الإخلاص والحنيفية في العبادة.

معنى الدين والإيمان في القرآن والسنة

الدين يشمل الإيمان والبر والتقوى كما ورد في القرآن. حديث النبي صلى الله عليه وسلم يبين شعب الإيمان ودرجاته.

أركان الإيمان ودرجاته وتفاوته

أركان الإيمان الاعتقادية ستة، بينما الأعمال الإيمانية تبلغ بضع وسبعين شعبة. الإيمان يزداد وينقص ويتفاوت بين الناس.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلازلنا مع ابن قدامة رحمه الله تعالى في رسالته "لمعة الاعتقاد" وفي الفصل المعقود بما في مسائل الإيمان، حيث قال رحمه الله تعالى: "والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان". وقد مرت معنا ذكر المباحث المتعلقة بأركان الإيمان الثلاثة، ثم قام المؤلف رحمه الله تعالى واستعرض لنا الأدلة الدالة على مسألة الإيمان، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: قال الله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، هذه الآية استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى للدلالة على أن الإيمان متكون من قول ومن عقيدة ومن عمل. في قوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، هنا هذا الأسلوب يسميه العلماء بأسلوب الحصر والقصر، بل هذا الأسلوب من أعظم الأساليب، وهو النفي بما ثم الإثبات بإلا، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فذكى ربنا جل وعلا أن من العبودية التي ينبغي أن يتعبد بها العباد لربهم جل وعلا قضية الإخلاص، أن يعبدوا الله مخلصين له الدين. فقوله تعالى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، وحنيفًا مأخوذ من الحنف، والحنف بمعنى الميل، فالحنيف هو المائل عن ميل الكفر إلى ملة الإسلام، المائل عن الأديان، المائل عن الملل، المائل عن كل ما سوى الله سبحانه وتعالى، فيبتغي قصدًا لربه سبحانه وتعالى، فهذا هو الحنيف. وقوله تعالى ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، كذلك هذا مما أُمر به بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، قال: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، أي هذه المعطيات إذا قام بها أهل الإيمان قاموا بها، حينها فإنهم قد أصابوا الدين. وقوله سبحانه وتعالى ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، قيل: القيمة بمعنى القائمة العادلة، وقيل: القيمة بمعنى المستقيمة، وفي قوله سبحانه وتعالى ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، إذا هذا هو الدين، وكلمة الدين من إطلاقاتها تطلق على البر، وتطلق على التقوى، وتطلق على الإيمان، وهذا هو الشاهد. فإن هذه المصطلحات كما نبه على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنها من المصطلحات المترادبة، فالدين بمعنى الإيمان، والإيمان بمعنى البر، والبر بمعنى التقوى، فقول سبحانه وتعالى ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، أي هذا هو الإيمان، وهذا هو البر. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، فجعل القول والعمل من الإيمان. هذا الحديث لو أن أهل البدع، وخاصة على وجه الخصوص المرجئة، لو أنهم تمعنوا في هذا الحديث لعلموا أن هذا الحديث هو القاطع والظاهر الدلالة في نسف معتقدكم الذي ظنوه معتقدًا، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث جعل الأقوال وجعل أعمال القلوب وجعل أعمال الجوارح كلها من الإيمان. فقوله عليه الصلاة والسلام «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، معنى شعبة بمعنى الطائفة، أي الإيمان بضع وسبعون طائفة، وهذا العدد كما جاء في البخاري مصرحًا، وجاء عند مسلم «بضع وستون شعبة»، وجاء كذلك في رواية لمسلم بالشك «بضع وسبعون أو بضع وستون»، واقترف العلماء في الترجيح من ذهب إلى رواية مسلم «بضع وستون» لأنها فيها الأمر اليقيني. فقوله عليه الصلاة والسلام «الإيمان بضع وسبعون شعبة»، وهنا تأتي مسألة قد يشكل على بعض الناظرين، يقول: الإيمان هنا أخبر نبينا بأنها بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، بينما في بعض الأحاديث قال نبينا أركان الإيمان ستة، إذن هل هي ستة أو هذا العدد الكثير؟ وهل هناك تناقض بين هذه الأعداد؟ لا ليس هناك تناقض، وإنما كل عدد على حسبه، فقوله عليه الصلاة والسلام بأن الإيمان بضع وسبعون شعبة هذا ما يسمى بأركان الإيمان العملي، وأما أركان الإيمان الستة هذه أركان الإيمان الاعتقادي، فالمسائل الإيمان الاعتقادية ستة أركان، وأما مسائل الإيمان العملية فهي بضع وسبعون شعبة. قال عليه الصلاة والسلام «أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله»، فإذن الإيمان يكون بالقول، لأن شهادة أن لا إله إلا الله لا تتم إلا باللسان، ففيه إشارة على أن من طوائف الإيمان ومن صور الإيمان التلفظ باللسان. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: فجعل القول والعمل من الإيمان، أي هذا ما استوحى من الحديث، ولهذا تجد أن أهل السنة وجماعة يذكرون هذا الحديث من أعظم أدلتهم على أن الإيمان قول وعمل، وعلى هذا جرى السلف رحمه الله تعالى. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال تعالى ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وهذا كذلك فيه فائدة في عقيدة أهل السنة والجماعة في باب الإيمان على أن الإيمان يزداد، وليس هو سواء كما يزعم من يزعم، وإنما الإيمان يزداد. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الإيمان مثقال ذرة»، فجعله متفاضلًا، أي أخبر ربنا سبحانه وتعالى على أن الناس يتفاضلون في الإيمان. فمنهم من ربما إيمانه مثقال ذرة، ومنهم من في قلبه من الإيمان مثقال برة، ومنهم من في قلبه من الإيمان مقدار شعيرة، فدل ذلك على أن الإيمان يتفاوت من شخص إلى شخص آخر. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.