شرح لمعة الإعتقاد  31

شرح لمعة الإعتقاد 31

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 31، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

وجوب الإيمان بالرسول وما أخبر به

يجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويشمل ذلك الأمور الغيبية والسمعيات. هذا الإيمان جزء أساسي من العقيدة.

شروط صحة الأحاديث النبوية والاحتجاج بها

يشترط في الأحاديث النبوية أن تكون صحيحة لكي يعتمد عليها في الشريعة، ولا يجوز الاعتماد على الأحاديث الضعيفة أو الإسرائيليات في مسائل الاعتقاد. يجب التمييز بين الأحاديث الصحيحة والضعيفة.

تحذير من الإسرائيليات وتأكيد على النقل الصحيح

يناقش المقطع مسألة الاحتجاج بالإسرائيليات في مسائل الغيب والعقيدة، ويحذر من اعتمادها كدليل شرعي. يجب الاعتماد على النقل الصحيح من الكتاب والسنة في مسائل الغيب.

تتمة الكلام حول الإسراء والمعراج والغيبيات

يتابع الشيخ درس حول الإسراء والمعراج والغيبيات، ويطلب من الله النفع بما يقول. يختم بالصلاة على النبي والسلام، مؤكداً على أهمية الاستمرار في طلب العلم النافع.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل الإيمان بكل ما أخبر به الرسول. قال: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الفصل، إخواني في الله، والذي يعنون به أحيانا في كتب الاعتقاد بما يسمى بباب الغيبيات، ويعبر كذلك عنه بباب السمعيات. فعلى قول من يعرف هذا الباب ويعنون له بقوله الغيبيات، فهي نسبة إلى الغيب، وهو ما غاب عنا وأخبرنا عنه. وأحيانا كذلك يسمى هذا الباب أو هذا الفصل بالسمعيات، ووجه هذه التسمية بالسمعيات لأن الأدلة إما أن تكون أدلة نقلية وإما أدلة شرعية، الأدلة على قسمين: إما أدلة نقلية وإما أدلة عقلية، والأدلة النقلية لا تعرف إلا عن طريق السمع، أي بخطاب الكتاب والسنة. فهي تعتمد على السماع، ولهذا يعبر عن هذا الباب بالسمعيات، وهذا تعبير نعم عند المتكلمين، إلا أنه عند المتأخرين من أهل السنة يستخدمونه فيعبرون عن هذا الباب بالسمعيات. إذن هذا الفصل، وهو الذي يسمى بالغيبيات أو يعبر عنه بالسمعيات، هذا الباب يذكر فيه العلماء تحت مبحثه المباحث المتعلقة بأمور الغيب. مثلا يذكرون تحت مبحثه ما يتعلق بالأخبار الماضية للأمم السالفة، وأيضا ما يتعلق بأشراط الساعة، وهكذا ما يتعلق باليوم الآخر، وما يتعلق بالقبر، بنعيم القبر وبعذاب القبر، إلى آخره. فهذا الفصل أعده العلماء رحمهم الله تعالى في هذه الأشياء، فيعبر عنه بالسمعيات، ويعبر عنه بالغيبيات. قال رحمه الله تعالى: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: ويجب، وهنا الوجوب الشرعي، واجب على كل مسلم ومسلمة أنه يذعن لأخبار المصطفى عليه الصلاة والسلام، وذلك بالإيمان به والتصديق بكل ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم، لأن هذا وحي أوحاه ربنا جل في علاه في حق نبينا عليه الصلاة والسلام. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، فهو وحي أوحاه ربنا لنبينا عليه الصلاة والسلام، لذا كان الإيمان به واجبا. مع التنبيه إلى أن هذه المسائل التي ستذكر في باب الغيبيات وباب السمعيات ليست على حد سواء، فمنها ما يعتبر كفرا ورده، وبعضها من لربما رده يؤدي إلى فسق صاحبه. فهي لا تستوي، لكنها تشترك جميعا في وجوب الإيمان بأن الكل قد جاء به النبي عليه الصلاة والسلام. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. هنا تنبيه كذلك إلى مسألة السمعيات والغيبيات، على ما قرر، يدخل في ذلك كل ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وقبل ذلك ما جاء به القرآن. فكل من المغيبات جاء ذكره في القرآن والسنة، ينبغي الإيمان به. فالقرآن كذلك قد ملئ بذكر الأشياء المتعلقة باليوم الآخر، بالأشياء المتعلقة كذلك بالجنة والنار. لماذا المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المبحث قصر الحديث على السنة فحسب، فقال: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم؟ ألم يكن للمؤلف رحمه الله تعالى يقول: ويجب الإيمان بكل ما جاء به القرآن والسنة؟ قال العلماء: المؤلف رحمه الله تعالى اقتصر على السنة لأن القرآن متفق عليه، لا يمكن لأحد أن يتجرأ في رد القرآن أو رد آية من كتاب الله، لأنه من تبجح وتجرأ على رد آية من كتاب الله فقد كفر، ولا يفعل ذلك إلا الزنادقة. إذا تصور في حق رجل يأتي عند آية من كتاب الله ويقول: هذه الآية ما أنا بمؤمن بها، لقلنا: أنت كفرت بالله جملة وتفصيلا، لا إشكال في كفرك. لكن ما أحد يستطيع أنه يتجرأ على أن يتطاول على كتاب الله سبحانه وتعالى فيرد شيئا من القرآن. لكن الجرأة بلغت عند أهل الأهواء والبدع في أنهم ردوا الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، هنا مكمن الخطر. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى ركز على السنة لأنه يعلم أن القرآن في ضمان، ما أحد من أهل الأهواء والبدع يتجرأ على رد القرآن، لكن في باب السمعيات وفي باب الغيبيات بلغت الجرأة عند أهل الأهواء إلى ردها إذا جاءت من طريق السنة. فمثلا ما يتعلق بحجية السنة أصلا، هل السنة هي حجة؟ هذا عند أهل السنة وجماعة المسلمين، بل عند كل مسلم، أن السنة يحتج بها، وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. لكن تجد أن جماعة من أهل البدع قديما وهكذا وجد حديثا عند بعض أهل الأهواء أنهم يردون السنة، ما يؤمنون بها ولا يعتقدون بما فيها، يقولون: حسبنا ما في كتاب الله سبحانه وتعالى. فرقة من الضلال وأهل البدع يقولون بهذا. فبعضهم يلغي حجية السنة، وفرقة كذلك لربما تعترف بالسنة، إلا أن لها تقسيما آخر، وهو أنهم يقسمون السنة إلى آحاد ومتواتر. وبعد هذه القسمة يذهبون إلى ما ينبني على هذه القسمة أن باب الاعتقاد إنما يعتمد عليه من باب السنة المتواترة، وكل ما ثبت من السنة الآحاد فلا يعتمد عليها في باب الاعتقاد. وهذه قاعدة يستعملها أهل البدع كالمعتزلة وجماعات من أهل الأهواء كهكذا الأشاعرة، على رد الأحاديث. أن أي حديث آحاد، معنى الآحاد: أي ما كان من قسم الغريب، أو من قسم العزيز، أو من قسم المشهور، هو كل ما لم يبلغ حد التواتر عندهم. فكل أحاديث من أحاديث الآحاد جاءت في باب المعتقد، فإنهم يقولون: نحن غير ملزمين بها، لا نؤمن بها ولا نؤمن بما جاءت به ولا بما دلت عليه. فتجد مثلا المعتزلة بكل صفاقة إذا سئلوا ببعض الأحكام الشرعية من أمور الغيب، مثل ما يتعلق بعذاب القبر وبنعيم القبر، لا يتجرأون بملء الفم ويقولون: أنا لا أؤمن بنعيم القبر ولا بعذاب القبر. يقولون: هذه الأحاديث أحاد، أحاديث آحاد، ولا تلزمنا بأحاديث الآحاد. فهم يجعلون وهكذا قسمة سائر أشراط الساعة، كثير من أشراط الساعة لربما يمرون عليها مرور الكرام، وهم كذلك يجعلونها خلف ظهورهم، نسية منسية، بحجة أنها خبر آحاد. فتجد أن السنة، إخواني في الله، هضمت وظلمت من قبل أهل الأهواء، إما بترك الحجية بها أو كذلك بترك العموم بالعمل بها. فلهذا نوع أن المؤلف رحمه الله تعالى ركز على الاهتمام بالسنة في باب الغيبيات، وبهذا نعتذر له رحمه الله تعالى لهذا التصور. قال رحمه الله تعالى: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. إذن علمنا ما معنى الوجوب، وهو الوجوب الشرعي، وعلمنا لما علق المؤلف رحمه الله تعالى أقوال النبي لأن القرآن في منأ من التكذيب، لأنه لا يكذب بالقرآن إلا كل كافر زنديق. وبقوله: بكل ما أخبر به، كل ما جاء عن نبينا، فينبغي الإيمان به. كل ما جاء عن نبينا كما قال نبي لذاك الصحابي: أكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حقا، وأشار إلى فمه عليه الصلاة والسلام. فقوله: حق، صلوات ربي وسلام عليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق. وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه. وهذا العموم كذلك يشمل كل ما تلفظ به نبينا صلى الله عليه وسلم، نؤمن به، سواء كان هذا وافق ما وافق عقولنا أو لم يوافقه. فبعض الناس، وهذا من الفتن الموجودة في العصر الحالي وفي العصر الحديث، أن بعض الناس يشترط في التصديق بالإيمان بكل ما جاء به الرسول أن يوافق الواقع، هذا عنده قيد وللعنده شرط. إذا جاءت الأحاديث عن رسول الله، يقول: ينظر إلى الواقع، إذا كان هذا موافقا للواقع فحي هلأ نؤمن بالسنة، وأما إذا خالف الواقع، فإما أن نتوقف في السنة، وهذا الذي فعله الزنادقة في هذا الأزمان، حين تجرأوا على رد الكثير من الأحاديث الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، بحجة أنها لا توافق الواقع. وسأتي الأمثلة في هذا الباب بإذن الله. وهنا قوله رحمه الله تعالى: وَصَحَّ بِهِ النَّقْلُ عَنْهُ، وهذا كذلك تنبيه لمسألة مهمة. ونحن في خضم تقرير هذا المبدأ وهذه العقيدة على أن السنة ينبغي أن يعتمد عليها في باب الغيبيات. ونحن نقرر هذه المسألة، ينبغي أن تنبه لأمور، وهذه الأمور حواها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وَصَحَّ بِهِ النَّقْلُ. وهذه المسألة يُستفاد من عدة أمور: الأحاديث النبوية التي نستدل بها على المغيبات، بل على مسائل الدين والشريعة، أول شرط من شروطها أن تكون ممن قد صحت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا شرط. شرط الصحة. للأسف بعض الناس من لربما عندهم نوع من التعظيم، على حد زعمه، لمقام النبي عليه الصلاة والسلام، إذ أنه كلما سمع رجلا يقول: قال رسول الله، لربما أخذ به وعمل بما فيه، بغض النظر عن صحة هذا الحديث المسموع عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فيرى أن من تعظيم مقام النبي أنه يمتثل لكل حديث، وهذا ليس بصحيح. بل ينبغي المسلم أن يتأنى في قبول الأحاديث. نحن نقرر أن أحاديث الرسول ينبغي أن تعتمد، وينبغي أن يعمل بها، لكن بشرط أن يكون هذا الحديث قد ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام. والسلف الصالح في الصدر الأول كانوا على عناية بهذه المسألة، كانوا على عناية بهذه المسألة. ابن عباس رضي الله تعالى عنه لما كان في مجلس بشير بن كعب أو نحوه، عندما كان هذا الراوي يروي عن رسول الله، فتفاجأ هذا الراوي أن ابن عباس، وهو حبر الأمة وترجمان القرآن ومن خيرة صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام، بعيد ولا يبالي بأحاديث الراوي. فقال هذا الرجل بشير: يا ابن عباس، أحدثك عن رسول الله وأنت على هذا الحال؟ يعني لا تنصت ولا تستمع ولا تبالي. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: قال: يا ابن أخي، إن كنا مرة إذا سمعنا الرجل يقول: قال رسول الله، ابتدرته أسماعنا وأبصارنا. قال: لكن لما ركب الناس الصعب والذلول، فما نأخذ إلا عن من نعرف. لما وقع الضعف في الناس وقلت الضبط عند أهل الإسلام، هنا جاءت العناية والتركيز، والتدقيق في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام. يعرفون مخرج الحديث، فإن كان ممن صح حديثه أخذوه وتقبلوه، أما إذا لم يعرفوه أو شكوا فيه تركوه ولم يأخذوه، صيانة للشريعة. فهذا أمر مهم. بهذا نعلم، إخواني في الله، أن الأحاديث الضعيفة، ومن باب أولى الموضوعة المكذوبة، ما ينبغي أن يعتمد عليها في الشريعة، ولا ينبغي أن يعتمد عليها في الشريعة. وعلى هذا أهل السنة والجماعة، على هذا المنوال وعلى هذا الاعتقاد. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهو يقرر هذه المسألة: وَلَا يَجُوزْ أَنْ يُعْتَمَدْ فِي الشَّرِيعَةِ على ما ليس بصحيح ولا حسن. والحديث إن لم يكن صحيحا وإن لم يكن حسنا، فهو القسم الثالث، وهو أنه ضعيف، وهو يتفاوت في الضعف. فالضعيف لا يعتمد عليه في الشريعة، فضلا أن تأتي إلى باب من أبواب الاعتقاد، وتبني عليه مسائل وأحكام، فهذا لا يجوز. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في موضع آخر في مجموع الفتاوى: وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ أنه يجوز أن يجعل الشيء واجبا أو مستحبا بحديث ضعيف. ثم قال: وَمَنْ قَالَ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ. ومن قال هذا فقد خالف الإجماع، من قال أنه يمكن عن طريق حديث ضعيف أن أبني حكما شرعيا، فهذا قد خالف إجماع السلف وإجماع العلماء. فهذا لا يجوز. ولهذا المسألة المتناقش عليها بين الفقهاء حول مسألة العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، لها شروط، ومن ذلك أن يكون تحت أصل معمول به. أما أنك تجعل الحديث ضعيفا وأصل تنبني عليه أحكاما ومسائل، فهذا لم يقل به أحد من العلماء. وأيضا من قول المؤلف رحمه الله تعالى: وصح به النقل، كذلك فيه التعريج إلى مسألة الإسرائيليات. مسألة الإسرائيليات، وكل ما جاء عن بني إسرائيل، وأقوال علماء في الإسرائيليات، يطول ذكرها ويطول الحديث عنها. لكن حسبنا أن نشير إلى هذه المسألة، أن كذلك في باب الغيبيات، خاصة ونحن بصدده، ما يجوز الاعتماد على الإسرائيليات. تأتيك رواية إسرائيلية من قول عن بعض العلماء، ثم تجعل هذا الخبر إسرائيليا تجعله عمدة في ذكر الشيء من المغيبات الذي تلزم الناس بالإيمان به، هذا ما قال به أحد. ألا أخبار الإسرائيلية، حالها كما قال نبينا: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، إن كان تحت أصل معمول به، أو قوله: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، لا تصدقوهم ولا تكذبوهم. أما أن نجعلها عمدة يبنى بها عقيدة، كما وقع عند كثير من المتأخرين من بعض المفسرين، وهكذا بعض الفقهاء، تبعا أن يأتون إلى مسألة في الأسماء والصفات أو في اليوم الآخر أو في الحساب والعقاب أو في الأجر والثواب، يعتمدون على خبر إسرائيلي، هذا ما قال به أحد. ولهذا يقول كذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينا القول في الاحتجاج بالإسرائيليات: قال رحمه الله تعالى: فأما أن يثبت شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات، أي نأتي إلى شيء نجعله شرعا لنا، لا لشيء إلا لأنه قد وجد في الإسرائيليات. قال رحمه الله تعالى: فأما أن يثبت شرعا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت، فهذا لا يقوله عالم. ليس هناك أحد من العلماء المعتد بهم أنه يقول: بأن مثل مسألة الدين والشريعة، يقرر بماذا تحت دليل من أدل الإسرائيليات. فهذا لا يقول به أحد. وإنما الإسرائيليات كما قال نبينا: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم». فضلا على أن نبني عقائد المسلمين على خبر إسرائيلي، أو يستخرج منه حكم شرعي بالوجوب والاستحباب، فهذا لا ينبغي. وأيضا في قول مؤلف رحمه الله تعالى: وصح به النقل، فيه تنبيه إلى مسألة، وهو أن باب الغيبيات إنما يعتمد على باب النقل، بمعنى الأدلة النقلية، وهي الكتاب والسنة، ويدخل في ذلك تبعا الإجماع المعتبر المعتمد. وخرج بذلك ما يسمى العقل. فباب الغيبيات يعتمد اعتمادا كليا على ما ثبت وما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما باب العقل فليس له أصل في هذا الباب. فلا تأتي يا عبد الله إلى مسائل تظن أن العقل هو الذي أثبتها، ثم تعقد من هذا المبدأ أدلة شرعية، فهذا لا يقول أحد من المسلمين. وإنما هذا من فعل أهل البدع والأهواء، كالمعتزلة خاصة، الذين عظموا العقل وقدسوا العقل لدرجة من تعظيمهم وتقديسهم لأمر العقل، يظنون أن العقل هو أمر مستقل، بإمكان أن يشرع للناس. قد مر معنا في باب الاعتقاد، في باب الأسماء والصفات، كيف تجد أن أهل الأهواء لربما أتوا إلى أدلة من الأسماء والصفات صريحة في الشرع، فيردونها بحجة أن العقل لم يدل على الأسماء والصفات. فعندهم قاعدة على أن: إذا تصادم المعقول والمنقول، فإنه يقدم المعقول، يقدم الأدلة العقلية على الأدلة النقلية. وهذا قول أهل البدع والأهواء. وأما أهل السنة والجماعة، فيرون: إن تم التعارض، وإلا فأهل السنة والجماعة يبتعدون كل البعد ويستبعدون أن يقع هناك تعارض أصلا. هل هناك تعارض بين العقل والنقل؟ لا، ليس هناك تعارض. لكن هذا في ظن بعض الناس أن يقع التعارض. وإلا فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح أبدا، لا يتخالفان، بل يتوافقان. لكن إذا قدر وجود هناك تعارض بين العقل والنقل، فقول أهل الإسلام: أن النقل يقدم. أما أنك يا عبد الله تأتي إلى مثل هذا الباب، باب الغيبيات، وما يتعلق بأشراط الساعة، وما يتعلق باليوم الآخر، وما يتعلق بأمور الغيب، وبالجنة والنار، ثم تجعل العقل ركيزة تنبني عليها أحكاما، أو تجعل هذه الأشياء عرضة لمجهر العقل، ما أيده أيدناه وما رفض ورفضنا، فهذا ليس من شأن أهل السنة، بل هذا من شأن أهل البدع والأهواء. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه المسألة: فأما معارضة القرآن بمعقول أو قياس، فهذا لم يستحله أحد من السلف. قال: فأما معارضة القرآن بمعقول، أي بما جاء به العقول، بمعقول أو قياس، فهذا لم يستحله أحد من السلف. هذا لم يأت عن أحد من السلف أنه استحل هذا الصنيع، أنه ماذا يجعل العقل مقدما على النقل، أو مقدما على القرآن والسنة. إذن بهذا العبارة: وصح به النقل، علمنا عدة أمور ينبغي أن تراعى في باب الاحتجاج بالسنة النبوية. قال رحمه الله تعالى: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق. كل شيء نؤمن أنه صدق، ولو كان يتبادر للأذهان أنه مخالف للواقع. ثبت في صحيح مسلم في قصة ذاك الرجل الذي أتى إلى نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فقال: يا رسول الله، إن أخي يشتكي بطنه من وجع في بطنه. فقال نبينا: «اذهب واسقه عسلا». فذهب وسقاه العسل، إلا أن أخاه كأنه ما استفاد من العسل في بادي الأمر، بل زاد في وجعه. فذهب الرجل إلى رسول الله، قال: يا رسول، إني سقيت عسلا فما زاد إلا استطلاقا، زاد. فقال له نبينا: «اذهب واسقه عسلا». فذهب بالمرة الثانية وسقاه العسل، فالأمر كذلك، بل أكثر، ازداد الوجع وازداد الألم. فذهب الرجل المرة الثالثة إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، إني سقيته العسل فما زاد إلا استطلاقا. فقال عليه الصلاة حينها: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب واسقه عسلا». قال: فسقاه العسل فبرئ. فسقاه العسل فبرئ. فأنت يا عبد الله توقن وتذعن بما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، لا تتردد، وكذلك لا تتأرجح. هذا ما أخبر به نبيه حق أو صدق أو لا، لا يا عبد الله، لا تكون في شك من دينك، ولا تكون في شك من أمر نبيك. فكل ما قاله حق وصدق، صلوات ربي وسلامه عليه. قال: نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه. ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج. طيب إن شاء الله، المؤلف بعد ذلك هذه المقدمة ذكرها لنا حول كيفية التعامل مع الغيبيات، ثم مثل المؤلف رحمه الله تعالى بعدة أمثلة متعلقة بهذا الباب. تترك إن شاء الله في درس آخر. وننبع، أخونا، بإذن الله، أنه ستكون تكملة لهذا الدرس في صلاة العصر. بعد صلاة العصر، الدرس اليوم إن شاء الله سيكون تتمة لهذا الكتاب، ولهذه المسألة، ما يتعلق بالإسراء والمعراج، وما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى عن بعض الغيبيات. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.