التعليق على كتاب التوحيد 11

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شرح حديث عكاشة بن محصن والسبعين ألفاً

يشرح المقطع حديث عكاشة بن محصن رضي الله عنه عن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، مبيناً صفاتهم من ترك الاسترقاء والكي والتطير. كما يستعرض قصة طلب عكاشة الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف العلماء في سبب عدم دعاء النبي للرجل الثاني.

صفات السبعين ألفاً ومسائل التوحيد والتوكل

يستعرض المقطع قولين في سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم لعكاشة "سبقك بها"، ويؤكد أن ترك تلك الأمور من كمال التوكل على الله. ثم يسرد ثماني مسائل مستنبطة من الحديث تتناول مراتب التوحيد، وسلامة الأولياء، وحرص الصحابة على الاقتداء بأهل هذه المنزلة.

فضائل الأمة المحمدية وآداب السلف في عرض الأمم

يبيّن المقطع فضائل الأمة المحمدية من حيث الكمية والكيفية مقارنة بأمم الأنبياء السابقين، وحشر كل أمة مع نبيها. ويشير إلى ثمرة هذا العلم في تجنب الاغترار بالكثرة أو الزهد في القلة، مع ذكر أحكام الرقية وآداب السلف في التلقي.

خاتمة باب حسن الخلق والانتقال لباب الخوف من الشرك

يختتم المتحدث باب حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، معلناً الانتقال في الدرس القادم إلى باب الخوف من الشرك. وتأتي هذه الخاتمة تمهيداً للمحور الجديد في سلسلة الدروس.

التفريغ النصي الكامل

أخذنا حديث ابن عباس، وهما في الحقيقة حديثان: حديث حسين وعبد الرحمن وسعيد بن جبير، وحديث ابن عباس. ما معنى "انقض"؟ والبارحة تطلق على بعد الزوال، والمراد به هنا الليل. ما فائدة قول حسين بن عبد الرحمن: "أما إني لم أكن في صلاة"؟ ما فائدة هذا؟ نعم، لئلا يظن أنه قائم يصلي فيحمد بما لم يفعل. أحسنت. قوله: "لدغت اللدغ" يطلق على ماذا؟ على لدغة العقرب أو غيرها. هل كانت اللدغة شديدة أم خفيفة؟ الظاهر أنها شديدة، من أين استنبطنا ذلك؟ ما ناما. نعم، يعني كانت سببًا في عدم نومه. فما معنى قوله: "ارتقيت عندك"؟ لا، "استرقيت". نعم، يعني استرقيت بمعنى طلب الرقية. وما معنى "حمة"؟ "لا رقية إلا من عين أو حمة"، السم. نعم، السم، يعني اللدغ من ذوات السم. ما معنى "سواد"؟ "ورأيت سوادًا، سوادًا عظيمًا". فإذا هو... فإذا سواد عظيم، ماذا المراد بسواد؟ أشخاص. أشخاص. أحسنت. الذين ينالون هذه الفضيلة يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب اتصفوا بعدة صفات: منها لا يسترقون، يعني لا يطلبون الرقية، ولا يكتوون، ولا يتطيرون. نعم، ولا يطلبون هذه الأشياء لأسباب كانت سببًا لقوة إيمانهم وتوحيدهم. ما هي هذه الأسباب؟ نعم: قوة اعتمادهم على الله، والثاني: عزة نفوسهم عن التذلل لغير الله، والثالث: لما في ذلكم الطلب من التذلل أو التعلق بغير الله. لذلك حازوا هذه الفضيلة. طيب، هل هذه الأشياء تدل على أن من لم يتصف بها فهو مذموم مأثوم، أو أنه فاته الكمال؟ ليس بمذموم، وإنما فاته الكمال. فيجوز طلب الرقية لكن الأفضل ترك ذلك، ويجوز الاكتواء ولكن الأفضل ترك ذلك. أما التطير فهو لا يجوز بأي حال من الأحوال. وليس معنى هذا ترك الأخذ بالأسباب، وإنما المراد من ذلك - بارك الله فيكم - أنهم لا يباشرون الأسباب... أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلًا على الله. وإلا فقد جاء الشرع في الحث على الأخذ بالأسباب. ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل معه دواء، علمه من علمه وجهله من جهله". وفي رواية عند أحمد: "فيا عباد الله تداووا، تداووا، فإن الله لم ينزل داء إلا وأنزل معه دواء". والنبي صلى الله عليه وسلم قد رُقي، وهذا من اتخاذ الأسباب، لكن ما طلب الرقي. طيب، نكمل الحديث ثم ننتقل إلى فوائد هذا الباب. رحمة الله. وقفنا عند قوله في الحديث: "فقام، قام عكاشة بن محصن رضي الله عنه". يعني لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون"، فثاب إلى التسجيل... فقام هذا الصحابي، استغل هذا الموقف فطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو له. وهذا فيه أن هذا الأمر لا يملكه النبي عليه الصلاة والسلام. ما قال له عكاشة بن محصن: "اجعلني منهم". إيش قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ "ادعو الله". ما قال له: "اجعلني منهم"، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك ذلك، فهذا الأمر لله سبحانه وتعالى. وإنما طلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو له، وقال: "ادعو الله أن يجعلني منهم". فقال: "أنت منهم". حمل العلماء قول النبي عليه الصلاة والسلام "أنت منهم" على الدعاء، لأنه جاءت رواية عند الإمام البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال له عكاشة: "ادعو الله أن يجعلني منهم"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعله منهم". فتحمل هذه الرواية على رواية البخاري، فقوله "أنت منهم" في تقدير "اللهم اجعله منهم"، في تقدير "اللهم اجعله منهم"، فهو دعاء. فهو دعاء، لكنه جاء بصيغة الخبر، مثل ما تقول: "غفر الله لفلان". هل هذا دعاء أم إخبار؟ هذا دعاء في تقدير "اللهم اغفر له". صح. "رحم الله فلان"، ما يدريك أنه رحمه الله؟ ليس على سبيل الإخبار، إنما على سبيل الدعاء. وهذا من ذاك: "أنت منهم"، يعني "اللهم اجعله منهم". ففيه معنى الدعاء. قال: ثم قام رجل آخر فقال: "ادعو الله أن يجعلني منهم". يعني استغل هذا الموقف، فأراد مثل ما حصل لعكاشة. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "ادعو الله أن يجعلني منهم". فقال النبي عليه الصلاة والسلام له: "سبقك بها عكاشة". يعني "أنت منهم" في معنى الدعاء: "اللهم اجعله منهم"، لأن جاءت رواية في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم اجعله منهم". فتحمل هذه الرواية على ما جاءت في البخاري. يعني مثلاً: "أسأل الله أن تكون منهم، أسأل الله أن تكون منهم"، هكذا يكون مقدرًا بمعنى الدعاء وسؤال الله عز وجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهذا: "سبقك بها عكاشة". يعني لم يدع له. اختلف العلماء: لماذا؟ لماذا قال الرسول هذا الكلام لهذا الرجل ولم يدع له كما دعا لعكاشة؟ على قولين: القول الأول: أن هذا الرجل كان منافقًا، فأراد الرسول عليه الصلاة والسلام أن لا يجابهه بما يكره، أن لا يجابهه ويواجهه بما يكره هذا الرجل، فاستخدم معه هذه الكلمة التي فيها معنى المعاريض. بذل ما يقول له: "لا، أنت لا تستحق هذا الدعاء، أو أنت لست منهم"، فتلطف معه في العبارة فقال له: "سبقك بها عكاشة". وصارت هذه مثلاً لمن طلب منه شيء لشخص ما وهو لا يريد أن يعطيه أو أن يهب له هذا الشيء، فيقول له: "سبقك بها عكاشة"، يعني أن ناسًا قد سبقوك فأنت تأخرت. واضح. فهذا قول: أن سبب قول النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل "سبقك بها عكاشة" ولم يدعُ له لأنه لا يريد أن يواجهه بما يكره. والقول الثاني: قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم خاف أن ينفتح الباب فيطلبها من ليس منها. مثلاً هذا قال له: "ادعو الله"، فدعا له، ثم يقوم الثالث يقول: "ادعو الله لي"، فيدعو له، ثم يأتي الثالث والرابع والخامس والسادس، الباب يكون مفتوحًا، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغلق هذا الباب فقال: "سبقك بها عكاشة". يحتمل هذا ويحتمل هذا. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: "على ربهم يتوكلون"، هذا عموم بعد تخصيص. فعدم الاسترقاء، وعدم الاكتواء، وعدم التطير، هذا من التوكل. صح، هذا من التوكل. فقوله: "وعلى ربهم يتوكلون"، هذا عموم بعد خصوص، والمعنى أن هذه الأشياء لم يفعلوها لقوة توكلهم. إذن قال: "وعلى ربهم يتوكلون"، وعلى ربهم يتوكلون، هذا هو المراد. قال الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى: فيه مسائل. "الها" في قوله "فيه" يعود على هذا الباب، يعني في هذا الباب مسائل وفوائد. ما هي هذه المسائل؟ قال: الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد. وهذا مأخوذ من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس: "ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب". لماذا خصوا بهذا؟ لأن مرتبتهم في تحقيق التوحيد علية ورافعة. واضح. فإذن الناس متفاوتون في مراتب التوحيد، ليسوا على رتبة واحدة. ليسوا على رتبة واحدة. واضح هذا الآن. فمنهم من يصبر ويترك هذه الأشياء لقوة توحيده، وبعضهم لا يصبر، فهو ليس بمشرك، وإنما لم يحقق التوحيد تحقيقًا كاملًا. واضح. فهذا معنى قوله: معرفة مراتب الناس في التوحيد. قال: الثانية: ما معنى تحقيقه؟ ما معنى تحقيقه؟ وعرفنا ما معنى تحقيقه، يعني تخليصه من الشرك. ومن ذلك كذلك عدم الاسترقاء، وعدم الاكتواء، هذا من معنى تحقيق التوحيد الذي يدل على قوة التوكل على الله. قال: الثالثة: ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يكن من المشركين في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهذا فيه أن من ترك الشرك فهو في معرض الثناء، يثنى عليه. أثنى الله عز وجل على إبراهيم بأنه حنيفًا، يعني مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، ولم يكن من المشركين. فهذا هو الضابط في الثناء على العبد: متى ما حقق التوحيد، متى ما حقق التوحيد وترك الشرك. قال: الرابعة: ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك. وفي ذلك أن من أعظم صفات الأولياء تركهم الشرك. وهذا في آية المؤمنين، سورة المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾. فأثنى عليهم، أثنى عليهم بهذا الوصف. فمن كان متلبسًا بشيء من الشرك فلا يمكن أن ينال مرتبة الولاية، لا يقال له ولي، كما يفعل عباد القبور: يقولون ولي وهو يدعو الناس لأن يعبدوه وأن يدعوه من دون الله سبحانه وتعالى. فهذا ليس بولي. فمن صفات وعلامات الأولياء سلامتهم من الشرك، وبهذا أثنى الله عز وجل عليهم. قال: الخامسة: كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد، يعني من كماله. ترك الرقية يعني طلبها، يعني طلبها، طلبها. قال: السادسة: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل، لأنه قال في آخر الحديث: "وعلى ربهم يتوكلون". فكأنه يقول: ما دفعهم إلى هذه الأعمال إلا التوكل، إلا التوكل. فهذا معنى قوله: كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل. قال: السابعة: عمق علم الصحابة بمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. فلما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "هم الذين..."، قال عليه الصلاة والسلام: "ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب". ماذا تبادر إلى ذهن الصحابة؟ هل قالوا: هم الذين أقرب الناس نسبًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل قالوا: هم الذين لم يعملوا إلا القليل من العمل؟ لا. قالوا: هم الذين صحبوا رسول الله... أشمعنا؟ صحب رسول الله كما تقدم شرحه، هاجروا معه في أول الأمر، وهذا أمر عظيم وعمل جليل، الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو القائل: "العبادة في الهرج كهجرة إلي". فدل ذلك على أن الهجرة مع النبي عليه الصلاة والسلام فيها فضل عظيم. فهذا فيه عمق علم الصحابة أن هؤلاء لم ينالوا هذه الفضيلة وهذه كذلك الرتبة إلا بعمل. ثم قالوا: هم الذين ولدوا في الإسلام. ما معنى "ولدوا في الإسلام"؟ شرحنا ذلك. ما معنى "ولدوا في الإسلام"؟ يعني ولدوا في زمن الإسلام فلم يتلوثوا بشيء من الشرك، ولم يتركوا شيئًا من هذا الدين، فنشأوا منذ نعومة أظفارهم على الدين وعلى الإسلام. وهذا لشك أن أعمالهم جليلة، أعمالهم جليلة. فهذا معنى قوله: عمق علم الصحابة من معرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل. وهكذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون"، فيه أنهم أيضًا لم ينالوا هؤلاء هذه المنزلة إلا بعمل، إلا بعمل. واضح هذا الآن. قال: الثامنة: يحرصهم على الخير، يعني حرص الصحابة على الخير، وذلك في البحث عن معرفة هؤلاء حتى يكونوا منهم. ها، فخاضوا أولًا في هذا الأمر، ثم لما خرج النبي سأله، فلم تهنِ لهم نوم، ولم تهنِ لهم كذلك رجوع إلى أهليهم حتى علموا من هؤلاء، حتى علموا من هؤلاء. وهذا يدل على ماذا؟ يدل على حرصهم على الخير، حرصهم على الخير. كم من أحاديث لعلها مرت بكم، لما يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا عامًا فيسأل الصحابة: "من هم يا رسول الله؟" فيبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم صفات هؤلاء. وهذا من حرصهم على الخير حتى يفعلوا الخير ويتركوا الشر. قال: التاسعة: فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية. الكمية يعني العدد، والكيفية يعني الوصف. فهذه الأمة أكثر الأمم عددًا كمية، وأفضل الأمم كذلك توحيدًا وإيمانًا وثباتًا وتباتًا. من أين أخذنا هذا من هذا الباب؟ من قوله: "فإذا سواد عظيم". يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تابعًا، أكثر الأنبياء تابعًا. وأما الكيفية: ففي هذه الأمة خَصَّة صِهْم يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، لما اتصفوا به من هذه الصفات العظيمة الجليلة: أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فهذه الأمة أكثر الأمم عددًا وأفضلهم وصفًا وتوحيدًا وإيمانًا. قال: العاشرة: فضيلة أصحاب موسى، يعني لأن موسى كذلك أمته ليست كغيرها من الأمم، لم تتبع أنبياءهم إلا القليل، بل إن أتباع موسى كانوا كثيرين بالنسبة للأمم الذين قبله. أما بالنسبة لأمة الإسلام، أمة النبي عليه الصلاة والسلام، فهم بالنسبة لهم قليلون، لكن بالنسبة لمن كان قبله من الأمم والأنبياء فهم كثيرون. قال: الحادية عشرة: عرض الأمم عليه عليه الصلاة والسلام في قوله: "عرضت علي الأمم". قال: الثانية عشرة: أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها. وهذا الفائدة أخذناها من حديث ابن عباس، فيأتي النبي ومعه الرجل والرجلان، فدل ذلك على أن أتباع الرسل يحشرون مع أنبيائهم، يحشرون مع أنبيائهم. فكل أمة تحشر مع نبيها. النبي صلى الله عليه وسلم تحشر معه أمته لأنه في هذا الحديث قال: "فإذا سواد عظيم، قال: هذه أمتي، قال: هذا موسى وقومه". معنى أن موسى تحشر معه أمته الذين آمنوا به، ونبينا محمد تحشر معه أمته الذين آمنوا به. قال: الثالثة عشرة: قلت: من استجاب للأنبياء؟ وهل هذا دليل على عدم نجاح دعوتهم؟ لا، فمع أنهم أنبياء إلا أن أتباعهم قليلون، فهذا ليس ذمًا لهم، وإنما بذلوا جهدهم وما أمرهم الله به، والله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. قال: الرابعة عشرة: أن من لم يجبه أحد يأتي وحده، ويأتي النبي وليس معه أحد، ما معه أحد، ما تبعه أحد، دعا دعا ولم يستجب له أحد. قال: الخامسة عشرة: ثمرة هذا العلم وهو عدم الاغترار بالكثرة وعدم الزهد في القلة. وهذا من فقه المؤلف رحمه الله: عدم الاغترار بالكثرة في قوله: "يأتي النبي ومعه الرجل والرجلان"، فلا تغتر بالكثرة، ليست الكثرة ميزانًا لإصابة الحق. ها، هل الأنبياء هؤلاء الذين أتوا معهم الرجل والرجلان أو ليس معهم أحد، هل هم ليسوا على حق؟ ها، لا، هم على حق. فهل عرف الحق بكثرة أو بقلة؟ لا، لا يعرف الحق بكثرة أو بقلة، الميزان هو... هو إصابة الحق والثبات عليه. فلا يغتر بالكثرة، بل ربما الكثرة في القرآن جاءت في مواضع كثيرة على سبيل الذم: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وهكذا آيات كثيرة. ومع هذا كذلك عدم الزهد في القلة، لا يقال: نحن ما نغتر بالكثرة ولا نحرص على الكثرة، لا نحرص على الكثرة إذا كان فيها إصابة الحق. من أين أخذ هذا المؤلف؟ "فإذا سواد عظيم"، إذن أمة النبي صلى الله عليه وسلم كثير، واضح. فلا نزهد في الكثرة إذا كانت الكثرة على الحق، فهذا كما يقال: نور على نور، هذا نور على نور. واضح هذا الآن. قال: السادسة عشرة: الرخصة في الرقية من العين والحمى. لما جاء في الحديث، فلا تعارض بين الحديثين. قد يقول قائل: هل حديث ابن عباس نسخ حديث... يعني الشعبي الذي رواه لنا حصين بن عبد الرحمن: "لا رقية إلا من عين أو حمى"؟ لا يعمل بهذا الحديث ويعمل بحديث ابن عباس؟ لا، رقية تحمل على من لم يطلبها، واضح، من لم يطلبها، فإن الرقية تنفع في علاج هذين المرضين. هذا توجيه. توجيه آخر: "لا رقية إلا من عين أو حمى" من طلبها على سبيل عدم الكمال، واضح، لأنه ما هو محرم أنك تطلب الرقية، إنما على سبيل الكمال. واضح هذا الآن. فيحمل على هذا أو ذاك. قال: السابعة عشرة: عمق علم السلف، لقول: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن كذا وكذا". فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني. وهذا تقدم معنا، ما قال له: "لا، حديثك هذا خلاص ما نعمل به لأن معنا حديث آخر". لا، قال له: "قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، أنت عندك حديث وعملت به، هذا منتهى علمك، لكن أنا عندي حديث آخر أفضل، أنك لا تطلب الرقية". هذا هو المعنى. قال: الثامنة عشرة: بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه. وهذا في قول حسين بن عبد الرحمن: "أما إني لم أكن في صلاة". فما كانوا يمدحون أنفسهم ويرفعون أنفسهم ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، رحمهم الله. قال: التاسعة عشرة: قولوا "أنت منهم"، علم من أعلام النبوة. يعني أن عكاشة بن محصن بن محصن توفي وهو على الإسلام، توفي وهو على الإسلام، فلم يرتد ولم ينقلب على عقبيه، فتحقق فيه هذا الدعاء. قال: العشرون: فضيلة عكاشة وأنه من أهل الجنة، قال: "اللهم اجعله منهم". قال: الحادية والعشرون: استعمال المعاريض. وهذا في قوله: "سبقك بها عكاشة". ما قال له: "لا، أنت لست منهم"، إنما استعمل معه المعاريض، والمعاريض ممدوحة عن الكذب. قال: الثانية والعشرون: حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، فرده بهذا الأسلوب الحسن. ما قال له: "لا، ما سأدعو لك، أنت ما تستحق هذا". لا، ليس هذا من خلقه، وإنما قال له: "سبقك بها عكاشة". فرده بلطف ورفق ولين. واضح هذا الآن. فهذا معنى قوله: حسن خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، وغدًا إن شاء الله ننتقل إلى الباب الذي بعده وهو باب الخوف من الشرك. إلى هنا، والله تعالى.