الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 106، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح هذا المحور نوعين للسؤال بالله: السؤال بالصيغة اللفظية والسؤال بشرع الله كسؤال الفقير والعالم، مبيناً أن أصل سؤال الناس مكروه إلا للضرورة وقد يحرم إذا كان للتكاثر. كما يشترط في إجابة السائل عدم وجود محذور شرعي.
يجوز إعطاء من سأل بالله شيئاً مباحاً تعظيماً لاسم الله مع استثناء ما يخالف الشرع، وتقبل الاستعاذة بالله في المباحات دون الواجبات. كما يبين أن السؤال بالله يكون بصيغة صريحة أو بحكم شرعي كسؤال الفقير والعالم.
يجب إعطاء من سأل بالله أو بما يدل على الرب ما لم يكن محرماً، وتجب إجابة دعوة الزواج الخاصة بينما غيرها مستحبة. وتكون المكافأة على المعروف بالمال أو الهدايا، فإن عجز المرء فبالدعاء والأفضل الجمع بينهما.
ينبغي أن يكون الدعاء لصاحب المعروف بمقدار ما أسدى من معروف وصنيعة، أي مكافأة بالدعاء بقدر الإحسان. ويختتم المتحدث الكلام مكتفياً بما ذُكر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب لا يرد من سأل بالله. قوله: "لا يرد"، "لا" هنا نافية، والنفي يحتمل أن يقول للكراهة أو أن يقول للتحريم، وسيأتي تفصيل ذلك على حسب المقام. وقوله: "من سأل بالله"، أي: من سأل غيره بالله، يسأل غيره بالله. وسؤال الغير بالله ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: السؤال بالله بالصيغة، مثل أن يقول: "أسألك بالله أن تعطيني كذا"، أو "أن تقوم معي"، أو نحو ذلك. فهنا سؤال بالله. فإن كان هذا السؤال ما فيه محذور شرعي، ما سألك محرماً، ولا سألك شيئاً ليس بمقدور عليه، فهنا من تعظيم الله أن تجيبه، ولا ترد سؤاله، لأنه سألك بعظيم، سألك بالله، فمن تعظيم الله أن تجيبه. هذا النوع الأول، أو القسم الأول. والقسم الثاني: السؤال بشرع الله عز وجل. ما معنى السؤال بشرع الله؟ يعني يأتي آتٍ ويسألك سؤالاً يبيحه الشرع، كسؤال الفقير المحتاج من الغني الصدقة، يأتي يقول لك: "أعطني من الصدقة، أنا محتاج". هذا سألك بالله، وإن لم يكن بالصيغة، لكن يقال له: "بشرع الله"، لأن الشرع أباح له ذلك. صح، الشرع أباح له ذلك. فمن تعظيمك لشرع الله ألا ترده. فهمت هذا الآن؟ وهذا فيه أن الفقير إذا سألك وأنت تعرف أنه فقير، فمن تعظيم الله ومن تعظيم شرعه ألا ترده إذا كنت قادراً على إعطائه. وكذلك السؤال عن مسألة من العلم يدخل في هذا: سألك سائل عن مسألة أنت تعلمها، فمن تعظيم الله عز وجل وتعظيم شرعه أن تجيب هذا السائل عن سؤاله. فهذا يدخل في هذا الباب. وهنا مسألة لم يذكرها المؤلف، ولكن ذكرها بعض الشراح: هل يجوز السؤال بالله؟ الآن الإجابة قلنا: تجيبه، صح، إذا سألك بالله. لكن ابتداءً: هل يجوز السؤال بالله؟ هذا فيه تفصيل. فأولاً: السؤال من حيث هو مكروه، سؤال الناس، إلا إذا دعت الضرورة والحاجة إليه، أن تأتي وتسأل الناس شيئاً. هذا أمر مكروه من أصله، إلا إذا اضطررت ودعت الحاجة إلى ذلك. ولهذا كان مما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه أن لا يسألوا الناس شيئاً. فالصحابة كانوا سريعي الاستجابة. جاء في الحديث أن أحدهم إذا سقطت العصا عليه، ما يسأل أحداً أن يعطيه هذه العصا، حتى لا يسأل الناس. وعلى حمار أو على دابة، سقطت العصا، والناس عنده يمشون في الشارع، ما يقول له: "ناولني"، بل ينزل بنفسه ويأخذ العصا، عملاً بوصية النبي عليه الصلاة والسلام. فلا يقول لأحد: "ناولني"، لينزل وحده ويأخذ هذه العصا. فالسؤال أصله مكروه، بل قد يكون محرماً. متى يكون السؤال محرماً؟ إذا تسأل وأنت غير محتاج. ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال الإنسان يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم". ومعنى "يسأل الناس": تكثرة. جاء في الحديث: "يسأل الناس تكثرة". ما معنى "تكثرة"؟ يعني: ليس لحاجة وضرورة، وإنما من أجل أن يكثر ماله، من أجل أن يكثر ماله. فهذا جاء في حقه هذا الوعيد الشديد، لأنه سأل أمراً لا يجوز له أن يسأله. وهذا يدل على أن السؤال قد يكون محرماً. وإذا كان السؤال محرماً، وعلمت أن هذا لا يستحق... لا يعني تستجيب لهذا السائل وتعطي هذا السائل، أنك تعينه على الإثم والعدوان. وأما سؤال المعونة بالجاه أو البدن، فهذا مكروه إلا إذا دعت الحاجة إليه. أنت ما تحتاج إلى أن يعينك أحد، تقول له: "أسألك بالله أن تعينني"، أنت ما أنت محتاج أن يحمل معك، أو أن يسافر معك، أو أن يجي معك، أو نحو ذلك. فهذا مكروه. فإذا ننتبه لهذا: ليس معناها أنه "لا يرد من سأل بالله" أنك تكثر من هذا. بعض الناس يكثر من هذا ويحرجك دائماً: "أسألك بالله" على لسانك. هذا خطأ. ما تقول هذا إلا لضرورة، لحاجة، لأن السؤال أصله مكروه. السؤال أصله مكروه. ولذلك ذكر العلماء أن إجابة السائل ليست مطلقة. فإجابة السائل لا يخلو هذا السائل من أمرين اثنين: الأول: أن يسأل سؤالاً مجرداً، يقول: "يا فلان، أعطني"، بدون حلف بالله، مجرد: "يا فلان، أعطني". هذا السؤال من أصله كما قلنا مكروه إلا لحاجة وضرورة. طيب، الآن هل تجيبه ولا تجيبه؟ هذا فيه تفصيل. إذا كان هذا المسؤول عنه مباحاً، فيعطى، كالفقير يسأل شيئاً من الصدقة، بدون أن يحلف، بدون ما يقول لك: "أسألك بالله"، يقول لك: "أعطني من الصدقة". طيب، فهذا يجوز أن تعطيه، لأنه سأل شيئاً مباحاً. والأمر الثاني: أن يسأل بالله، أن يسأل بالله. فهذا يجيبه، إن لم يكن مستحقاً... وإن لم يكن مستحقاً... لأن الله... لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومن سألك بالله فأعطوه»، «ومن سألك بالله فأعطوه»، لأنه سألك بالله. أنت تعرف أن هذا ما يحتاج إلى جاهك، ما يحتاج إلى مالك. طيب، لكن سألك بالله، ليس صدقة، وإنما سؤال، قال لك: "يا أخي، أسألك بالله أن تعطيني ألف ريال". فهذا تعطيه، لأن سألك بعظيمة، والإثم يرجع إليه إذا هو غير مستحق، أو أن هو يأخذ الأموال هكذا، الإثم عليه، إذا لم يكن مستحقاً. إذا لم يكن مستحقاً، يعني بمعنى أنه طلب الزكاة، لكنه الآن ما طلب الزكاة. الآن تعرف أن الشخص يستطيع أن يقوم بهذا العمل وحده، يقول لك: "أسألك بالله أن تعينني". طيب، فأنت لا تقول: "لا، هذا يستطيع أن يقوم بالعمل"، إذا أن ما سأعينه، لا تعينه. تجيبه، لأن سألك بعظيم. فأنت هذا الآن، ليس معنى أنه لابد أن يكون مستحقاً، وأنه فعلا مضطر أو محتاج. ولو لم يكن محتاجاً، طالما أن سألك بالله، فتجيبه، إلا إذا فيه مخالفة شرعية. مثلا: إذا كان ليس من أهل الزكاة، لا يجوز لك أن تعطيه، لأن الزكاة صنفها معلومة. فأنت لو سألك بالله أن تشتري له خمراً، لا يجوز لك. لو سألك بالله أن تذهب معه إلى البنك الربوي تشهد على شيء، لا تذهب معه. لكن لو سألك شيئاً مباحاً، وإن لم يحتج إليه، فهنا تجيبه. فهنا تجيبه، لأنه سأل بعظيم، فإجابته من تعظيم هذا العظيم، من تعظيم هذا العظيم، بشرط أن يكون هذا الشيء الذي سأله مباحاً، ليس محرماً، ليس محرماً. قال: وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استعاذ بالله فأعيدوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح، والحديث صحيح، حسّنه الألباني عليه رحمة الله. ومعنى هذا الحديث: يقول عليه الصلاة والسلام: "من استعاذ بالله"، ومعنى "استعاذ بالله": قال: "أعوذ بالله منك". "استعاذ بالله منك"، فأعيدوه، يعني: اقبلوا استعاذته، فاعفوه عن هذا الشيء. لأن ما معنى "أعوذ"؟ يعني: ألتجئ إلى الله. فمن التجأ إلى الله من شيء، فإننا نعيده. قال: "أعوذ بالله منك"، خلاص، لا تصاحبه، ولا... يعني تقبله، خلاص، أعيده. مثل مردود بقوله: "أعوذ بالله"، يعني: يقول: "ابعد عني"، أي: مثل ما يقول: "ألتجئ إلى الله من شرّك". فأنت خلاص تتركه. فالنبي صلى الله عليه وسلم وقع له ذلك في حديث بنت الجون، لما قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بالله منك"، لما أراد أن يتزوجها، فقال لها: "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك، الحقي بأهلك". فلما قالت ذلك، فرّقها النبي عليه الصلاة والسلام، لأن استعاذت بالله منه. طيب، فمن استعاذ بالله فأعيدوه. قال: "أعوذ بالله من هذه السيارة"، خلاص، لا تعطوه هذه السيارة، ولا كذلك تركبه في هذه السيارة، أنه استعاذ بعظيم. هذا معنى الحديث، هذا معنى الحديث. لكن يستثنى من ذلك: لو استعاذ من أمر واجب، واجب عليه، فلا تعيدوه. مثل أن يقول: "أعوذ بالله من صلاة الجماعة"، أو "أعوذ بالله منك" إذا ألزمته بالإقلاع عن معصية، فلا تعيدوه من هذه المعصية. واضح؟ إنما الإعادة تكون من شيء مباح، الشيء المباح، كيف مستحب، مثلا: السلام أيضاً، مثل السلام أيضاً، ولو كان مستحباً لا تعيده. الشيء الشرعي. وقوله: «ومن سأل بالله فأعطوه»، هذا هو وجه الشاهد. "من سأل بالله"، وعرفنا كيف السؤال بالله بأمرين اثنين: إما بالصيغة: "أسألك بالله"، وإما بشيء يبيحه الشرع، كسؤال الفقير الصدقة، وسؤال الجاهل من العالم العلم. وقوله: "بالله"، لا يشترط أن يكون جوابه بلفظ الجلالة. ما يشترط أن يقول: "أسألك بالله". لا، قد يقول مثلاً: "أسألك بالذي أعطاك هذا المال"، مثل ما جاء في حديث... ماذا... حديث الأقرع والأبرص والأعمى. لما جاء الملك إلى الأبرص، قال له: ماذا قال له؟ "أسألك"... "فأسألك بالذي أعطاك هذا الجلد الحسن". هنا سأله بالله. طيب، فهنا لا يشترط، لكن ورد في الحديث لأن الغالب أن من سأل سأل بلفظ الجلالة: "أسألك بالله". لكن لو قال: "أسألك بالذي أعطاك هذا المال"، أو "الذي رزقك هذا المال الذي بلغ النصاب أن تعطيني منه"، فهنا "أسألك بالله". لا تكن جامداً وتقول: "لا، إلا إذا سأل بلفظ الجلالة". لا، بأي لفظ يدل على الرب سبحانه وتعالى. قال: «ومن دعاكم فأجيبوه». المراد به: الدعوة للإكرام، ليس المراد به النداء. يعني: "من دعاكم"، من نادى عليكم: "تعال يا فلان"، لا. وإنما المراد ماذا؟ من دعاك ليكرمك، ليكرمك. وظاهر الحديث وجوب الدعوة في كل دعوة، ولو لم تكن دعوة زواج، وهذا مذهب الظاهرية. ولكن جمهور أهل العلم قالوا: إن الدعوة لغير الزواج مستحبة وليست واجبة، وإنما الواجب أن تستجيب لدعوة النكاح، أن تستجيب لدعوة النكاح، هذا واجب عليك. دعوة العرس، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله». والحديث متفق عليه. الشاهد: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله». فهذه في وليمة الزواج. وأما في غيرها من الإكرام غير الزواج، كالعقيقة أو الضيافة أو نحو ذلك، فهذا مستحب. وحتى دعوة النكاح إذا كانت دعوة عامة دون تخصيص وحث، فهذا لا يجب، كما هو الآن مثلاً: يأتي مثلاً بألف دعوة، ويكتب: "لفلان وفلان وفلان وفلان"، ما يدري من سيأتي ومن ما سيأتي. وهذه ليست الدعوة، ومن لم يأتي ما ينتبه له، ولا يعرف: جاء فلان أو ما جاء فلان. هذا ما يجب. لكن متى يجب؟ إذا دعاك دعوة خاصة: "يا أخي، هذا دعوة، إن شاء الله تحضر الزواج". هذا الذي يجب فيه. أما الدعوة عامة، أو دعوة مثلاً في المسجد أو نحو ذلك، فهذا يستحب، ليس واجب. وإنما الواجب: من دعاك دعوة خاصة. هذا معنى قول: «ومن دعاكم فأجيبوه»، يعني: دعوة الإكرام. «ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه». المعروف قد يكون بالمال، قد يكون بالعلم، قد يكون بالنصح، قد يكون بالمعونة بالبدن، ونحو ذلك. فمن صنع إليكم معروفاً فكافئوه. والمراد: «فكافئوه»، يعني: قدموا له شيئاً من الأموال، أو من الهدايا، أو من العطايا. فكافئوه بشيء محسوس. فإن لم تجدوا ما عندكم شيء من المال، أو من الهدايا، أو من العطايا تعطيه هذا الذي صنع إليكم معروفاً، فادعوا له. وهذا الكل يستطيعه. الأول ما يستطيعه كل الناس: المكافأة، صح. لكن الدعاء: هل أحد لا يستطيعه؟ فالكل يستطيع. فإذن: إن لم تملك المال، فلا أقل من أن تكافئ هذا الذي صنع إليك معروفاً بالدعاء، تدعو له. وفي رواية: «فقولوا: جزاكم الله خيراً»، وهو من الدعاء، وهو من الدعاء. فهذه الرواية مطلقة: فادعوا له، سواء كان: "جزاك الله خيراً"، "بارك الله فيك"، "وفي مالك"، أو نحو ذلك، تدعو له، حتى تروا أنكم قد كافأتموه. ومعنى ذلك: قد يكون هذا المعروف معروفاً يسيراً، صح، فتدعو له بقدر هذا المعروف. وقد يكون معروفاً كبيراً: أنقذك من هلاك، أو أخرجك من ظلم، جهل، أو نحو ذلك، فتكثر له من الدعاء، حتى ترى أنك قد كافأته. هذا هو المراد بهذا الحديث. قال: فيه مسائل: الأولى: إعاذة من استعاذ بالله، في قوله: «من استعاذ بالله فأعيدوه». وعرفنا معنى ذلك. الثانية: إعطاء من سأل بالله، وعرفنا هذا. الإعطاء يكون فيه مباحاً، أما إذا كان فيه محرم، فلا يجوز، أو فيه مخالف للشرع، فلا يجوز. الثالثة: إجابة الدعوة، وعرفنا إجابة الدعوة قد تكون مستحبة، وقد تكون واجبة. المستحبة في غير دعوة الزواج، والواجبة في دعوة الزواج إذا كانت دعوة خاصة. الرابعة: المكافأة على الصنيعة، وعرفنا الصنيعة يعني: من صنع إليك معروفاً. الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه. وليس معنى إذا قدرت على المال أن تترك الدعاء، لا، تجمع بين الأمرين، فهذا أفضل وأكمل. صح، هذا أفضل وأكمل. السادسة: قوله: «حتى تروا أنكم قد كافأتموه»، يعني: بمعنى أنك يكون دعاؤك له على قدر معروفك وصنيعته، على قدر معروفه وصنيعته. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر.