الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تفسير قول الإمام الشافعي "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله" وإثبات الصفات لله عز وجل. يبين أن القرآن يحتوي على أسماء وصفات لله ويجب فهمها على ظاهرها.
يناقش إثبات الصفات الإلهية وتأويلها عند مختلف الفرق الإسلامية، منتقداً تأويل المعتزلة والجهمية والأشاعرة ومؤيداً إتباع الظاهر كما هو مذهب أهل السنة. يُشدد على وجوب الإيمان بكل ما جاء عن النبي.
يُناقش أهمية فهم النصوص الشرعية على ظاهرها كما جاءت عن النبي، دون تأويل يخالف ما أراده النبي. يُنتقد فيه بعض الفرق التي تُؤوّل صفات الله تعالى وتُنكر ظاهر النصوص.
يتناول مسألة التناقض بين القول والنية في الصلاة، منتقداً مذهب الأشاعرة لما فيه من تناقض في الجمع بين طريقة السلف والخلف. يعتبر أن قول شيء لا يريده المصلي يبطل الصلاة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: إمام بقدمة. قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله». فهذا الأثر عن الشافعي مشهور، ذكره غير واحد عنه. ومراد كلام الإمام الشافعي رحمه الله فيه إثبات الصفات لله عز وجل، وليس كما فسره بعض الأشاعرة وبعض المخالفين على غير التفسير على أنه تفويض. فقالوا: آمنت بالله بما جاء عن الله على مراد الله، أي نحن لا نعرف مراد الله جل وعلا. وهذا كلام باطل، كيف لا نعرف مراد الله ولا نعرف معنى كلام الله عز وجل؟ فربنا جل وعلا القرآن أكثره صفات وأسماء، القرآن من أوله إلى آخره فيه كثير من الأسماء والصفات. فإذا كنا لا نعرف معنى هذه الصفات، معنى ذلك أن القرآن كله غير معروف أو أكثره غير معروف، وهذا كلام باطل. فلهذا قول الإمام الشافعي «آمنت بالله وبما جاء عن الله» أي من أسماء وصفات وغيرها، «على مراد الله» أي على ما ذكره الله، أي على ظاهر ما ذكره الله عز وجل. فمثلًا الله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، فمن هذا الذي لا يعرف معنى هذا الكلام؟ هل هذا الكلام يحتاج إلى تفسير؟ «والله شديد العقاب» «والله غفور رحيم»، فهل مثل هذا الكلام يحتاج إلى تفسير حتى نقول مثلًا هذا على مراد الله ونحن لا نعلم ونحن لا نعلم هذا المراد؟ هذا كلام باطل لا يليق بأحد يعرف دين الله جل وعلا ويعرف كذلك لغة العرب أن يقول مثل هذا الكلام. فلهذا لو كان مثل هذا كل شيء يقال نحن لا نعرف مراده مثل ما تقول الأشاعرة ومعنهم لا يستجيزون هذا أيضًا، هم أنفسهم لو قلت لرجل أشعري: ما معنى قوله «الله شديد العقاب»؟ هل سيقول: ما أدري، الله عز وجل أعلم بذلك؟ ما سيقول هذا، لكن هم يقولون فقط في الصفات التي تختص بالله جل وعلا، خاصة الصفات الذاتية. وأما الصفات التي هي منفصلة عن الله، فهم غالبًا يثبتونها، غالبًا يثبتون هذه الصفات. فلهذا مثلًا الله عز وجل «غفور رحيم»، «الله شديد العقاب»، الله غيرها من هذه الصفات، فهم يثبتون مثل هذه الصفات، لكن إثباتهم مجرد إثبات فقط، ما يقولون مثلًا أنها مغفرة تليق بجلاله وعظمته، رحمة تليق بجلاله وعظمته، كقول أهل السنة. وبعضهم يتأول، أما المعتزلة والجهمية فيقولون: الرحمة معناها الثواب، والمغفرة معناها الثواب؛ لأنهم ما يثبتون. وقوله «شديد العقاب» يرون أن هذا العقاب نفسه طيب. فالمهم أن مثل هذه الأشياء التي واضحة، وكذلك أيضًا الصفات، مثلًا قول الله عز وجل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، هذا واضح. ليش نقول مثلًا ما ندري؟ أشمعنا اليد؟ فهذا ليس صحيحًا. فلهذا قول الإمام الشافعي «على مراد الله» أي على ما ذكره الله في كتابه، على ما ذكره الله عز وجل في كتابه، وظاهر اللفظ لا نتكلف نأتي بمعنى مثل ما يأتي به الجهمية، يأتون بمعاني متكلفة. فإذا ذكر الله عز وجل أن له يدًا، قالوا: القدرة. قال بعضهم: النعمة. قال بعضهم كذلك: القوة. قال بعضهم هكذا يأتون بمعاني من عندهم ليست موجودة في كلام الله عز وجل. الموجود أن له يدًا أو يدان كما ذكر الله عز وجل أن له يدان مبسوطتان كما ذكر سبحانه وتعالى. فلماذا نذهب إلى مذاهب بعيدة ومعاني بعيدة نأتي بها ونترك المعنى الظاهر؟ فلهذا صاحب الظاهر الذي يقول بالظاهر أقام دليله، وهو ظاهر اللفظ. وأما هذا الذي يأتي ويحرف المعنى ويأتي بمعاني أخرى، فهو يحتاج إلى قرينة وإلى دليل يصرف هذا اللفظ. فإن شاء الله تعالى سيأتي معنا أيضًا مزيدًا في هذا الكلام في مسألة الصفات. والعجيب أن الأشاعرة يذكر بعضهم، كالإيجي صاحب المواقف، يقول: إن الأشاعرة اختلفوا في مسألة من يأخذ بظاهر القرآن هل يكفر أم أنه ضال؟ انظر إلى أين وصل هؤلاء عن الذي يأخذ بظاهر القرآن هل يكفر أم أنه ضال فقط ولا يكفر؟ اختلف في هذا. وهذا الذي يأخذ بظاهر القرآن، وأما الذي لا يأخذ بظاهر القرآن ويحرف القرآن، هذا عندهم المسلم الموحد. وقال: «وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله»، أيضًا كذلك ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام، سواء كان في الصفات أو في غيرها. مثلًا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، هذا كلام واضح، العربي يعرف هذا الكلام ويعرف معنى «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، لا تضامون في رأيته، لا يضم بعضكم بعضًا ولا تتزاحمون في هذه الرؤية. فهذا كلام واضح لا يحتاج إلى تفسير، لا يحتاج إلى أننا نقول ظاهره كذا، فهذا مراده، مراد النبي عليه الصلاة والسلام أننا نرى الله، أننا نرى الله عز وجل، فهذا المراد. وعما ذكر بعض هؤلاء البدع يقولون: وظاهره غير مراد، يقولون: ظاهر الصفات غير مراد. معنى مثلًا رؤية يقولون: ظاهرها غير مراد، النزول يقولون: ظاهره غير مراد. أي شيء ظاهره؟ هم عندهم الظاهر هو التشبيه، أن عقولهم تركبت على هذا على أن ظاهر الصفات هو التشبيه. فلهذا فهم يقولون أن الظاهر غير مراد، وظاهر الكلام كما قال السلف أمروها على ظاهرها، ظاهرها المعروف والمعنى المعروف. كما قال إمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول. وإلا فالاستواء معروف المعنى ومعلوم المعنى ومعلوم الظاهر. فلهذا فقوله رحمه الله، أي قول الإمام الشافعي: «آمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله»، كل ما جاء عن رسول الله، سواء كان متواترًا أو آحادًا، كل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤمن به. والعجيب أن الإمام الشافعي رحمه الله وضع في كتابي في الرسالة، أو ذكر أنه يؤخذ بالحديث الآحاد في الشريعة ويستدل به في الشريعة وهو حجة، وذكره في كتاب الرسالة. وكثير من من يدعي أنه شافعي ويتعصب لمذهب الشافعي، تجد أنه يخالف في هذا الباب كثير من الشافعية، سواء كان الرازي أو الجويني أو غيرهم من هؤلاء يخالفون الشافعي في هذا. فهم يقولون أن خبر الآحاد لا يحتج به في العقائد، وإنما يحتج به في الفقهيات، وهذا كلام باطل. لهذا الشيخ الألباني رحمة الله عليه ذكر مثلًا، قال: عندما يقولون مثلًا في الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة القبر ومن فتنة المسيح الدجال»، هذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء به. وهم يقولون الآن: إذا كان في الفقه عاد طيب، هذا في الفقه معنى وهو التعوذ من عذاب القبر، وهم لا يؤمنون بعذاب القبر -يقصد المعتزلة- لا يؤمنون بعذاب القبر؛ لأنهم ما يثبتونه. كيف يقولونه في الصلاة وهم لا يؤمنون به من باب الاعتقاد؟ معنى يقولون شيء وهم لا يريدونه أو ينكرونه ويقولونه في الصلاة. وهذا يعتبر أن صلاتهم باطلة؛ لأنهم أتوا بكلام باطل في الصلاة على قولهم، على زعمهم. فهؤلاء متناقضون، عندهم تناقض عجيب، وخاصة مذهب الأشاعرة فيه تناقض عجيب؛ لأنهم أرادوا أن يجمعوا بين طريقة السلف وطريقة الخلف. فهذا كلام الإمام الشافعي رحمه الله، ونكتفي بهذا والله تعالى.