التعليق على مذكرة أصول الفقه 10

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شروط التكليف

يتناول المقطع الأول شروط التكليف وجوازه، حيث يشترط أن يكون الفعل المطلوب معدوما وممكنا. البحث في هذه المسألة يتم من جهتين: العقل والشرع.

حكم التكليف بما لا يطاق

يناقش حكم التكليف بما لا يطاق من حيث العقل والشرع، حيث يرى أكثر الأصوليين جوازه عقلا بينما يرى المعتزلة وبعض أهل السنة منعه. يُفصل في أقسام المستحيل وشرح المستحيل الذاتي والعقلي.

تقسيم المستحيل وتطبيقه على التكليف الشرعي

يناقش تقسيم المستحيل إلى ذاتي وعرضي، ويشرح أن المستحيل الذاتي لا يصح التكليف به شرعًا بينما المستحيل العرضي يمكن أن يكون جائزًا. يُوضح أن التكليف بالإيمان لمن استحال إيمانه جائز شرعًا.

فهم الآية ودلالتها على التكليف

الآية لا تدل على جواز التكليف بما لا يطاق، بل المراد بها رفع المشقة والثقل عن الناس. طلب الرفع من الله سبحانه وتعالى يكون فيما يشق على الناس مع استطاعتهم القيام به.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: الثاني أن يكون معدوما، أما الموجود فلا يمكن إيجاده، فيستحيل الأمر به. يضاح معنى هذا الشرط أنه يشترط في المطلوب المكلف به أن يكون الفعل المطلوب معدوما، فالصلاة والصوم المأمور بهما وقت الطلب لا بد أن يكون غير موجودين، والمكلف ملزم بإيجادهما على الوجه المطلوب. أما الموجود الحاصل فلا يصح التكليف به، كما لو كان صلى الظهر هذا اليوم بعينه صلاة تامة من كل جهاتها، فلا يمكن أمره بإيجاد تلك الصلاة بعينها التي أداها على أكمل وجه، لأن الأمر بتحصيلها معناه أنها غير حاصلة، والفرض أنها حاصلة، فيكون تناقضا. نعم، كيف يؤمر بتحصيلها وقد صلاها، فهي حاصلة، فالأمر بتحصيل ما هو حاصل يعتبر من التناقض. وفي الصحيح المسند، شيخنا الوادي رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل الفرض في اليوم مرتين. قالوا: من هنا قالوا تحصيل الحاصل محال، لأن التحصيل شيء موجود، لأن السعي في تحصيله معناه أنه غير حاصل بالفعل، وكونه حاصلا بالفعل ينافي ذلك، فصار المعنى هو غير حاصل، هو حاصل، وهذا تناقض، واجتماع النقيضين مستحيل. قال المؤلف رحمه الله: الثالث أن يكون ممكنا، فإن كان محالا كالجمع بين الضدين ونحوه لم يجز الأمر به. وقال قوم: يجوز ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ والمحال لا يسأل دفعه، لأن الله تعالى علم أن أبا جهل لا يؤمن، وقد أمره بالإيمان وكلفه إياه إلى آخره. اعلم أن هذه المسألة هي المعروفة عند أهل الأصول بمسألة التكليف بما لا يطاق، وبعضهم يقول: التكليف بالمحال، يعني هل يجوز التكليف بالمحال أو شيء الذي لا يطاق؟ وفيها تفصيل لا بد منه، ولم يذكره المؤلف رحمه الله تعالى، ولكنه أشار إليه إشارة خفيفة في آخر كلامه. اعلم أن حاصل تحقيق المقام في هذه المسألة عند أهل الأصول أن البحث فيه من جهتين: الأولى من جهة الجواز العقلي، أي هل يجوز عقلا أن يكلف الله عبده بما لا يطيقه أو يمتنع ذلك عقلا؟ والثانية: هل يمكن ذلك شرعا أو لا؟ إذن عندنا جهتان: جهة من جهة العقل، من حيث العقل هل يجوز أن يكلف الله العبد بما لا يطيق؟ ومن جهة الشرع هل يجوز ذلك أم لا؟ قال: اعلم أن أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلا بما لا يطاق، قالوا: حكمته ابتلاء الإنسان هل يتوجه إلى الامتثال ويتأسف على عدم القدرة ويضمر أنه لو قدر لفعل، فيكون مطيعا لله بقدر طاقته أو لا يفعل ذلك فيكون في حكم العاصي. هذا قول الأكثر، أكثر الأصوليين على جواز التكليف عقلا بما لا يطاق، قالوا: منهم من يقول: لا يلزم ظهور الحكمة في أفعال الله، لأنهم يزعمون أن أفعاله لا تعلل بالأغراض والحكم، وهذا منهج الأشاعرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى إضاح إبطال ذلك في الكلام على علة القياس. وأكثر المعتزلة وبعض أهل السنة منعوا التكليف بما لا يطاق عقلا، قالوا: لأن الله يشرع الأحكام لحكم ومصالح، إلا أن عند المعتزلة قالوا: لا بد من ظهور العلة، قالوا: لا بد من ظهور العلة يعني في الأحكام الشرعية. وأهل السنة يقولون: لا، لا يلزم ظهورها، قد تظهر وقد لا تظهر، لكن نعلم أن الله لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء إلا لحكمة وعلة. قال: والتكليف بما لا يطاق لا فائدة فيه، فهو محال عقلا. أما بالنسبة إلى الإمكان الشرعي، ففي المسألة التفصيل المشار إليه آنفا، وهو أن المستحيل أقسام. فالمستحيل عقلا قسمان: قسم مستحيل لذاته كوجود شريك لله سبحانه وتعالى، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وكاجتماع النقيضين والضدين في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة، ويسمى هذا القسم المستحيل الذاتي. وإضاحه أن العقل إما أن يقبل وجود الشيء فقط، أي ولا يقبل عدمه، أو يقبل عدمه فقط ولا يقبل وجوده، أو يقبلهما معا. فإن قبل وجوده فقط ولم يقبل عدمه بحال، فهو الواجب الذاتي. إن قبل وجوده فقط يعني أن يوجد ولا يعدم، لا يقبل عدمه وانتهاءه، هذا هو الواجب الذاتي المعروف بواجب الوجود كذات الله جل وعلا، يعني يوصف ويخبر عن الله بأنه واجب الوجود، وجوده واجب، لا يجوز فناءه ولا عدمه. فالواجب الوجود لا يجوز عدمه ولا يمكن أن يعدم، متصفا بصفات الكمال والجلال. وإن قبل عدمه فقط دون وجوده، فهو المستحيل المعروف المستحيل عقلا، يعني شيء الذي يستحيل عقلا، فيقدم فيقبل عدمه ولا يقبل وجوده، ما يمكن أن يوجد كوجود شريك لله سبحانه وتعالى وتعالى عن ذلك علوة كبيرة، فهذا يقبل العقل عدمه ولا يقبل وجوده. وإن قبل العقل وجوده وعدمه، فهو المعروف بالجائز عقلا، وهو الجائز الذاتي كقدوم زيد يوم الجمعة وعدمه. ومثل أيضا وجود الإنسان، وجوده جائز الوجود، وهو يقبل العدم، بل كان معدوما قبل ذلك ويقبل العدم، هذا تسمى بمدارك العقل. فالمستحيل الذاتي أجمع العلماء على أن التكليف به لا يصح شرعا، لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ وقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ونحو ذلك من أدلة الكتاب والسنة، هذا ظاهر في أي عدم جواز التكليف بما لا يطاق والمستحيل الذاتي. قال: القسم الثاني من قسمي مستحيل عقلا هو ما كان مستحيلا لا لذاته، بل لتعلق علم الله بأنه لا يوجد، لأن ما سبق في علم الله أنه لا يوجد مستحيل عقلا، مستحيل عقلا أن يوجد لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي. وهذا النوع يسمونه المستحيل العرضي. ونحن نرى أن هذه العبارة لا تنبغي، لأن وصف استحالته بالعرض من أجل كونها بسبب تعلق العلم الأزلي لا يليق بصفة الله، وليس من صفات الله العرض. فلولا أن يقال كما سيأتي مستحيل أن سبق علم الله. قال: فالذي ينبغي أن يقال: أنه مستحيل لأجل ما سبق في علم الله من أنه لا يوجد. قالوا: مثال هذا النوع إيمان أبي لهب، فإن إيمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلا، جائز عقلا الجواز الذاتي، لأن العقل يقبل وجوده وعدمه، يعني يجوز أن يكون مؤمنا، هذا شيء جائز. قال: أن العقل يقبل وجوده وعدمه، ولو كان إيمانه مستحيلا عقلا لذاته لاستحال شرعا تكليفه بالإيمان، مع أنه مكلف به قطعا إجماعا. لو كان الإيمانه مستحيل عقلا لذاته يعني ما يمكن استحيل أن يقع، لما أمر به الشرع وكلفه به الشرع، والشرع يأمره بالإيمان، لكن الله عز وجل يمرد ذلك قدرا، فهو أراده شرعا، لكن لم يريده قدرا، فلم يقع مع جواز وقوعه. قال: ولكن هذا الجائز عقلا الذاتي مستحيل من جهة أخرى، وهي من حيث تعلق علم الله فيما سبق أنه لا يؤمن، لاستحالة تغير ما سبق به العلم الأزلي. والتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعا، وجائز عقلا وشرعا بإجماع المسلمين، لأنه جائز ذاتي لا مستحيل ذاتي، يعني يوز أن يؤمن هذا جائز، فليس بمستحيل ذاتي، يعني يستحيل من ذاته وقوعه. قال: والمستحيل العادي كتكليف الإنسان بالطيران إلى السماء بالنسبة إلى الحكم الشرعي كالمستحيل العقلي، يعني هذا شيء يستحيل عادة أن يطير الإنسان إلى السماء بغير آلات الطيران، شيء مستحيل عادة هو كالمستحيل العقلي. قال: هذا هو حاصل الكلام أهل الأصول في هذه المسألة. والآية لا دليل فيه على جواز التكليف شرعا بما لا يطاق، لأن المراد بما لا طاقة به هي الآصار والأثقال التي كانت على من قبلنا، لأن شدة مشقتها وثقلها تنزلها منزلة ما لا طاقة به، يعني بقوله ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، يسمى المراد به الشيء المستحيل المستحيل أن يقع، المراد به ما لا طاقة لنا به، يعني ما يشق علينا، ما يكون فيه مشقة وشدة مع استطاعة أن نأتي به مع المشقة، هذا هو الذي طلب رفعه وعدم تكليف به، فاستجاب الله سبحانه وتعالى كما في الحديث. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.