كتاب صلاة المسافرين وقصرها 9

كتاب صلاة المسافرين وقصرها 9

الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

إسناد حديث قصر الصلاة بمنى وروايات الصحابة

يسرد المقطع سلسلة رواة حديث صحيح مسلم عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وموافقة أبي بكر وعمر وعثمان في أول خلافته، ثم إتمام عثمان لأربع ركعات، مع مناقشة حال الرواة كتدليس الوليد بن مسلم وإثبات الصحة عن ابن عمر.

قصر النبي والخلفاء الراشدين بمنى في حجة الوداع

يذكر المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة الرباعية بمنى في حجة الوداع، وتبعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، بينما أتم عثمان الصلاة أربعاً في آخر خلافته، مؤكداً أن السنة في السفر هي القصر ركعتين وأن الإتمام مكروه خلاف الأفضل.

أحكام قصر الصلاة في السفر ومنى واختلاف العلماء في المقيم

يبين المقطع أن قصر الصلاة في السفر سنة مؤكدة لا واجبة مستدلاً بصلاة الصحابة خلف عثمان أربعاً، واتفاق العلماء على قصر المسافر في منى، واختلافهم في المقيم بمكة بين القصر لنسك الحج والإتمام إلا إذا نوى السفر، مع تفصيل الحكم في عرفة ومزدلفة، وبيان أن المسافر لا يصلي الرواتب إلا ركعتي الفجر.

مشروعية النوافل للمسافر وركعتي الفجر

يجوز للمسافر أداء النوافل المطلقة كصلاة الضحى والليل والوتر، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فيشرع للمسافر المحافظة على هذه الصلوات في سفره.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثني حرملة بن يحيى، وهو التجيبي المصري، قال: حدثنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، قال: أخبرني عمر، وهو ابن الحارث، أبو أمية، وهو أبو أمية الأنصاري، قال فيه الحافظ: ثقة فقيه حافظ، عن ابن شهاب، وهو الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، قال: عن سالم بن عبد الله، وهو سالم بن عبد الله بن عمر، قال: عن أبيه، وهو عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة المسافر بمنى وغيره ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان ركعتين صدراً من خلافته، ثم أتمها أربعاً، أي عثمان رضي الله عنه. قالوا: حدثنا زهير بن حرب، أبو خيثمة النسائي البغدادي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، وهو أبو العباس الشامي، ثقة إلا أنه مدلس، كان يدلس تدليس التسوية. وما هو تدليس التسوية؟ نعم، إسقاط ضعيف بين ثقتين. أكمل. ها، سُمّي أحدهما من الآخر. نعم، يسقط ضعيف بين ثقتين، سمع أحدهما من الآخر، فيسوي السند بالثقات. وكان يفعل هذا كثيراً مع الإمام الأوزاعي، فيسقط شيخه الضعيف، ويروي عمن بعده، فيجعل السند مسوياً بالثقات. فلما قيل له في ذلك: لم تفعل هذا؟ قالوا: نُزه الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، فهو ثقة، لكن إذا روى بالعنعنة فإنه لا يقبل حديثه حتى يصرح بالتحديث. قال: عن الأوزاعي، وهو عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام. وحدثنا إسحاق، وهو ابن إبراهيم الحنظلي، المشهور بن راهويه، الإمام الحافظ. وقال: عبد بن حميد، هو ابن نصر، أبو محمد، وهو أيضاً ثقة حافظ. قال: أخبرنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، صاحب المصنف. قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد، نزيل اليمن. قال: قالا جميعاً عن الزهري بهذا الإسناد، قال: بمنى، ولم يقل غيره. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو أسامة، وهو محمد بن أسامة، قال: حدثنا عبيد الله، وهو ابن عمر بن حفص، أبو عثمان القرشي العدوي، وهو ثقة ثبت، عن نافع، مولى ابن عمر، عن ابن عمر، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعدها أربعاً، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين. وقال: حدثنا ابن المثنى، وهو محمد بن المثنى، أبو موسى العنزي، الملقب بالزمن. وقال: عبيد الله بن سعيد، وهو أبو قدامة السرخسي، هو ثقة. قال: حدثنا يحيى، وهو القطان، يحيى بن سعيد القطان، إمام من أئمة الجرح والتعديل. وحدثنا أبو قريب، وهو محمد بن العلاء الهمداني، قال: أخبرنا ابن أبي زائدة، وهو يحيى بن أبي زكريا، أو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو أيضاً ثقة متقن. قال: قال... وحدثناه ابن نمير، وهو محمد بن عبد الله بن نمير، ثقة حافظ، قال: حدثنا عقبة بن خالد، وهو أبو مسعود الكوفي. قال: كلهم عن عبيد الله بهذا الإسناد نحوه. كلهم عن عبيد الله يعني ابن سعيد. وحدثنا عبيد الله بن معاذ، وهو العنبري، أبو عمر، ثقة حافظ. قال: حدثنا معاذ بن معاذ العنبري، وهو أيضاً ثقة متقن، قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، قال: عن خبيب بن عبد الرحمن، خبيب بن عبد الرحمن، وهو أبو الحارث الأنصاري، هو ثقة، أنه سمع حفص بن عاصم، عن ابن عمر، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر وعمر وعثمان ثماني سنين، أو قال: ست سنين. قال حفص: وكان ابن عمر يصلي بي الركعتين، ثم يأتي فراشه، فقلت: يا عم، لو صليت بعدها ركعتين؟ قال: لو فعلت لأتممت الصلاة. قال: وحدثنا يحيى بن حبيب، قال: حدثنا خالد، يعني: ابن الحارث. وحدثنا ابن المثنى، قال: حدثني عبد الصمد، أو عبد الوارث، قال: حدثنا شعبة بهذا الإسناد، ولم يقل في الحديث بمنى، ولكن قال: صلى في السفر. في هذا الحديث يخبر ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة المسافر بمنى، يعني أنه قصر الصلاة، لما حج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أقام بمنى وصلى فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكان يقصر الصلاة عليه الصلاة والسلام من غير جمع، فيقول: صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المسافر بمنى ركعتين، بمنى وغيره، يعني غير منى إذا كان مسافراً، يريد أنه إذا كان مسافراً فإنه يصلي ركعتين، سواء كان بمنى أو غير منى. قالوا: أبو بكر، وعمر، وعثمان، يعني كذلك كان يصلون بمنى ركعتين، كان يصلون بمنى ركعتين، وعثمان أيضاً صدراً من خلافته، ثم أتمها أربعاً، أي عثمان كان في أول الأمر يصلي ركعتين، ثم صلى أربعاً، ثم صلى أربعاً. ومر معنا أن عثمان رضي الله عنه تأول، والصحيح بقول أهل العلم أن المراد بهذا التأويل الذي جعله يصلي أربعاً هو كونه رأى جواز الإتمام، جواز الإتمام كما أنه يجوز القصر. ومر معنا بالدروس الماضية أن السنة في الصلاة الرباعية في السفر هي القصر، أن السنة في الصلاة الرباعية هي القصر، أن تُصلى ركعتين، وأن الإتمام خلاف الأفضل، أن الإتمام خلاف الأفضل والأكمل والأحسن، بل فعلها على وجه الإتمام مكروه، فعلها على وجه الإتمام مكروه، وأن هذا قول جمهور أهل العلم. قوله: جمهور أهل العلم. ومن ذهب إلى الوجوب من أهل العلم فيعارضه ذلك ما ثبت عن الصحابة من صلاتهم خلف عثمان أربعاً مع كونهم مسافرين، ولو كان القصر واجباً لوجب عليهم أن يصلوا ركعتين، لوجب عليهم أن يصلوا ركعتين، ولا يكتفوا أو لا يتموا الصلاة، كما أن المقيم يجب عليه أن يتم الصلاة، فلو صلى خلف المسافر فإنه يتم، فإنه يتم لأن هذا فرضه الواجب عليه. فدل هذا على أن القصر في السفر مستحب استحباباً مؤكداً. واتفق أهل العلم على أن المسافر إذا أتى إلى منى فإنه يصلي ركعتين، يصلي ركعتين، أي إذا حج وأتى إلى منى فإنه يصلي ركعتين كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، ونقل بعض العلماء الاتفاق على ذلك. واختلفوا في المقيم كأهل مكة، هل يصلون ركعتين أو يتمون الصلاة؟ فذهب بعض أهل العلم إلى أنهم يصلون ركعتين، أنهم يصلون ركعتين وإن لم يكونوا مسافرين، وذلك أنهم جعلوا أن القصر في منى ليس لأجل السفر وإنما لأجل النسك، أن هذا نسك من أنساك الحج أن تُصلى الصلوات في منى ركعتين. وجمهور أهل العلم على أن من كان مقيماً في مكة فإنه لا يقصر، لا يقصر الصلاة بمنى إلا إذا كان مسافراً، يعني خرج من مكة بنية السفر، فهذا له أن يصلي ركعتين، له أن يصلي ركعتين. أما إذا كان مقيماً وأتى إلى منى ولم ينو سفراً فإنه يتم الصلاة، فإنه يتم الصلاة. وقالوا بأن النبي عليه الصلاة والسلام قصر لأنه كان مسافراً، لأنه كان مسافراً عليه الصلاة والسلام. نعم، أما إذا صلى في عرفة أو مزدلفة فله أن يقصر الصلاة، إذا صلى في مزدلفة أو عرفة، يعني من كان في مكة فإنه يقصر الصلاة لأنهم يعدون ذلك يعني سفراً، بخلاف منى، وهذا قول جمهور أهل العلم. وإن قال قائل: كيف النبي عليه الصلاة والسلام صلى ركعتين بمنى ولم يأمر أهل مكة أن يتم، ولم يأمر أهل مكة أن يتم؟ قال بعض أهل العلم: كان في ذاك الوقت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ربما عدوا ذلك سفراً لبعد المسافة، وكانت التنقل بالرواحل، وليس كاليوم، اليوم أصبحت منى تعني حياً من أحياء مكة، أصبحت منى حياً من أحياء مكة، فلا تعد سفراً إذا خرج الإنسان من مكة إلى منى، فاختلف الأمر، والله تعالى أعلم. فهذا ما يتعلق بهذا الحديث. وأما قول ابن عمر لما قيل له: لو صليت بعدها ركعتين، قال: لو فعلت لأتممت. مر معنا نحو ذلك في الأحاديث التي مضت، وعلمنا أن السنة للمسافر أنه لا يصلي النوافل الراتبة، لا يصلي النوافل الراتبة، نوافل الفرائض القبلية والبعدية، إلا ما خصه الدليل كركعتي الفجر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب عليها في السفر وفي الحضر. وهكذا أيضاً لا بأس أن يصلي النوافل المطلقة كصلاة الضحى وصلاة الليل والوتر، فإنه يشرع للمسافر أن يصليها في السفر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.