الدرس في كتاب الصيام 49، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستعرض المقطع أحاديث صحيحة من مسلم تبين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتماس ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان وتحديدها في الليالي الوترية. كما يشير إلى هديه في الاعتكاف بالعشر الأوسط ثم الانصراف بعد انقضاء عشرين ليلة.
يبين المقطع أن النبي ﷺ اعتكف العشر الأوسط ثم الأواخر طلباً لليلة القدر، وأمر أصحابه باللبث، مبيناً أنه رآها ثم نُسيت لحكمة إلهية هي اجتهاد المسلمين في جميع الليالي. ويبرز حرص النبي ﷺ على الشكر والعبادة رغم مغفرة ذنوبه داعياً الأمة للاجتهاد في العشر الأواخر.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأوسط حتى أُري ليلة القدر في العشر الأواخر بعلامة السجود على ماء وطين صبيحة الحادي والعشرين، فانتقل للاعتكاف في العشر الأواخر وحث أصحابه على ذلك. يدل ذلك على تنقل ليلة القدر في ليالي العشر الوترية مما يستدعي اجتهاد المسلم في طلبها بكل ليالي العشر اقتداءً به وبصحبه.
يؤكد المقطع أن اجتهاد المسلم في صلاة الشفع والوتر في كل ليالي العشر الأواخر يضمن له بإذن الله إدراك فضل ليلة القدر المباركة. ويختتم بالصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثني حرملة بن يحيى، وهو تجيبي مصري، وهو صدوق، وكان راوياً لابن وهب. قال: أخبرنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري. قال: أخبرني يونس، وهو ابن يزيد، وهو ثقة، لكن في روايته عن الزهري شيء من الوهم، وهو يروي هنا عن الزهري، لكن هذا الحديث أو هذا السند هو في المتابعات. قال: عن ابن شهاب، وهو الزهري، قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر أن أباه رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لليلة القدر: إن ناساً منكم قد أروا أنها في السبع الأول، وأري ناس منكم أنها في السبع الغوابر». الغوابر يعني الأواخر، «فالتمسوها في العشر الغوابر». قال: حدثنا محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي. قال: حدثنا محمد بن جعفر، الملقب بغندر. قال: حدثنا شعبة عن عقبة، وهو بن حريث، قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التمسوها في العشر الأواخر» يعني ليلة القدر، «فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي». قال: وحدثنا محمد بن المثنى. قال: حدثنا محمد بن جعفر. قال: حدثنا شعبة عن جبلة، وهو ابن سحيم، قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. قال: حدثنا علي بن مسهر، وهو أبو الحسن الكوفي، كان رحمه الله فقيهاً محدثاً. قال: عن الشيباني، وسليمان بن أبي سليمان، قال: عن جبلة ومحارب، وهو ابن دثار، قال فيه الحافظ: ثقة إمام زاهد. قال: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحينوا ليلة القدر في العشر الأواخر، أو قال: في التسع الأواخر». قال: وحدثنا أبو الطاهر، وهو أحمد بن عمرو القرشي، قال: وحرملة بن يحيى. قال: أخبرنا ابن وهب. قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر». وقال حرملة: «فنسيتها» يعني بدون تشديد. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، وهو أبو رجاء البغلاني. قال: حدثنا بكر، وهو ابن مضر، عن ابن الهاد، وهو يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، ومن الحارث، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر التي في وسط الشهر، فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة ويستقبل إحدى وعشرين يرجع إلى مسكنه، ورجع من كان يجاور معه. ثم إنه أقام في شهر جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها، فقطب الناس، فأمرهم بما شاء الله، ثم قال: «إني كنت أجاور هذه العشر، ثم بدا لي أن أجاور هذه العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين». قال أبو سعيد الخدري: مطرنا ليلة إحدى وعشرين، فوكف المسجد في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت إليه وقد انصرف من صلاة الصبح، ووجهه مبتل طيناً وماء. قال: وحدثنا ابن أبي عمر. قال: حدثنا عبد العزيز عن الدراوردي عن يزيد عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في رمضان العشر التي في وسط الشهر، وساق الحديث بمثله، غير أنه قال: «فليثبت في معتكفه»، وقال: «وجبينه ممتلئ طيناً وماء». هذه الأحاديث فيها حث النبي عليه الصلاة والسلام على تحري ليلة القدر في العشر الأواخر، في العشر الأواخر من رمضان، فهو أحرى ما تكون فيه ليلة القدر. وفي حديث أبي هريرة أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه أري ليلة القدر، أري ليلة القدر أنها في الليلة الفلانية، ثم استيقظ فنسيها عليه الصلاة والسلام، وهذا من حكمة الله كما ذكرنا في الدرس الماضي: أن النبي عليه الصلاة والسلام نسي هذه الليلة، أو ارتفع تعيين هذه الليلة، حتى يشتد العباد في سائر الليالي، فيعظم أجر المسلم، وكذلك يكثر له الثواب في اجتهاده في الليالي كلها، من خلال ما لو كانت ليلة معينة قد يتكاسل ويتقاعس حتى إذا أتت تلك الليلة اجتهد ثم يترك على ذلك الاجتهاد في بقية الليالي، فكان من حكمة الله أن رفع تعيين هذه الليلة حتى يبذل المسلم جهده في الليالي كلها، فيعظم له الأجر. وفي حديث أبي سعيد أخبر أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجاور في العشر التي في وسط الشهر، يعني كان يعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأوسط من رمضان تحرياً لإدراك ليلة القدر، فكان عليه الصلاة والسلام يعتكف، وإذا دلنا على عظيم ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الجد والاجتهاد في العبادة، حتى إنه كان يعتكف في كل رمضان حتى توفاه الله، يتفرغ للعبادة ويحبس نفسه في بيت الله جل وعلا ليتفرغ لطاعة الله وعبادته، مع أنه عليه الصلاة والسلام قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، لكن يفعل ذلك لتحقيق العبودية لله والقيام بشكره. ولهذا لما كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه تتشقق، قالت له عائشة: يا رسول الله، تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟». إذا أمن الله عز وجل عليه بهذه المنة أن غفر لي ما تقدم من ذنوبي وما تأخر، فهذه نعمة عظيمة تحتاج إلى شكر، فكان يجتهد ويكثر في الطاعة والعبادة شكراً لله سبحانه وتعالى. وبذلك أيضاً اعتكافه في رمضان للتفرغ للعبادة والطاعة والاجتهاد فيه، هذا من شكر الله جل وعلا، فكان يعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأوسط، فإذا مضت عشرون ليلة خرج من معتكفه عليه الصلاة والسلام. ثم إنه في ليلة من تلك الليالي أراد يعني أن يخرج بعد انتهاء عشرين ليلة، فبقي عليه الصلاة والسلام في محله، وخطب الناس، فذكرهم بما فتح الله عليه وبما شاء الله من التذكير والوعظ، ثم أخبرهم أنه كان يجاور هذه العشر في أوساط، أو العشر الأوسط، وأنه كان يفارقها أو يخرج في آخرها، وأنه بدا له أن يجاور العشر الأواخر، وأن يعتكف في العشر الأواخر، فحث أصحابه من كان قد اعتكف معه أن يلبث وأن يمكث في محله ولا يفارق معتكفه، لماذا؟ حتى يدرك فضل هذه الليلة، وكأن ذلك والله أعلم كان في أول الأمر لم يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن ليلة القدر في العشر الأواخر، فلهذا كان يعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأوسط، فلما أخبر أن في العشر الأواخر، وأري هذه الليلة، بل حددها عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أنه رأى هذه الليلة، ليلة القدر، أنه يسجد في صبيحتها على ماء وطين، يعني في صلاة، يعني في صلاة الصبح يسجد على ماء وطين. فكانت هذه الليلة وهي ليلة الحادي والعشرين، أمطرت، ووكف المسجد، أي دخل الماء، وكان سقف المسجد من جريد النخل، فتساقط الماء إلى داخل المسجد واختلط بالطين، فلما سجد عليه الصلاة والسلام علق في جبهته ماء وطين، فأري عليه الصلاة والسلام وعليه أثر الماء والطين، فعلم بذلك أن هذه الليلة كانت ليلة القدر، ليلة الحادي والعشرين. وهذا يدلنا على ما ذهب إليه كثير من أهل العلم: أن ليلة القدر تتنقل ولا تلزم ليلة معينة في كل سنة، بل قد تكون في هذه السنة ليلة الحادي والعشرين، وفي سنة أخرى ليلة الثالث والعشرين، وفي سنة أخرى ليلة الخامس والعشرين، وهكذا، هكذا تتنقل من ليلة إلى ليلة. ولذلك فالمسلم الحريص على الخير والراغب في إدراك هذه الليلة العظيمة فإنه يجتهد في كل الليالي، يجتهد في كل الليالي في رمضان، ويتأكد ذلك في العشر الأواخر، لأن أحرى ما تكون ليلة القدر فيها. وقد تواطأت رؤى الصحابة رضوان الله عليهم على أنهم رأوها في السبع الأواخر أو في العشر الأواخر، فأحث النبي عليه الصلاة والسلام على التماسها في العشر الأواخر، حتى أنه بعد ذلك كان يعتكف في العشر الأواخر، وترك الاعتكاف في العشر الأوسط، فاعتكف في العشر الأواخر حتى توفاه الله وهو ملازم للاعتكاف في العشر الأواخر. فإذن يجتهد المسلم في سائر الليالي، وبذلك بإذن الله يدرك فضل هذه الليلة العظيمة. وفيه أيضاً كذلك ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من محبتهم للخير والاجتهاد في الطاعة والعبادة، حتى إنهم كانوا يعتكفون مع النبي عليه الصلاة والسلام ليدركوا فضل هذه الليلة المباركة. وكذلك أيضاً فيه أن أوتار العشر هي أحرى أن تكون فيها ليلة القدر، ولهذا قال: «فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر». فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر. وعلى كل، كما سمعنا، إذا اجتهد المسلم في كل الليالي في شفعها ووترها، فإنه بهذا بإذن الله يدرك فضل هذه الليلة المباركة العظيمة. طيب الله هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.