الخط التاريخي لظهور البدع  11

الخط التاريخي لظهور البدع 11

الدرس في الخط التاريخي لظهور البدع 11، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الكرامية وبدع محمد بن كرام السجستاني

يتناول المقطع الحديث عن فرقة الكرامية ومؤسسها محمد بن كرام السجستاني وبدعها الرئيسية. يشرح انتشار بدعته وردود أفعال العلماء عليها.

ابن كلاب وموقفه من المعتزلة والجهمية

ابن كلاب عالم وفقيه رد على الجهمية والمعتزلة وكان بارعًا في المناظرة. اتهم بالضلال وافتريت عليه تهم كاذبة من قبل الجهمية والمعتزلة.

بدع ابن كلاب وتحذير العلماء منه

ابن كلاب أتى ببدع في مسألة القرآن والصفات الإلهية. العلماء حذروا منه ومن منهجه الملفق بين أهل السنة والمعتزلة.

ختام الحديث عن فرقتي الكرامية والكلابية

المقطع يلخص ما تم ذكره عن فرقتي الكرامية والكلابية ثم يدعو الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي هذه الفترة، إخواني في الله، وهي الفترة التي جعلناها الفترة الخامسة، بين عامي مائتين واثنين وثلاثين إلى عام ثلاثمائة وأربعين وعشرين من الهجرة، ذكرنا ما ذكرنا من ظهور الكرابيسي وما كان من بدعته، إلا أن ما أتى به عبارة عن رأي رآه وتبناه بعض الناس. لكن مما يذكر في هذه المرحلة، باعتبار فرق جديدة ظهرت، فرقة لها رأس ولها جماعة وأتباع. يذكر أهل التاريخ بظهور فرقتين، فرقتين ظهرتا على إثر الفرق السابقة. مر معنا الخوارج وأشرف المرجئة والمعتزلة والجهمية. وعلى إثر هذه الفرق، في هذا العام الذي قد حددنا بين هاتين الحقبتين الزمنيتين، ظهرت لنا فرق جديدة: الفرقة الأولى الكرامية، والفرقة الثانية الكلابية. نبدأ، إخواني في الله، بالفرقة الأولى، وهي الكرامية. الكرامية فرقة ظهرت ونشأت على يد رجل اسمه محمد بن كرام السجستاني. وهذا الرجل أتى بعدة بدع، أولاها إطلاق الجسمية على الله، فهم يقولون بأن الله هو جسم لا كالأجسام، فيطلقون على الله لفظ الجسم لأن الله جسم لا كالأجسام. ومن البدع التي أتى بها ابن كرام أن الله صار متكلمًا بعد أن لم يكن، صار متكلمًا، طرأ عليه الكلام بعد أن لم يكن متكلمًا، ففيه نفي لصفة الكلام عن الله عز وجل. والقول الثالث الذي أتى به كبدعة، بأن الإيمان هو قول فقط، الإيمان قول فقط، أي ما يتعلق باعتقاد ولا يتعلق بأعمال أبدًا، إنما من نطق بلسانه، بغض النظر عن عقيدة قلبه، فقط يدعي الإيمان بلسانه فهو مؤمن. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان وإن كان مع عدم التصديق». هذه، إخواني في الله، البدع الشهيرة التي أتت بها الكرامية: وصف الله بالجسمية، بأن الله صار متكلمًا بعد أن لم يكن، والقول الغريب الذي أتوا به في مسألة الإيمان. رجل يدعي الإيمان بلسانه فهو مؤمن، بغض النظر عما يطرأ في قلبه من نفاق أو شقاق. محمد بن كرام، إخواني في الله، هذا الرجل بدعته انتشرت لأنه، كما قلنا، أصبحت هذه الآراء ليست فقط آراء يتلقفها أي أحد، بل تكون جماعة سميت بعد ذلك باسمها، الكرامية. وسبب انتشار بدعته للناس ما كان من تقشفه ومن تعبده، كان في غاية من الزهد والتقشف، فانطلى أمره على كثير من الناس. وصفه الذهبي رحمه الله تعالى في السير بقوله: «المبتدع شيخ الكرامية، كان زاهدًا عابدًا ربانيا، بعيد الصيت، كثير الأصحاب». أصحابه كثر، يذكر حتى أن تقشفه ظهر في ملبسه، وكان يلبس من اللباس ما يكون كالجلد من جلد المدبوغ، من جلد الضأن، يلبسه غير مخيط، وعلى رأسه قلنسوة بيضاء. وكان يجلس على مكان من طين إذا أراد أن يجلس لأصحابه ويحدثهم، يأتي بمكان من طين يضع عليه فرشًا فيجلس عليه ويحدث الناس، قمة في التواضع والتقشف. هكذا كان أمره، فانطلى أمره على كثير من الناس، وكون معه أصحابًا يسيرون على ما سار عليه هو في العبادة. له شأن، لكن في باب العلم، لا هو على خلاف ذلك، لم يكن عالمًا، وما كان محسوبًا من أهل العلم. قال الشهرستاني رحمه الله تعالى: «كان محمد بن كرام قليل العلم، ما عنده علم». وذكر الذهبي رحمه الله تعالى في السير وفي كتابه أيضًا تاريخ الإسلام أن عثمان بن سعيد الدارمي قال: «كنت عند إبراهيم بن الحسين، إذ دخل علينا رجل عليه رقاع، فقيل: هذا ابن كرام. فقال إبراهيم: هل اختلفت إلى أحد من العلماء؟ قال: لا. أذهب للعلم ولا أطلب العلم». هنا تأتي البلية، إخواني في الله، إذا ترأس جاهل أمر الخلق، أين سيكون مؤداهم إلى الضلال والهلاك؟ وقد تكلم العلماء حول شيء من جهله، لكن لا يسع المقام، وهذا مذكور في تاريخ الإسلام، حيث كيف كان جاهلًا لأسس أصول الدين. لكن يكفينا ما وصفه العلماء، لأنه كان جاهلًا، قليل العلم. ظهر ابن كرام ببدعته، وكان من طريقة العلماء أهل السنة أنهم تعاملوا معه بالإنكار عليه وعلى بدعته. يقول إمام محمد بن إسماعيل الطوسي: «لم تعرج كلمة إلى السماء أعظم ولا أخبث من ثلاث كلمات: قول فرعون: «أنا ربكم الأعلى»، وقول بشر المريسي: «القرآن مخلوق»، وقول ابن كرام: «الإيمان ليس من الإيمان»». هذه عقيدته: الإيمان إنما هو قول فقط، لا يتعلق به تصديق، وليس يتعلق به عمل. أرسل ابن كرام كتابًا للإمام البخاري يسأله عن بعض الأحاديث، كحديث الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعًا قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان لا يزيد ولا ينقص». فكتب البخاري على ظهر الورقة: «من حدث بهذا الحديث فقد استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل». من تجرأ على أن يحدث بهذه الأحاديث ينسبها لرسول الله، هذا حقه الضرب والحبس. قبل إقبال بن حبان رحمه الله تعالى ويتكلم عن ابن كرام، فقال: «خذل حتى التقط من المذاهب أرداها، ومن الأحاديث أوهاها». ومن الذي أوقعه في ذلك ما مر، لم يكن على علم، بل كان جاهلًا. ما يتعلق بوفاة ابن كرام، إخواني في الله، أن ابن كرام عندما أظهر بدعته وكان من أهل سجستان، قام والي سجستان بنفيه، وهاب أن يقتله، لما رأى من زي العبادة والتقشف، رأى أن هذا ما يستحق أن يقتل، عابد زاهد. لأن، كما قلنا، غر الناس بعبادته، فاستمال قلوب الخلق، حتى الوالي أراد أن يسفه لأجل بدعته، لكن رأى أن ما عليه من التقشف والورع يشفع له في ذلك، فماذا فعل؟ نفاه وأطرده. قال ابن حجر رحمه الله تعالى، كما في لسان الميزان: «وقد سجن بنيسابور ثمانية أعوام». وذلك لأنه لما طرد من سجستان ذهب إلى الشام، ومن ثم رجع إلى نيسابور، ما استقر به الحال في مكان معين، وإنما يتنقل. كان في سجستان، ذهب إلى الشام، من الشام رجع إلى نيسابور، هناك ألقي القبض عليه. قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «وقد سجن بنيسابور ثمانية أعوام من أجل بدعته». وهكذا كان العلماء والحكام، من وفقهم الله عليهم بالعقيدة الصحيحة، فروا أن بدعة الرجل تندفع بسجنه، فسجن ثمانية أعوام. قال: «ثم أخرج إلى بيت المقدس ومات بالشام». أطلق سراحه بعد هذه المدة، ما يتعلق بموته في أرض الشام. قال ابن عساكر رحمه الله: «ولما دخل المقدس سمع الناس منه حديثًا كثيرًا». إنه الحديث يحفظ، فكان يدلي بها، فاغتر الناس، كما قلنا، اغتروا بما عليه يتقى الشف. قال: «فسمع الناس منه حديثًا كثيرًا، فجاءه رجل فسأله عن الإيمان، فلم يجب». يسأل عن الإيمان: ماذا تقول في الإيمان؟ ثم قال: «الإيمان قول». لعل من كان في الشام بلغهم عن بدعة ابن كرام، فأرادوا يتأكدون: هل لا زال على بدعته؟ فامتحنوه بهذا السؤال: ماذا تقول في الإيمان؟ فإذا بالرجل على ما كان عليه، فقال: «الإيمان قول». قال ابن عساكر: «فلما سمعوا ذلك أحرقوا الكتب التي كتبوا فيها حديثًا». علموا أن الرجل ليس على الجادة، ولا يؤتمن على الدين، فقاموا بحرق الكتب التي كتبوا فيها أحاديث ابن كرام، فأحرقوها جميعًا. قال: «أحرقوا الكتب التي كتبوا، ونفاه والي الرملة الذي كان فيها إلى زغر». وهي منطقة بمشارف الشام، فمات بها. قيل: عند موته لم يعلم بموته إلا الخاصة، لأنه مات منفيًا بعيدًا عن أصحابه، مع أن أصحابه بلغوا الآلاف، قدر عدد أتباعه بالآلاف. لكن علق الذهبي رحمه الله تعالى: «لكنهم قلوا وتلاشوا، ذهبوا وتلاشى، لكن بقي اسم المذهب الكرامية». ولزال هذا الاسم يذكر في باب مسائل الإيمان، لأن قوله من أغرب الأقوال التي تذكر في باب الفرق. هذا، إخواني في الله، عما يتعلق بهذا الرجل، ابن محمد الكرام، وما يتعلق بما أتى به، وما يتعلق كذلك بتعامل أهل السنة والجماعة معه، وكيف أن الناس نبذوه ونبذوا أفكاره، لهذا القول الغريب والمنهج اللقيط. نأتي، إخواني في الله، الفرقة الثانية، وهي الكلابية. زعيمها، رئيسها، وهو الذي ظهر في هذه الفترة، هو عبد الله بن سعيد القطان، عبد الله بن سعيد القطان. من باب الاسم، إخواني في الله، اشتبه اسمه بابن كلاب، هذا عبد الله بن سعيد القطان، باسم يحيى بن سعيد القطان، حتى ظن بعضهم أنه أخوه، وهذا خطأ. وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: لا تربط صلة، فافهم هذا. وعبد الله بن سعيد اشتهر بلقب ابن كلاب، ولماذا سمي كلاب؟ لأنه كان يجذب خصمه إليه كما يفعل الكلاب. الكلاب: حديدة فيها رأس معكوف، يستخدم في الرمي ثم التقاط الشيء، أي شيء تلتقط. كلاب يرمى في أحد، سيارات الآن كلاب ضبط السيارة ثم تسحب. هذا كلاب. هذا عبد الله سمي كلابًا، طيب ما هو وجهه الذي يفعله في مجالس المناظرة؟ سيأتي أنه بارع في هذا الباب. إذا تناظر يجذب خصمه إليه، يغلبه بحجته، ببيانه، ولسانه، فلقب بابن كلاب، أن يفعل كما يفعله الكلاب في جذب الأشياء إليه. ابن كلاب، هذا الرجل، إخواني في الله، الذي نحن بصدده، كان على جانب من العلم والفقه، بخلاف ابن كرام. ابن كرام عرف أنه ليس بعالم، ولا بجاهل عينه وعبادته، هذا عكس هذا. كان على جانب عظيم من العلم والفقه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «أبو محمد عبد الله بن سعيد ابن كلاب إمام، له علم وفقه». وقال أيضًا شيخ الإسلام رحمه الله: «أبو محمد عبد الله بن سعيد ابن كلاب القطان، له فضيلة ومعرفة، رد بها على الجهمية والمعتزلة ونفات الصفات». رد على الجهمية والمعتزلة ونفات الصفات، ولم يتخلص من شبه الجهمية كل التخلص. في عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بيان ما كان من علم ابن كلاب، بل كان يناظر، يناظر الجهمية، يناظر المعتزلة، يناظرهم ويستأصلهم، أي مناظرة، بل ربما كسرهم، دمرهم. يقول الذهبي رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن ابن كلاب: «رأس المتكلمين، وصاحب التصانيف في الرد على المعتزلة». كان يرد على المعتزلة، بل كان يحزب من أهل السنة، في نظر أهل البدع، لأنه كان إذا رأى جهمي ناظره، وإذا رأى معتزلي ناظره. يقول السبكي رحمه الله، نقلًا عن الفخر الرازي: «ومن متكلمي أهل السنة في أيام المأمون، عبد الله بن سعيد، الذي دمر المعتزلة في مجلس المأمون، وفضحهم ببيانه». قوي جدًا في باب المناظرة، ولهذا، كما قلنا، سمي بابن كلاب، يقلب الخصم. عبر الرازي بأنه دمر المعتزلة في باب المجالسة، المناظرة، ما كان هناك أحد يستطيع مناظرته، من أجل شدة وقع ابن كلاب على النفاة من الجهمية والمعتزلة. حنقوا عليه وغضبوا عليه، حتى إنهم لربما لفقوا التهم على ابن كلاب، حتى يحذر الناس منه، وهو كذب. وإن كان رجل ضال، كما سيأتي، ابن كلاب، وجه ضلاله أين؟ لكن بالمقابل ما ينبغي أن يفترى عليه. فقامت الجهمية بذكر الدعاوى خطيرة في حق ابن كلاب، من ذلكم تلك القصة التي تناقلها الناس، وهي كذب، وافتراء عليه، مفادها أن ابن كلاب كان له أخت نصرانية، وأنها هجرت لما أسلم، يعني بمعنى: كان نصرانيًا ثم أسلم، أخته هجرت. قال لها: «أنا أظهرت الإسلام لأفسد على المسلمين دينهم، فرضيت عني لأجل ذلك». هذه القصة يدندن بها نفاة الصفات من الجهمية، وهم الذين تكبدوا الخسائر من ابن كلاب، إنما أروها، رووها كذبًا، ومبهتانًا، حتى يشمتوا من ابن كلاب: وأنا دسيسة، وأنا دسيسة على المسلمين. هذه القصة، قال شيخ الإسلام: «بينا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه درء التعارض بأن قصة تراها عليه بعض الجهمية والمعتزلة، لأنه خالفهم في إثبات الصفات». شيخ الإسلام وقف، وهكذا المسلمون وقفوا للحق. ما نقول: صحب ابن كلاب، أخطأ في أشياء، لكن كون نكذب عليه، لا، الحق يقال، ولا يجري من لكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى. فأراد الجهمية من هذه القصة يقولون: أن هذا ابن كلاب، هذا أصل النصراني، والنصراني تلبسوا بقضية التشبيه والتمثيل، فما تسمعونهم من ابن كلاب في رده علينا، هم معطلة، وهو يثبت الصفات، في وجه من الوجوب، يثبت الصفات. فيقولون: ما أنت إلا ابن كلاب، ما هي إلا دسيسة نصرانية، أنت مشبه. فأتوا بهذه القصة المكذوبة عليه، على ابن كلاب. وقد أشار ابن الذهبي كذلك إلى هذه القصة، وقال: «هذه باطلة»، أي قصة أن له أخت نصرانية، وأنه قال: «إنما أسلمت لكي أفسد على الناس». ما يقال: هذا كذب، والحق يقال: أنها مفتراة على ابن كلاب. نأتي الآن: ما هي الاعتقادات التي أتى بها ابن كلاب؟ أننا سمعنا أن ابن كلاب يرد على المعتزلة، يرد على الجهمية، هؤلاء نفوا الصفات، وهو يقول بإثبات الصفات، طب أيش وجه الإشكال؟ ولماذا نقول: ابن كلاب مبتدع؟ ولماذا نقول: ابن كلاب له فرقة؟ فما هي الفرقة التي خالط بها في السنة؟ هذا المحقق، إخواني في الله، الذي ينبغي أن نفهم. من أعظم البدع التي أتى بها ابن كلاب أنه يرى أن كلام الله هو الكلام النفسي، وأن كلام الله ليس بحرف ولا صوت. كلام الله، والكلام النفسي، ليس بحرف ولا صوت. وما نجده الآن، وهو القرآن، هذا الذي بين أيدينا، ليس هو كلام الله، وإنما عبارة عن كلام الله، عبارة عن كلام الله، أو حكاية عنه، ليس هو كلام الله. الله ما تكلم بهذا. هذا من بدع ابن كلاب في مسألة القرآن. ويقول أيضًا، من بدعه، بإثبات الصفات، يثبت الصفات، ولهذا خالف المعتزلة والجهمية في هذا المبدأ، لكنه بالمقابل ينكر الصفات الفعلية، الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله، هذه ينكرها، لا يثبتها لله سبحانه وتعالى. فليس عنده ما يوصف به الله بمشيئته: بأن الله يتكلم كيف شاء، ينزل كيف شاء، لا، يلغي هذه الصفات الفعلية. ما في أشياء، صفات متعلقة بمشيئته سبحانه وتعالى. ومن خلال هذه العبارات، إخواني في الله، من خلال البدع التي أتى بها ابن كلاب، تجد أن الرجل يسعى إلى أن يأتي لنا بمنهج ملفق، يجمع بين أهل السنة وبين المعتزلة، بين أهل السنة وبين المعتزلة. تخيّل في باب القرآن: أتى بمنهج وسط، هؤلاء يقولون: مخلوق، وهؤلاء يقول: لا، ليس بمخلوق، كلام الله، وكلام الحقيقي ليس بمخلوق، بحرف وصوت. وأتى بوسط، قال: لا نقول هكذا، ولا هكذا، هو كلام الله نفسي، ثم خلقه الله، فوافق على أن صفة من صفات الله، لكن صفة ذاتية، وأما صفة فعلية لا، فوافق أهل السنة، ووافق المبتدعة في مسألة صفات الله. بالمثل أتى بمنهج وسط، وافق أهل السنة بإثبات أصل الصفات، ووافق المبتدعة بإلغاء صفات الفعلية. وهذا المنهج من أين أتى به ابن كلاب؟ أتى به من الكرابيسي، مر معنا بالأمس الكرابيسي، كيف أنه أتى بمسألة اللفظ، ومسألة اللفظ هذه دسيسة أتى بها الكرابيسي وسطًا لهم، من قول المعتزلة، ولا من قول أهل السنة. ولهذا حذر منه العلماء: كن واضحًا معنا، لا تأتي بهذه المغمغمة، لفظي بالقرآن مخلوق، تجعل الناس في شك: مخلوق لغير مخلوق، واضح. فلما أتى الكرابيسي من أتى بهذا؟ كان محل نقمة العلماء عليه. من الذي تربى تحت يد الكرابيسي؟ ابن كلاب. فائدة: قال ابن عبد البر رحمه الله: «وتابعه على نحلته جعد بن علي الأصبهاني، وعبد الله بن سعيد ابن كلاب». فابن كلاب من تلاميذ الكرابيسي، وممن لازم الكرابيسي، فأخذ منه ما يتعلق بالتلفيق، بالتلفيق بين المناهج. وكان ما سمعنا من هذه البدع التي أتى بها من البدع الملفقة. ومن هنا حذر العلماء من ابن كلاب، بغض النظر عن دفاعه، يناظر، يجالس، لكن على أصول مبتدعة، فحذر منه العلماء. ومن من حذر منه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فقد ذكر الحاكم في تاريخه: «أن أحمد بن حنبل كان من أشد الناس على عبد الله بن سعيد وأصحابه، من أشد الناس تحذيرًا منه مما أتى به». لكن هذا ما ينفع، لأن الأصول بدعية. وهكذا ما كان علي بن خزيمة رحمه الله تعالى، قال ابن خزيمة، كما في السير: «ومن نظر في كتبي بان له أن الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكونه عني، كذبة فيما يحكونه عني». وهكذا سائر العلماء حذروا من ابن كلاب، حتى قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وأول من عرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام المعنى فقط هو عبد الله بن سعيد بن كلاب». قال: «وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل». أي بعد الفتنة ظهر وظهرت هذه المسألة الغريبة في الكلام على كتاب الله، وعلى كلام الله جل وعلا. ثم قال شيخ الإسلام: «وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل، وقد أنكر ذلك علماء السنة». وهذا الشاهد أن علماء السنة قابلوا بدعة ابن كلاب بالتحذير. أما ما يتعلق بوفاته، قال ابن الذهبي رحمه الله تعالى: «ولم أقع بوفاة ابن كلاب»، أي ما عندي خبر حول كيفية ما يتعلق بوفاته، أو ما يتعلق بطريقة موته. فهذا، إخواني في الله، خلاصة ما يذكر من هذه الفترة التي ظهرت فيها هاتين الفرقتين من الفرق الإسلامية: فرقة الكرامية، وفرقة الكلابية. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.