تفسير آيات الصيام 5

تفسير آيات الصيام 5

الدرس في تفسير آيات الصيام 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تفسير آية إكمال العدة والتكبير والشكر في الصيام

يشرح المقطع قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، مبيناً أن إكمال العدة يكون بقضاء ما فُوّت من رمضان، وأن التكبير مشروع عند انقضاء الصيام اقتداءً ببقية العبادات، مستدلاً بقول الإمام الشافعي، ويختم ببيان أن الشكر واجب على التوفيق لإتمام العبادة كما في حديث الفرحة بالفطر.

معاني الشكر على إتمام الصيام وحكمة ورود آية الدعاء وسط آيات الصيام

يستعرض المقطع معاني الشكر الواجبة على المسلم لإتمام صيام رمضان، منها يسر الشريعة وتخفيفها، وقصر الصيام على النهار وشهر واحد، وإبقاء الله العبد حياً ليشهد الشهر بينما مات غيره، كما يوضح سبب ورود آية الدعاء (﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾) متخللة آيات الصيام، مستنداً إلى تفسير ابن كثير بأنها حث على الإكثار من الدعاء عند إكمال العدة وعند كل فطر، مدعوماً بأحاديث في استجابة دعوة الصائم.

فضل دعاء الصائم ونية العبادة في الدعاء

يبيّن المقطع أن دعاء الصائم مستجاب طوال وقت صيامه لا عند فطره فقط، وأن الحكمة في الإكثار من الدعاء في رمضان كونه شهر الإجابة، كما يؤكد أن الدعاء عبادة بحد ذاتها، وينبغي للمسلم أن يقصد به التقرب إلى الله أولاً ثم طلب الحاجة، فإن لم يستجب في الدنيا ادخر له في الآخرة أو صرف عنه شراً مثله.

خاتمة الدرس: أهمية الدعاء ووسائله

يختتم المتحدث الجلسة مؤكداً أن المقاصد الجليلة والوسائل الجميلة المذكورة تعين العبد على التقرب إلى الله بالدعاء والإكثار منه، ثم يعلن انتهاء الدرس لهذا اليوم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فوقفنا في شرح آيات الصيام عند قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾، أي: إنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم؛ لأنه ذكر هذا بعد قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. ومعنى ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾: يعني تكملوا عدة شهركم؛ لأن من أفطر في رمضان فقد أنقص من صيام الشهر، فمتى يكمل صيام الشهر؟ إذا قضى ما عليه، إذا قضى ما عليه من أيام أفطرها في رمضان، فهذا معنى قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾. وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾، أي: ولتذكروا الله عند انقضاء صيامكم. والله سبحانه وتعالى قد ذكر في كثير من العبادات، أو قد ذكر العباد في كثير من العبادات عند انقضائها بذكره وعدم الغفلة عن ذكره. ففي الصيام قال: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾، أي: لتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم وصيامكم. وقال بعد الانتهاء من الصلاة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في الصلاة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ولذلك كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهائه من صلاته التسبيح والتحميد والتكبير، وهذا لا شك أنه من ذكر الله سبحانه وتعالى. وقال عز وجل في عبادة الحج وهو يذكر عباده بعد أن يفرغوا منها أن يكثروا من ذكره ولا يغفلوا عنه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾. فقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾، أي: ولتذكروا الله على ما هداكم. واستدل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بهذه الآية على مشروعية وسنية التكبير بعد انقضاء عدة رمضان، وذلك بقروب شمس آخر يوم منه، أي من رمضان. فإذا غابت شمس آخر يوم من رمضان استحب بعض أهل العلم، ومنهم الإمام الشافعي، التكبير استدلالاً بهذه الآية. وأما ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في التكبير بعد انقضاء رمضان عند خروجه إلى المصلى، عند خروجه إلى المصلى، فهذا مما فيه كذلك معنى ذكر الله سبحانه وتعالى بعد انقضاء هذه العبادة. وأما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فلماذا ذكر الشكر وختم هذه الآية بالشكر؟ لأن من أكمل عدة رمضان ووفق لأداء هذه العبادة، فلا شك أن هذه نعمة عظيمة أنعم الله عز وجل بها عليه، فهي تستحق الشكر. فيفرح المسلم بتوفيق الله عز وجل له بإتمام وإكمال العبادة. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره». فطر هذا يشمل اليوم ويشمل الشهر. فإذا وفقت لصيام يوم ثم أفطرت، جاء وقت الإفطار وأفطرت، فهنا تغمرك الفرحة؛ لأنك وفقت لأداء صيام هذا اليوم. كذلك من انتهى من صيام الشهر فأفطر في آخر يوم منه، لا شك أن هذا سيفرح بفطره؛ لأن الله عز وجل وفقه لصيام الشهر بأكمله، لصيام الشهر بأكمله. فتستحق هذه النعمة إلى شكر. كذلك من معاني الشكر في هذه الآية: أن الله عز وجل يسر لنا هذه العبادة ولم يجعلها شاقة علينا. فمن يسر الشريعة التخفيف في هذه العبادة، وهذا التخفيف في هذه العبادة والتيسير فيها يحتاج منا إلى شكر. ما جعل الله الصيام يوماً كاملاً، جعله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، هذا يحتاج منا إلى شكر. كذلك ما جعل الله عز وجل الصيام شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، جعله شهراً واحداً، هذا يحتاج منا إلى شكر. من معاني الشكر أيضاً: أن الله عز وجل أبقاك حياً تتمتع بهذه العبادة وتدرك هذا الشهر، هذا نعمة تحتاج منك إلى شكر. وإلا كم من أناس كانوا معنا في السنة الماضية في شهر رمضان، كانوا معنا يصلون ويصومون ويقرؤون القرآن ويتعبدون لله عز وجل، فباغتهم الأجل ونزل بهم الموت، فأصبحوا مرهونين بأعمالهم في قبورهم، وأنت أبقاك الله عز وجل إلى هذه الساعة أو إلى إتمام صيامك، فهذه نعمة، فإذا هذه النعمة تحتاج منك إلى ماذا؟ تحتاج منك إلى شكر. كم كنت تعرف ممن صام في سلف من بين أهل وجيران وإخوان، أفناهم الموت، استبقاك بعدهم حياً، فما أقرب القاصي من الداني. فإذا هذا أيضاً معنى من معاني شكر الله سبحانه وتعالى، واختتام هذه الآية بالأمر بالشكر: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. فهذه نعمة عظيمة. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. ثم قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾. هنا سؤال: لماذا جيء بآية الدعاء متخللة بين آيات الصيام؟ متخللة يعني متوسطة بين آيات الصيام. هذه الآية سبقها آيات الصيام وتلاها كذلك آية الصيام، فما هو السر في ذلك؟ يجيب الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله على هذا السؤال في تفسيره، فقال الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله: "وفي ذكره تعالى هذه الآية، أي: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾، هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر". ثم ذكر حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وجاء أيضاً من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث دعوات لا ترد، لا ترد»، وذكر منها: «دعوة الصائم حتى يفطر، دعوة الصائم حتى يفطر». وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما، ويحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. ومعنى الحديث: أن الصائم من أول صيامه إلى أن ينتهي من صيامه فله دعوة مستجابة، كون حاله صائماً له دعوة مستجابة. لأن ظاهر الحديث يبين، وقد سئل العلامة ابن باز عليه رحمة الله على دعوة الصائم في مثل هذا الحديث، فأجاب بنحو ما ذكرنا. وأما رواية: «عند فطره»، فهذا انتقدها جماعة من المحدثين، ومنهم العلامة الوادعي رحمه الله تعالى، فلا تصح هذه الزيادة، وإنما يقال: أن الصائم له دعوة طالما أنه صائم. نعم، قد يقال: قد يقال إن في آخر وقت صيامه لربما يكون الدعاء أحرى بالإجابة، لماذا؟ لأنه في حالة تذلل، وفي حالة انكسار، وفي حالة انتهى من هذه العبادة التي لربما شعر بشيء من الجهد أو من التعب أو من كذلك ألم الجوع أو نحو ذلك، ففي هذه الحال لا شك أن الصائم يكون أخشع ويكون كذلك أقرب إلى الله سبحانه وتعالى. لكن الصائم له دعوة في جميع وقت صيامه، في جميع وقت صيامه، لظاهر هذا الحديث: «والصائم حتى يفطر، حتى يفطر»، يعني من أول صيامه إلى أن يفطر فله دعوة مستجابة. ولذلك يكثر الصائم، كون حاله صائماً، من الدعاء؛ فإنه وقت إجابة. ثلاث دعوات لا ترد: ذكر دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر، ودعوة المسافر. فهذا هو السر في ذكر هذه الآية متخللة بين آيات الصيام. فشهر رمضان شهر الدعاء، فيكثر المسلم من دعاء الله سبحانه وتعالى. ولا ينبغي للداعي أن يقتصر في دعائه على حصول مطلوبه فحسب، بل يجعل هذا الدعاء للأمرين: للعبادة ولحصول مطلوبه، يجمع بين الأمرين. كثير من الناس غرضه وقصده من الدعاء هو ماذا؟ هو أن يحقق الله عز وجل له مطلوبه، وهذا أمر طيب. لكن اعلم أن الدعاء هو عبادة، كونك تدعو فأنت في عبادة. ثم استجاب الله لك، لم يستجب الله لك، فلن تخيب ولن كذلك تحرم من خير الدعاء. قال عليه الصلاة والسلام: «ما من مسلم يدعو بدعوة إلا أعطاه الله عز وجل بها إحدى ثلاث: إما أن يستجيب لدعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها». فأنت لن تعدم من فضلي وخير الدعاء. ومع هذا فإن الدعاء كذلك عبادة، مثل: أنت الآن تقوم تصلي تتعبد لله عز وجل، فكونك ترفع يديك أو تدعو الله عز وجل فأنت في عبادة، فأنت في عبادة تؤجر على مجرد دعائك، على مجرد دعائك. ولذلك قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: قال: "من كان قصده، من كان قصده في دعائه التقرب إلى الله بالدعاء، التقرب إلى الله يعني العبادة، التقرب إلى الله بالدعاء وحصول مطلوبه، فهو أكمل بكثير، فهو أكمل بكثير ممن، ممن لا يقصد إلا حصول مطلوبه فقط، كحال أكثر الناس". وهذا من معاني مقاصد، وهذا من مقاصد، وهذا من المقاصد الجليلة والوسائل الجميلة. ذكر هذا في الفتاوى السعدية. فانظروا إلى هذا الكلام الذي يبين فيه الشيخ العلامة السعدي رحمه الله أنه ينبغي للداعي أن ينوي أولاً ويقصد أولاً بدعائه التقرب إلى الله سبحانه وتعالى وعبادة الله عز وجل، ثم إن هذا الملحظ وهذا القصد يجعلك تكثر من الدعاء، كونك تقصد من دعائك التقرب إلى الله، فأنت تحب دائماً أن تتقرب إلى الله، فهذا يحثك على الإكثار من الدعاء، يحثك على الإكثار من الدعاء. فهذه كما ذكر من المقاصد الجليلة والوسائل الجميلة التي تعين العبد على التقرب إلى الله عز وجل بالدعاء، وعلى الإكثار أيضاً من الدعاء. طيب، نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.