كتاب البيوع 33

الدرس في كتاب البيوع 33، ألقاها

مسألة الأصناف الربوية ومدى حصرها

بحث في مسألة الأصناف الربوية وهل هي محصورة في الستة الأصناف المذكورة في حديث عبادة بن الصامت. الجمهور يرى أن الأصناف الربوية ليست محصورة في الستة المذكورة بل تتعداها إلى غيرها بناءً على العلة المستنبطة من هذه الأصناف.

أقوال العلماء في تحديد علة الربا

ذكر أقوال العلماء في تحديد علة الربا، حيث اختلفوا في ذلك إلى ثلاثة أقوال: الأول أن الربا يجري في كل مكيل أو موزون، والثاني أن الربا يجري في كل مطعوم، والثالث أن الربا يجري في كل قوت مدخر.

تتمة الكلام عن علة الربا وآراء الفقهاء

تناول آراء الفقهاء في العلة التي تجعل الربا محرمًا في بعض السلع، وناقش أقوال سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم، وخلص إلى أن القول الأقوى هو البقاء على النصوص دون إلحاق غيرها بها إلا بدليل واضح.

خاتمة و تمنيات بالتوفيق

يختم المتحدث كلامه ويتمنى التوفيق من الله، ويصلي على النبي وآله وصحبه، ويشير إلى أنه سيتطرق إلى مسائل متعلقة في وقت لاحق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فكنا قد بدأنا في بحث المسألة منذ قبل أمس في مسألة الأصناف الربوية، وهل هي محصورة في الستة الأصناف التي جاءت في حديث عبادة، أم أنها متعدية إلى غيرها من الأصناف. ثم رأيت الشيخ، شيخنا عبد الرحمن العدن، حفظه الله تعالى، قد جمع فيها جمعًا طيبًا، فقلنا نقصر الجهد، ولا سيما مع ضيق الوقت، فنقرأ ما ذكره من بحث، ولعل الله عز وجل أن يسر في وقت آخر أن يبحث الإنسان هذه المسألة بحثًا مستقلًا. وهو في صراحة قد جمع جمعًا طيبًا في هذا المبحث، فنقرأ ما ذكره في ملزمتي في البيوع. قال حفظه الله تعالى: مسألة قياس غير الستة الأصناف الربوية عليها، يعني هذه المسألة يمكن أن يعبر عنها بأنها أصل مسائل الربا، وعليها تتفرع مسائل الربا. وهذه المسألة أصلها يعني جاء في حديث عبادة بن الصامت، والذي مر معنا في دروس مضت، بأنه أجمع حديث في باب الربا، كما نص على ذلك غير واحد من الأئمة، كالإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في المغني، وغيره من الأئمة. والحديث فيه قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، وزنا بوزن، يدا بيد. فإن اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد». والحديث رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى. وهذا الحديث كما ذكر غير واحد من الأئمة، كالإمام ابن قدامة، وكالإمام النووي، وغيرهم من الأئمة، أن هذه الأنواع الستة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت، مجمع عليها، من أنها من الأصناف الربوية، فحكمها من أنها أصناف ربوية ثبت بالنص والإجماع. ثم اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذه المسألة، هل هذه الأصناف محصورة مقصورة على ما جاء في هذا الحديث، أم أنها متعدية إلى غيرها؟ لما تضمنت هذه الأصناف من العلل من حيث الجملة. في المسألة قولان: القول الأول قول الظاهرية، والقول الثاني قول الجمهور. الظاهرية ذهبوا إلى أن هذا القول محصور مقصور على الأصناف الستة، لا يتعداه إلى غيرها. وقد سبق الظاهرية إلى هذا القول طائفة من السلف، فقد حكي هذا القول عن قتادة، وعن طاووس، وعن عثمان البتي، وعن مسروق، والشعبي، وعن غيرهم من أئمة التابعين، أنهم قالوا بهذا القول. فهذا القول هؤلاء يقولون بماذا؟ بأن الحكم في الربا باعتبار التفاضل أو باعتبار النساء على ما جاء في هذه الأحاديث، على ما جاء في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه. وذهب الجمهور إلى أن هذا الحديث وما كان في معناه إنما فيه ذكر هذه الأصناف الستة، وفيه إشارة وإيماء إلى غيرها من أصناف التي كانت مماثلة لها. ثم إن هؤلاء اختلفوا في العلة المستنبطة من هذه الأصناف، ما هي؟ حتى يدور الحكم عليها، حتى يدور الحكم معها. فالحاصل أن أهل الظاهر وقفوا على أصلهم، بأن الأحكام لا تعلل، والأصل بقاء البقاء على الظاهر. والجمهور ذهبوا إلى أن هذا الحديث كغيره من الأحاديث، من أنهم معلل، وإذا كان معللًا أي له علة، فالعلة يدور معها حكمها وجودًا وعدمًا. ولكن الجمهور اختلفوا في هذه العلة. قال حفظه الله تعالى: مسألة قياس غير الستة الأصناف الربوية عليها، قال: هل يجري الربا في الأصناف الستة منصوص عليها فقط، أم يقاس عليها غيرها إذا عرفنا علة الربا في الأصناف الستة؟ قال: ذكر الأقوال إجمالًا. قال: الأول قول الظاهرية عدم الإلحاق، وهو قول طائفة سيأتي ذكرهم. القول الثاني قول جمهور على الإشارة والتعدي إلى ما يشارك هذه الأمور في العلة. قال: وقد اختلف الجمهور في تحديد العلة، وبناء عليه اختلف في تحديد الأصناف الرباوية. فمن قال أن العلة كذا، أتى بأشياء، وقال: هذه الأصناف الرباوية عندنا. قال: ولعل السائد عند طلبة العلم هنا، بل في اليمن، أن الربا يجري في الأصناف الستة فقط. يعني يذكر الشيخ حفظه الله تعالى على ما يجري عليه أهل اليمن، الغالب فيهم أنهم يسيرون على هذا القول، وهذا القول في الأصناف الستة فقط. وهذا القول نعم في زمننا هذا، لأن هذا القول يعني القول الذي تبناه شيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى، وقبله الإمام الصنعاني، أو قبل قبله الإمام الشوكاني، وقبله كذلك الإمام الصنعاني، فهو قول المحققين من علماء اليمن. قال حفظه الله تعالى: الأقوال في تحديد العلة، أي أن العلماء كما سمعتم الجمهور، بعد أن اتفق الجمهور على أن حديث عبادة ليس مقصورًا على الأصناف الستة، بل إنهم يتعدون إلى غيره مما شاركوا في العلة، يختلف الجمهور ما هي هذه العلة؟ ما هي هذه العلة التي إذا وجدت في صنف ما، قيل بأنه ماذا؟ قيل بأنه صنف ربوي. قال: فمنهم من قال بأن الربا يجري في كل مكيل أو موزون، سواء كان مطعومًا كالحبوب والسكر والأدهان، أو لم يكن مطعومًا كالحديد والصفر والنحاس والأشنان. وما ليس بمكيل ولا موزون، فلا يجري فيه الربا، كالفواكه لأنها معدودة. هذا هو القول الأول. وقالوا: العلة يعني هذا هو القول الأول، قال: الوزن في النقدين، والكيل في الحبوب والتمر والملح. يعني ذكروا أن العلة في النقدين الوزن، وفي الكيل يعني والكيل في الحبوب والتمر والملح. ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:279]. قال: وعلى هذا القول، فلا يجوز أن يباع الحديد بالحديد متفاضلًا، وغير ذلك مما يوزن أو يكال. ويجوز عندهم مثلًا بيع القلم بقلمين، لأنها ليست بمكيلة ولا موزونة، وإنما هي معدودة. هذا أول قول من أقوال الجمهور. ثم قال: القول الثاني قول الشافعي في الجديد، وعزاه النووي إلى أحمد بن حنبل، وابن المنذر، وغيرهما، أن الربا يجري في كل مطعوم، وهو المأكول والمشروب، وفي كل ما كان ثمنًا للأشياء. سواء كان هذا المطعوم مما يكال أو يوزن، أو لم يكن، فلا يجوز على قولهم بيع البرتقال بالبرتقالتين، لأنه من المطعوم. وكذلك لا يجوز بيع الموزة بالموزتين، أو كوب العصير بالكوبين، أو بيع اللحم باللحم متفاضلًا. ويجوز عندهم بيع الحديد بالحديد متفاضلًا، وغير ذلك مما ليس بمطعوم. قال: واستدلوا لهذا القول بحديث معمر بن عبد الله: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل». قالوا: إذن العلة ما هي؟ أن يكون طعامًا، أي أن يكون مطعومًا. قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير. وقالوا: الطعام يطلق على كل مأكول أو مشروب. واستدل لذلك بقول الله عز وجل: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:93]، وقالوا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس:24]، وقالوا: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:5]. قال: واستدلوا كذلك بحديث عائشة: «ما كان لنا طعام إلا الأسودان: التمر والماء». وكذلك بحديث أبي ذر في مسلم في قصة إسلامه، لما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلس حول زمزم، وجعل يشرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان يطعمك؟» قال: «ليس لي طعام إلا زمزم». قال: فكذلك بحديث أبي ذر في مسلم. قال: فالحاصل كما هو واضح، أن هؤلاء الشافعية ومن ذهب إلى قولهم، يجعلون العلة في الربا أن يكون مطعومًا، وما كان ذا ثمن. فهم نظروا إلى الأصناف الستة، فذهبوا إلى أن العلة في الذهب والفضة الثمنية، وفي غيرها من أصناف الستة الطعم. قال: القول الثالث من أقوال الجمهور قول مالك، قال: ورجحه ابن القيم، أن الربا يجري في كل قوت مدخر، وفي كل قوت مدخر. والمقصود بالمدخر كما في الحاشية: هو الذي ييبس ويخزن، مثل التمر، ييبس ويدخر، الذرة، الحبوب ما شابه ذلك. قالوا: المقصود بالقوت الذي يأكله الناس، يعني قال: المقصود بالقوت الذي يأكله الناس دائمًا على سبيل التقوت، لا على سبيل التحلي والتفكه. قال: ولا يدخل في ذلك الفواكه، لأنها تؤكل على سبيل التفكه، ما هي قوت، وإنما التفكه. قال: ورد عليهم يعني رد على هذا القول، قال: بمثل الملح، يعني الملح الآن يأتي إشكال، يقول لهم: الملح ليس من القوت، فماذا تجيبون عن هذا؟ قال: فقيل لهم: هل الملح قوت مدخل؟ قالوا: هو ليس بقوت، ولكن يصنع به القوت. قال: فهذه الأشياء وإن كان إنسان قد يأكلها نادرًا لاضطرار أو حاجة، فلا يجري فيها الربا، لأنها ليست بمطعوم في الغالب. قال: القول الرابع قول سفيان الثوري، والشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وهذا هو القول الثالث كما سمعتم عن أحمد، هو القول الثالث في مذهب الشافعي. واختيار جماعة من المحققين الحنابلة، منهم الموفق ابن قدامة، وصاحب الشرع الكبير، والشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة الحنابلة الموجودين اليوم المجتهدين منهم ابن باز، وابن عثيمين، وللجنة الدائمة، وغيرهم. قالوا: أن الربا يجري في كل مطعوم يكال أو يوزن، في كل مطعوم يكال أو يوزن. يعني الآن زادوا ماذا إلى جانب الكيل والوزن؟ زادوا الطعم، يعني أن يكون مطعومًا مكيلًا أو موزونًا. قالوا: فما لا يؤكل ولا يشرب، لا يجري فيه الربا. وهذا مثل قول الشافعية الأول، واضحة. أو قول مالك أقرب كذلك. قال: وكذلك ما كان يؤكل ويشرب، لكنه ليس بمكيل ولا موزون، فإنه لا يجري فيه الربا أيضًا، كالسفرجل، والبطيخ، والرمان، والبيض، والجوز، والبقول، وخضروات. وعلى هذا القول، فلا يجري الربا في الرصاص، والحديد، والأقلام، والدفاتر، وغيرها، لأنها ليست مطعومة. وهذا القول إنما هو في مسألة المأكولات، أما النقدان فلا تعرض لهذا القول فيهما. قال: وبقيت هناك أقوال أخرى، منها قول الزهري، وجماعة، أن العلة اشتراك في اللون والطعم. وهذا كما يقال علة عليلة. قال: القول السادس قول الربيع بن أبي عبد الرحمن، أن العلة هي وجوب الزكاة. أي ما كان في الزكاة، يعني قالوا: فما وجبت في الزكاة، فهو ربوي، وما لا فلا. قال: وقال الصنعاني: وقد أنف في ذلك رسالة أسماها «القول المجتبى». قال: وعزاه الصنعاني إلى اختيار جماعة من المحققين. قال: وهو ظاهر بحث الشوكاني رحمه الله عليه في كتاب «السيل الجرار»، أن الربا لا يجري إلا في الأصناف الستة، ولا يلحق بها غيرها. قال: ودليلهم البقاء على الأصل، الأصل الحل، الله عز وجل أحل الله البيع، وحرم الربا. قال: لأن الأصل في المعاملات الحل، فلا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل. قالوا: وعلل القوم، أي التي علل بها الجمهور، ليست منصوصًا عليها، لا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكذلك ليست مجمعًا عليها، ليس مجمعًا عليها، بل كما ترون الجمهور كل واحد له قول. قال: وهذا القول من حيث القوة قول قوي، وهو ترجيح شيخنا مقبل رحمه الله عليه. قال: الكلام الذي تقدم كله هو في الأصناف المأكولة والمشروبة. وسنتعرض الآن إلى النقدين، لأنه يترتب على معرفة ما في النقدين، هذه الأوراق النقدية الموجودة عندنا، هل يلحق بالنقدين الذهب والفضة؟ هل يلحق بالنقدين أي الذهب والفضة غيرهما من أشياء أم لا؟ قال: الجمهور على أن العلة في النقدين الثمنية، الجمهور على أن العلة في النقدين الثمنية، أي أنها ثمن ثمن الأشياء. والحنفية هو المشهور عند الحنابلة، على أن العلة الوزن. قالوا: فكل موزون يلحق بالنقدين، سواء كان حاسًا أو صفرًا أو غير ذلك. قال: ويرد عليهم بإجمال العلماء على جواز السلام في الموزونات. قال: ولو كانت الموزونات ربوية، ما جازت السلام فيها. كما تقدم معنا من شروط السلام، يعني الشرط الأول فيه شروط السلام، الذي مرة معنا، أن يكون ماذا؟ أن يكون الثمن والمثمن ليس من أصناف ربوية، ليس من أصناف ربوية التي يدخلها ماذا؟ التي يحرم فيها النساء، التي يحرم فيها النساء. قال: فهذا ناقض لقول الحنفية. قال: نقتصر الكلام، ذكر مثال السلام. قال: كلام الصنعاني في ترجيح قول الظاهرية. قال: بعد أن رجح هذا القول، أي الصنعاني، قال: لعدم العموم في النص، وفقد التعليل، القاضي بالإلحاق. قال: والأصل عدم الإلحاق بالمنصوص، حتى يقوم الدليل عليه. قال: وقال الشوكاني: وقد تقدم أن ظاهر بحثه في «الوبل الغمام» يميل إلى قول الظاهرية. قال: ولكن لعل الشوكاني اضطرب في هذه المسألة، كثرة الفتاوى التي كان يفتي بها، وكثرة مذاكراته مع طلابه. قال: ليس على هذه الأقوال حجة نيرة، أي الأقوى بالتعليل، إنما هي مجرد تظننات وتخمينات. قال: فما أحسن البقاء مع النص، ولا سيما مع خفاء العلة، كما هو الشأن في هذا الحديث. والله جل وعلا يوم القيامة يسأل العباد: ﴿يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:65]. فمن وقف حيث وقف به الدليل، بإذن الله جل وعلا يوفقه الخير. قال: فهذا هو الظاهر في هذه المسألة التي ترونها. والله تعالى أعلى وأعلم. وغدًا بإذن الله جل وعلا نذكر كذلك بعض المسائل المتعلقة بهذا. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا لما يحب ويرضى. وصلى الله وبرك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على