كتاب الحج 16

الدرس في كتاب الحج 16، ألقاها

أحكام المبيت ورمي الجمرات في منى

يشرح هذا الفصل أحكام المبيت في منى ورمي الجمرات بعد التحلل، ويبين واجب المبيت بمنى على الحاج وشروط ووقت رمي الجمرات.

تفاصيل رمي الجمرات في أيام منى

يتناول هذا الفصل تفاصيل رمي الجمرات في الحج، بما في ذلك وقت الرمي وعدد الحصيات وشروطها، ويشرح أحكام رمي جمرة العقبة والجمرات الأخرى.

أحكام طواف الوداع واستثناءات الحائض والنفساء

يتحدث هذا الفصل عن أحكام طواف الوداع، ويبين وجوب طواف الوداع قبل الرجوع إلى البلد، ويستثني الحائض والنفساء، مع بيان الفروق بين القارن والمتمتع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الحج منه: باب ما يفعله بعد التحلل، أي مدخل للكلام على المسائل المتعلقة بما يفعله الحاج بعد التحلل. قال رحمه الله تعالى: ثم يرجع إلى منى، أي بعد أن يفيض إلى مكة فيطوف بالبيت سبعًا، وبين الصفا والمروة إن كان متمتعًا أو كان قارنًا أو مفردًا ولم يطف -أي لم يطف بين الصفا والمروة-. قال: ثم يرجع إلى منى، ولا يبيت لياليها إلا بها، أي ليالي رمي الجمرات، فإن الحاج لا يبيت ليالي منى إلا بها، وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء، وهو الذي عليه جماهير الفقهاء، وهو أن المبيت بمنى واجب. يدل عليه أولًا ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة في ليالي منى لأجل سقايته، فقال: فترخيصه صلى الله عليه وسلم للعباس يدل على أن غيره لا يرخص له، فيعزم على غيره بأن يبيت في منى، وهذا يدل على الوجوب. ويدل عليه كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بات في أيام منى في منى، كما جاء في حديث جابر بن عبد الله الطويل عند مسلم وغيره، مع قوله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني مناسككم"، و رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خذوا عني مناسككم"، وبيان الواجب واجب. فدلت هذه الأدلة على أن المبيت بمنى في أيام منى واجب على الحاج، إلا أن كان من أهل الأعذار أو كان من أهل الأعمال التي تحتاج إلى أن يكون صاحبها في خارج منى، كأن يكون طبيبًا يحتاجه الناس في المستشفيات، أو أن يكون عاملًا في مثل مصلحة المرور، فيحتاج إليه في ترتيب الطرقات، أو كان عاملًا في الكهرباء، يحتاج إليه في ذلك، إلى غير ذلك من الحاجات. فالعلماء رحمهم الله تعالى استدلوا بترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للعباس لأجل سقاية الحاج بأن أصحاب الوظائف العامة التي يحتاج إليها الناس ولا تقوم إلا بأولئك الأشخاص، فإن هؤلاء يرخص لهم كما رخص النبي صلى الله عليه وسلم للعباس، والعلة المصلحة العامة مقدمة. قال رحمه الله تعالى: ثم يرجع إلى منى، ولا يبيت لياليها إلا بها، أي إلا بمنى، والمعتبر عند الفقهاء رحمهم الله تعالى: متى أو ما هي المدة التي إذا بات فيها الحاج سمي بأنه قد بات وحصل منه الواجب؟ بمعنى: هل للحاج أن يكون في نهاره من خارج منى، يعني إنسان مثلًا رمى الجمرات مثلًا ظهرًا، بعد أن رماها طاف وفرغ من طوافه بعد الظهر، هل لو أنه بقي في مكة إلى المغرب إلى العشاء، أم يجب عليه أن ينطلق مباشرة إلى منى فيبقى في منى الأيام الثلاثة؟ الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى: أن المعتبر في المبيت في منى هو المبيت، بمعنى أنه لو بقي في النهار في مكة ورجع في مبيته إلى منى فبات في منى، فإنه قد فعل المطلوب. يعني إنسان مثلًا عنده عمل في مكة، عنده تجارة، عنده بعض الأشغال، أراد أن يزور بعض الناس، بعض العلماء أو ما شابه ذلك، فذهب في النهار، بل دخل المغرب والعشاء وهو كذلك في مكة، ثم انطلق بعد ذلك إلى منى فبات فيها، هل فعل المطلوب أم لا؟ الجواب: نعم، أنه فعل المطلوب. وبعض أهل العلم حدد المطلوب بثلث الليل بأن يبيت ثلث الليل، والأقرب والله أعلى وأعلم: أن ذلك يرجع إلى لفظ المبيت ومعناه. فأقل ما يسمى فيه بقاء الإنسان في منى مبيتًا، فإنه يكون مبيتًا ويكون بذلك قد فعل المطلوب. طيب تأتي مسألة أخرى، وهي: لو أن إنسانًا في أيام منى ما بات -يعني ما بات بمعنى النوم- لأن البيتوتة كما يقول فقهاء وأهل اللغة: هي ليل أو هي نوم، هي نوم الليل. لو أن إنسانًا لم ينم، بقي يتذاكر العلم، يتلو كتاب الله، يصلي في ليالي منى حتى أصبح، ثم انطلق في الصباح إلى بعض الأعمال وبعض الأمور، ثم رجع في الليلة الثانية وفعل كذلك، هل يكون ذلك فعل المطلوب أم لا؟ الجواب: كذلك أنه فعل المطلوب. إذ العبرة بأن يبقى في ليالي منى في منى، ومثل هذا يقال فيه: بأنه بات قائمًا أو قام، أو بات قارئًا للقرآن أو ما شابه ذلك، فالحاصل: أنه حصل منه معنى البيتوتة، وسقط عنه الحرج في ذلك، وفعل المطلوب. قال رحمه الله تعالى: فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها، كل جمرة بسبع حصيات، فيبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة ويرميها بسبع كما رمى جمرة العقبة، ثم يتقدم قليلًا فيقف يدعو الله تعالى، ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك، ثم يرمي جمرة العقبة، ولا يقف عندها. طيب هذا اليوم الأول من أيام منى، وهو اليوم الحادي عشر، ماذا يفعل؟ يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها، إذن عمل أو الأعمال في أيامنا هي رمي الجمرات الثلاث. وتحت هذا المبحث مسائل، أولها: ما هو أول وقت رمي الجمرات؟ يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: بعد الزوال من أيامها، أي بعد زوال الشمس، وهذا هو الصحيح والذي عليه جماهير الفقهاء. يدل عليه ما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه قال: وهو يصف رمي النبي صلى الله عليه وسلم للجمرات، قال: "فرمى جمرة العقبة ضحى"، ورمى بعد ذلك بقيت الجمرات بعد الزوال. فدل ذلك على أن جمرة العقبة -وهي التي ترمى في اليوم الأول- أن وقتها من الضحى، بل كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: يكون من بعد طلوع الشمس، ويستمر إلى غروب الشمس، بل قال العلماء رحمهم الله تعالى: إنه يستمر إلى الفجر لأهل الأعذار. يعني مثال ذلك: من كان قادمًا على الرامي، فالأفضل في حقه أن يرمي ضحى كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لو أن إنسان أخره مثلًا إلى بعد الزوال أيضًا فعل المطلوب، لو أن إنسان أخره إلى بعد العصر أيضًا فعل المطلوب، إلى قبل غروب الشمس أيضًا فعل المطلوب، وقد أحسن. وجاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله، ما رميت الجمرة إلا مساء"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ارم ولا حرج، ارم ولا حرج". فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على امتداد وقت الرمي ولو كان مساء، ولو كان مساء، لكنه خلاف الأفضل، لأن الأفضل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بقوله: "خذوا عني مناسككم". ولو أن إنسانًا تأخر لأمر أو لآخر، فمثلًا رجل أغمي عليه أو كان متعبًا فما قوي على الرمي إلا بعد غروب الشمس، هل يسقط عنه الرمي؟ الجواب: أنه يرمي ولو بعد غروب الشمس، هذا الكلام على ماذا؟ على جمرة العقبة التي تكون في يوم عيد الأضحى، في يوم النحر، له أن يرميها ولو ليلًا. لكن هذا كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: من كان من أهل الأعذار، كما أن أهل الأعذار يشرع لهم أن يرموا الجمرة قبل الفجر، بعد منتصف الليل، يعني مثال ذلك: لو أن الناس كما تعرفون يوم عرفة، بعد أن ينزلوا بعد أن ينزلوا إلى مزدلفة فيبيتوا في مزدلفة، إذا خرج الناس في صبيحة يوم النحر وانطلقوا إلى جمرة العقبة للرمي، وكان بينهم الضعفاء وكان بينهم الصغار وما شابه ذلك، ربما حصل ما يخشى من الحرج والشدة. فلأجل هذا رخص النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الأعذار رخص النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الأعذار أن يرموا ليلة النحر بعد منتصف الليل أن يرموا جمرة العقبة بعد منتصف الليل، كما جاء في حديث أسماء عند البخاري، وجاء كذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهم جميعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للضعفة، وكذلك من كان في معناهم. فمثل هؤلاء لهم أن يرموا العقبة ولو كان قبل الفجر، يعني ينطلق فيرموا قبل الناس، ثم ينطلق فيطوف كذلك قبل الناس، النساء كبار السن، الأطفال، فهؤلاء يرخص لهم، ويرخص كذلك لمن يقوم بهم أن يكون معهم. أما بقية الجمرات -بقية الجمرات التي تكون في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر- وهي بقية الجمرات، فإن أول وقتها يكون من بعد زوال الشمس، ويستمر إلى طلوع الفجر، يستمر إلى طلوع الفجر. فلو أن إنسانًا رمى الجمرات قبل الزوال، ما حكم ذلك الرامي؟ الجواب: أن ذلك الرامي غير معتبر، ولا يصح، بل يجب عليه أن يعيد الرمية مرة أخرى بعد الزوال. طيب هذا بالنسبة لماذا؟ للوقت، وقوله رحمه الله تعالى: فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها، أي كل يوم في يومه، كل يوم في يومه، وهذا الكلام على من تأخر، أي من سيبقى الأيام الثلاثة. أما من تعجل أو أراد التعجيل، فقد ذكر فقهاء رحمهم الله تعالى أنه في اليوم الثاني يجمع بين رمي اليوم الثاني واليوم الثالث، له أن يجمع وينطلق قبل غروب شمس اليوم الثاني، على ما سيأتي معنى بإذن الله. قال رحمه الله تعالى: كل جمرة بسبع حصيات، وتحت هذه الفقرة كذلك ما سأذكره، أولها: أن المشروع في رمي الجمار أن ترمى كل جمرة بسبع حصيات، بسبع حصيات، هذا الأمر الأول. فلو أن إنسانًا رمى بأقل من سبع حصيات، فإنه لا يكون قد فعل المطلوب، لو أن إنسان رمى بست بخمس حصيات، فالواجب عليه إن كان في الوقت أن يرجع ويكمل ما بقي عليه من الرمي، فإن مضى الوقت فيستغفر الله تبارك وتعالى، ولا شيء عليه على الصحيح. وذهب بعض أهل العلم إلى أن عليه دم، وفي هذا كما قال أحمد: شدة، وبعضهم ذهب إلى أن فيه ماذا؟ أنه يتصدق عن كل حصاة مد من طعام، والأظهر والله أعلى وأعلم: أن هذا من اجتهادات الفقهاء، من فعل هذا فكما يقال: من باب الصدقات التي تكون سببًا لتكفير السيئات، فنعم، وإذا ما فعل فلا حرج، ولكن يتوب إلى الله تبارك وتعالى من ذلك التقصير. بقي في قوله رحمه الله تعالى: كل جمرة بسبع حصيات، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن الحصيات التي يرمى بها يُشترط أن تكون حصاة، أن تكون حصيات. فلو أنه رمى بأخشاب، لو أنه رمى بأخشاب، أخذ أخشاب ورمى مكان الحصوات، هل يصح منه ذلك الرمي؟ قال: لا يصح، لو أنه رمى بحديد، أخذ عنده قطع من حديد عدها سبع ورمى، هل يُجزي عنه كذلك أو لا يُجزي؟ لماذا؟ لأن العبرة بأن تكون سبع حصيات. يدل على هذا ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يلقط لهم سبع حصيات، فلقط له سبع حصيات كحصى الخذف، قال: فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم في يده، قال: وجعل يمسح عليهن ويقول: "بمثل هذا فارموا"، "بمثل هذا فارموا". فدل هذا منه صلى الله عليه وسلم على أن المعتبر في الرامي بأن يكون بمثل ما رمى به صلى الله عليه وسلم، "ومن عمل عملًا ليس عليه أمره فهو رد". طيب بقي مما نبه عليه الفقهاء وذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى: مسألة، وهي: أنه يشترط في رمي الحصيات التتابع، أنه يشترط في رمي الحصيات التتابع، بمعنى أنه يرمي الأولى فيقول: الله أكبر، ثم يرمي الثانية فيقول: الله أكبر، وهكذا حتى يكمل السبع. قال: فلو أنه أخذ سبع حصوات فرماهن رمية واحدة، فهل يجزئه ذلك أم لا؟ الصحيح من أقوال الفقهاء: أنه لا يجزئه، واضح هذا. جماع: لو أن إنسان أخذ سبع حصيات فقال: الله أكبر، ورمى الحصوات، هل يصح منه ذلك الفعل أم لا يصح؟ الصحيح من أقوال الفقهاء، وهو الذي عليه جمهور الفقهاء: أن ذلك لا يصح، لماذا؟ قال: لأنه يشترط التتابع في رمي الحصيات، لا بد أن يتابع في رميهن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. والعبرة في رمي الجمرات -كما مر معنا إشارة إليه- أن ترمى الجمرات فتقع تلك الحصوات في ذلك الحوض، أن ترمى الحصوات فتقع في ذلك الحوض. فلو أن إنسان رمى الحصوات فوقعت الحصاة خارج الحوض، فما حكم تلك الرمية؟ قال العلماء: بأنه غير معتبر، قال العلماء: بأنه غير معتبر، ومن هو يعلم خطأ كثير من الحجاج من ذهب للحج، يرى أنه إذا قدم إلى جهة رمي الجمرات، ولا سيما في أيام الزحام، يخشى على عينيه من شدة الرمي، هذا يرمي من الشرق، والآخر من الغرب، وآخر من الأمام، وآخر من الجنوب، فتجد الحصاة كأنها معركة، وهذا خطأ، وكثير من الحصوات تخرج أو تقع خارج ماذا؟ خارج الحوض، وهذا خطأ. إذ العبرة بأن تقع الحصاة في داخل الحوض، فلو أن الحصاة وقعت في خارج الحوض، فإن تلك الرمية تكون غير معتبرة، فيجب عليه غيرها، يجب عليه غيرها. قوله رحمه الله تعالى: كل جمرة بسبع حصيات، وقوله: كل جمرة بسبع حصيات، في اليوم الأول ثلاث جمرات بسبع حصيات، كم سيكون مجموع هذا؟ جماعة واحد وعشرين، في اليوم الثاني واحد وعشرين، في اليوم الثالث واحد وعشرين، مجموع كم؟ 63، وفي اليوم الأول يوم النحر، كم سبع؟ فالمجموع كم؟ سبعون حصاة. لذا قال فقهاء رحمهم الله تعالى: أن مجموع رمي الحصيات سبعون حصاة، في اليوم الأول سبع، وفي كل يوم إحدى وعشرين من أيام التشريق، وفي كل يوم من أيام التشريق إحدى وعشرين، فيكون المجموع سبعين حصاة يرميها الحاج. قال رحمه الله تعالى: فيبتدئ بالجمرة الأولى فيستقبل القبلة، وهذا إن أمكن فحسن، وإن ما تمكن فإنه يرمي من حيث استطاع، أما استقبال القبلة فهذا لما ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه استبطن الوادي ورمى، وقال: "لا، لقد رمى من هذا الموضع، من أنزلت عليه سورة البقرة". فإذا كان في المكان زحام فما استطاع أن يرمي، فيرمي من حيث تيسر، كما ثبت ذلك عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه أتى ووجد الناس قد ازدحموا، فرمى من أعلى، فرمى من أعلى، فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على أن الأفضل أن يرمي من حيث رمى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ما تمكن رمى من حيث كان أيسر. قال رحمه الله تعالى: فيستقبل القبلة ويرميها بسبع كما رمى جمرة العقبة، ثم يتقدم قليلًا فيقف يدعو الله تعالى، أي بعد أن يرمي جمرة الجمرة الصغرى يتقدم قليلًا فيستقبل القبلة، ويبتعد عن الناس حتى لا تقع عليه شيء من الحصوات، فيستقبل القبلة ويدعو الله تبارك وتعالى بدعاء طويل. كان ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه إذا رمى الجمرة الصغرى ابتعد قليلًا فاستقبل القبلة فدعا الله دعاء طويلًا، قال نافع: أو قدر قيام ابن عمر بقراءة سورة البقرة، كم سيكون وقت؟ يا جماعة وقت طويل، لكن هذا كان فعلهم رضي الله عنهم وأرضاهم. وقال ابن عمر: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك"، فالحاصل: أن من السنة أن يرمي العقبة الصغرى، ثم يبتعد قليلًا ويستقبل القبلة ويدعو الله تبارك وتعالى بدعاء طويل بما تيسر، ويدعو الله جل وعلا بخيري الدنيا والآخرة. ثم بعد ذلك يأتي الوسطى فيرميها كذلك، أي مثل ما فعل في الصغرى، قال: ثم فيرميها مثل فيرميها كذلك، أي وبعد الرمي يبتعد عنها قليلًا فيستقبل القبلة ويدعو الله تبارك وتعالى، فيفعل مثل ما فعل عند الصغرى. قال: ثم يرمي جمرة العقبة، وهي آخر الجمرات وأبعد الجمرات من منى، وأقربها إلى مكة، قال: ولا يقف عندها، أي جمرة العقبة، بعد أن يرميها ينطلق، لا يدعو بعد أن يرمي جمرة العقبة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. قال: ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك، فإن أحب، ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك، أي مثل ما فعل في اليوم الأول في رمي الجمرات واستقبال القبلة، يفعل كذلك في اليوم الثاني، سواء بسواء. قال: فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل الغروب، خرج قبل الغروب، لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾، فمن تعجل -أي بمعنى أنه بات اليوم الأول في منى وبات اليوم الثاني في منى- ثم أراد أن يتعجل يسافر يرجع إلى بلده، فمثل هذا كما قال علماء: يرمي الجمرات، وبعد أن يرمي الجمرات يخرج من منى قبل الغروب، يخرج من منى قبل الغروب. قالوا: فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بها والرمي من غد، لكن الفقهاء رحمهم الله تعالى ذكروا فيها تفصيلًا، فقالوا: إن إنسانًا رمى الجمرات في اليوم الثاني وحمل متاعه وشدها على رحله وانطلق، لكن بسبب الزحام ما استطاع الخروج من منى حتى غربت الشمس، فماذا يصنع؟ واضح. جماعة هذه الصورة أم لا ممكن أو لا؟ أي رجل رمى بعد الظهر، ذهب فجمع متاعه وجمع أهله على رحل على سيارته فخرج، لكن مع شدة الزحام ما استطاع أن يخرج من منى إلا بعد الغروب، أي غربت الشمس وهو بمنى، فمثل هذا هل يلزمه البقاء في منى أم لا؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: مثل هذا لا يلزمه، لماذا؟ لأنه في حكم الخارج، لأنه ما منعه إلا مانع، بخلاف ما إذا كان إنسان كان في منى فلما غربت الشمس أراد أن يخرج، فمثل هذا يقال له: لا تخرج، بل يجب عليك ماذا؟ المبيت بمنى ما دمت كذلك، وهذا عليه إجماع العلماء. بمعنى: أن من أراد الخروج قبل الغروب له ذلك، وأما إن تأخر إلى بعد غروب الشمس فإنه يجب عليه أن يبقى إلى اليوم الثالث ويرمي من اليوم الثالث. قال رحمه الله تعالى: فإن كان متمتعًا أو قارنًا فقد انقضى حجه وعمرته، وإن كان مفردًا خرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة منه، ثم يأتي مكة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر، فإن لم يكن له شعر استحب أن يمر الموسى على رأسه. وقد تم حجه وعمرته، وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، لكن عليه وعلى المتمتع دم. طيب هذه مسألة أخرى من مسائل التي ذكر الفقهاء، وهي: بعد أن يرمي الجمرات هل بقي أعمال من أعمال الحج؟ يقول إمام بن قدامة رحمه الله تعالى: بعد أن يفرغ من ذلك، قال: فإن كان متمتعًا وقارنًا فقد انقضى حجه وعمرته، انتهت حجته وماذا وعمرته؟ قام بها وأداها على الوجه المطلوب. لكن ذكر ابن قدامة رحمه الله تعالى استثناءها هنا ومسألة، وهي: من كان مفردًا هل يكون كذلك؟ فذكر رحمه الله تعالى بأن من كان مفردًا يخرج إلى التنعيم -أي إلى أقرب الحل- فيحرم بعمرة ويأتي بعمرة، ثم يحل، والصحيح: أن ذلك لا يجب عليه، أن ذلك لا يجب عليه. بمعنى: أنه بعد ذلك إذا أحل إذا قضى عمله يكون قد قضى أعمال الحج، فإن أراد العمرة إن أراد العمرة بعد ذلك خرج إلى أقرب الحل وأحرم واعتمر وأتى بنسك خاص، هذا هو الصحيح. قال رحمه الله تعالى: وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء، أن عمل القارن وعمل المفرد سواء بسواء، أي أنه يجب عليهم طواف واحد وسعي واحد، هذا هو الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «مفردين وقد كانت قارنة»، قال: «طوافك وسعيك يكفيك لحجك وعمرتك»، فاستدل به العلماء رحمهم الله تعالى على أن القارن إنما يجب عليه طواف واحد وسعي واحد، وهو كذلك ما يجب على المفرد. فإنه يجب عليه طواف واحد وسعي واحد، وإنما يفترقان في أمرين: الأمر الأول النية، أن القارن يكون قد نوى أن يقرن مع حجه عمرة، الأمر الثاني: أن القارن يجب عليه أن يكون قد ساق الهدي، أما إذا لم يسق الهدي فإنه لا يكون قارنًا، بخلاف المفرد، بخلاف المفرد فإنه لا يشترط عليه أن يسوق معه الهدي، فهذان فرقان بين المتمتع والقارن. قال رحمه الله تعالى: لكن عليه وعلى المتمتع دم، أي على القارن والمتمتع دم، كما تقدم لقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم. قال رحمه الله تعالى: وإذا أراد القفولة -أي الرجوع إلى بلده- لم يخرج حتى يودع البيت بطواف عند فراغه من جميع أموره، حتى يكون آخر عهده بالبيت، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت»، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، والحديث في الصحيحين. وفي صحيح مسلم أنه قال: «كان الناس ينصرفون كل وجه»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينصرفن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت»، وهذا يدل على وجوب ذلك. بمعنى: أن من أراد الحج بعد أن قضى حجه، بعد أيام منى، يكون الحاج قد قضى حجه، أراد الحج أراد ماذا؟ السفر، فيقال له: قبل أن تسافر، قبل أن تغادر، يجب عليك أن تطوف بالبيت سبعًا، بعد أن تطوف أخرج، فاذهب حيث شئت. قال: فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده، ومعنى هذا: لو أنه طاف بالبيت ثم مكث بعد ذلك في مكة اليوم واليومين، ثم أراد السفر، فماذا يصنع؟ يقال له: أعد الطواف، لماذا؟ لأنك ما جعلت آخر عهدك بالبيت الطواف. واضح، جمع: بخلاف ما إذا طاف ثم ذهب إلى رحله إلى منزله الذي كان ينزله، فجمع متاعه، وعندما أراد أن يخرج أقام الصلاة، فقال: أصلي ثم أسافر، فمثلًا أصلى، هل يجب عليه أن يطوف بالبيت مرة أخرى؟ الجواب: لا، واضح، جمع، لماذا؟ لأنه جعل آخر عهده بالبيت ماذا؟ الطواف، إنما تأخر لعارض وهو الصلاة. قال: ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم بين الركن والباب فيلتزم البيت ويقول: "اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإذا فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأ عن بيتك داري، فهذا أوان صرافي، أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصبحني العافية في بدني والصحة في بدني والعصمة في ديني، وأحسن مقلبتي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير". ويدعو بما أحب، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا ذكره بعض الفقهاء، ولا دليل عليه، بل السنة أن يفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أن يجعل إنسان آخر عهده بالبيت طوافًا ثم ينصرف، ثم ينصرف، خير الهدي هديه محمد صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا الدعاء لم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم، ولا عن صحابته، لا الخلفاء الراشدون ولا غيرهم، ولو كان خيرًا لسبقوا إليه رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: فمن خرج قبل الوداع رجع إن كان قريبًا، وإن كان بعيدًا بعث بدم، إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، بمعنى: أن من ترك طواف الوداع وجب عليه دم، للقاعدة في هذا الباب المبنية على أثر ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "من ترك نسكًا وجب عليه دم". قال: إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، أي أن المرأة إذا كانت حائضًا فلا يجب عليها طواف الوداع، كما تقدم في حديث ابن عباس، "إلا الحائض فقد رخص لها أو فقد خفف عنها"، وقد جاء كذلك في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما حاضت صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "أحابسة ناهي؟" فقيل: "يا رسول الله، بأنها قد أفاضت قبل ذلك"، فقال: "انطلقوا إذن"، ولم يقل: ننتظر حتى تطوف طواف الوداع. قال: فمن خرج قبل الوداع رجع إن كان قريبًا، وإن كان بعيدًا بعث بدم، إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء بهذا كذلك، لا دليل على هذا، بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للناس حينما قيل له: بأن صفية قد طهرت، قال: "انطلقوا إذن"، فينطلقوا، تنطلق المرأة مع من جاءت معها مما حرمها، ولا تحتاج إلى مثل هذه الأفعال، وكما سمعتم: خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على