كتاب الحج 6

الدرس في كتاب الحج 6، ألقاها

مقدمة في الإحرام وأحكامه

يشرح المقطع معنى الإحرام وأحكامه، ويبين أنواع الأنساك في الحج والعمرة. الإحرام هو نية الدخول في مناسك الحج أو العمرة.

آداب الإحرام وسننه

يستحب للمحرم أن يغتسل ويتنظف ويتطيب قبل الإحرام، وأن يلبس ملابس الإحرام. يُستدل على هذه الآداب من أحاديث وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم.

تفاصيل لباس المحرم وصلاة ركعتين

يستحب للمحرم لبس الإزار والرداء، ويجوز لبس غير الأبيض عند عدم وجوده. كما يُشرع لبس السراويل أو الخفين عند الضرورة.

حكم صلاة ركعتين قبل الإحرام وخلاف العلماء

هناك خلاف بين العلماء حول مشروعية صلاة ركعتين قبل الإحرام، ويرى ابن تيمية عدم وجود سنة خاصة بالإحرام لعدم الدليل عليها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب عمدة الفقه، في كتاب الحج، قال: باب الإحرام، أي مدخل في الكلام على أحكام ومسائل الإحرام. والإحرام كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى من التحريم، ومعنى ذلك يقال: أحرم بذلك إذا دخل في التحريم بعد أن كان ذلك الشيء له مباحًا، فمنه القول بأن التكبيرة التي يدخل بها في الصلاة بأنها تكبيرة الإحرام؛ لأنه إذا كبر لصلاة حرم عليه ما كان مباحًا قبل ذلك بسبب الصلاة، كالكلام والأكل والشرب والحركة الكثيرة، إلى غير ذلك مما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى. وكذلك التحريم إذا أحرم الحاج أو المعتمر، فإنه يحرم عليه أشياء كانت له مباحة قبل دخوله في ذلك النسُك، فهذا معنى الإحرام. قال رحمه الله تعالى: باب الإحرام، قال: من أراد الإحرام -أي عزم على الإحرام وعلى الدخول في النسُك- قال: أستحب له أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ويتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين، ثم يصلي ركعتين ويحرم عقيبهما. قوله رحمه الله تعالى: من أراد الإحرام، كما سمعتم أي عزم على الدخول في الإحرام، أي في نسك من الأنساك. والأنساك كما يقول علماء رحمهم الله تعالى إما أن يكون معتمرًا عمرة منفردة، وإما أن يكون بحج منفرد، وإما أن يكون جامعًا بين الحج والعمرة، وهذا له حالتان: إما أن يكون قارنًا، وإما أن يكون متمتعًا، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا بيان ذلك في الكلام على أنواع النسُك. قوله رحمه الله تعالى: من أراد الإحرام، أي الدخول في النسُك كما سمعتم أستحب له أن يغتسل، وهذا على قول الجمهور، وهو صحيح؛ لِما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها ﴿أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَلَدَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتَسْتَثْفِرَ بِثَوْبٍ وَتُحْرِمَ﴾، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه «اغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَاغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ وَاغْتَسَلَ يَوْمَ عَرَفَةَ»، فهذا هو الحكم الأول: استحباب الغسل للمحرم إذا أراد الإحرام. قال: ويتنظف، ومعنى يتنظف: بأن يزيل ما يحتاج إلى إزالته من الشعور والأظفار ونحوها. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن استحباب ذلك مأخوذ أولًا من كون هذه العبادة فيها معنى من معاني المجامع والأعياد التي يجتمع فيها المسلمون، فأشبهت الجمعة؛ وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم من أتى الجمعة أن يتنظف. قال رحمه الله تعالى: ويتطيب، والتطيب لما جاء في صحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: «طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِإِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ». ومعنى طيبته: أي طيبت جسده ولحيته وشعره، لا أنها طيبت ثيابه، فلا يجوز للمحرم أن يطيب ثيابه، ولا أن يمسها ببخور، ولا بغيرها من الطيب، كما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا في محظورات الإحرام. قال رحمه الله تعالى: ويتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين نظيفين. وقوله رضي الله عنه ورحمه الله: ويتجرد عن المخيط، أي أن المحرم إذا أراد الدخول في الإحرام فإنه يجب عليه أن يتجرد عن المخيط، إلا إذا لم يجد سواها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في مسند أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما-: «فَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَنَعْلَيْنِ». وجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ». قال رحمه الله تعالى: ويتجرد عن المخيط، ومعنى المخيط كما يقول الفقهاء رحمهم الله تعالى: هي الثياب التي تخيط على أجزاء الجسم، كالقميص ونحوه. قال: في إزار ورداء أبيضين، وهذا الأمر خاص بالرجال دون النساء؛ عدم لبس المخيط، وإلا فكما سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا أن المرأة تلبس لبسها المعتاد إلا أنها لا تنتقب. قال: في إزار ورداء، هذا هو الأكمل، أن يحرم المحرم بإزار ورداء، والإزار معروف الذي يلبسه أهل اليمن، أو كثير من أهل اليمن، ولهم في ذلك تسميات كثيرة، منهم من يسميه السباعية، ومنهم من يسميه المعوز، ومنهم من يسميه بأسماء نحو هذه الأسماء، لكل بلدة تسمية معروفة. والرداء هو الذي يوضع على الكتفين، يعني شبيه الإزار لكن يوضع على ماذا؟ على الكتفين، وهو معروف من لباس المحرم اليوم. قال رحمه الله تعالى: في إزار ورداء أبيضين نظيفين؛ أبيضين لحديث ابن عباس رضي الله عنهما بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ». فهذا يدل على استحباب لبس الأبيض. ويستحب كذلك أن يكون نظيفًا؛ لأنه في عبادة أشبهت العيد، بل يدخل في يوم عيد، في يوم نحر. قال رحمه الله ورضي الله عنه وغفر له: في إزار ورداء أبيضين نظيفين، هذا هو الأفضل، لكن لو أن إنسانًا ما وجد أبيضين، عنده معوز أو سباعية، هل له أن يحرم بها؟ الجواب: له أن يحرم بها؛ لأنها إزار، كانت أحمر، أزرق، أسود، عن أي لون، لكن الأفضل أن يكون أبيض. قال رحمه الله تعالى: ثم يصلي ركعتين. واستحب العلماء رحمهم الله تعالى أن يصلي ركعتين، هذا محل خلاف بين العلماء: هل يستحب أو هل للإحرام سنة أم لا؟ كثير من الفقهاء ذهب إلى أن للإحرام سنة، أي يصلي ركعتين. ومن قال هذا استدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم عقب الصلاة؛ كما في سنن أبي داود وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. فمن استدل من العلماء على أنه يستحب للمحرم أن يحرم بعد أن يصلي ركعتين، إلا أن يكون قد أدى فريضة فإنه يحرم عقبها. واختار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ابن تيمية أنه لا سنة خاصة بالإحرام لعدم الدليل عليها، لكن لو كان الإنسان ورد معين، مثلًا جاء في وقت الضحى فصلى الضحى ثم أحرم، أو كان أراد صلاة الليل، صلى من الليل ثم أحرم، أو كان في عقب صلاة فريضة صلى ثم أحرم، فحسن. أما أنه ينشئ ركعتين لا لشيء إلا لأجل الإحرام، فيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: إن هذا لا دليل عليه، وهو الأظهر، والله تعالى أعلى وأعلم. ونكتفي بهذا القدر في هذا اليوم، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على