الدرس في كتاب الحج 7، ألقاها
الإحرام هو نية الدخول في النسك وليس مجرد لبس ثياب الإحرام، ويستحب نطق النية بقول "لبيك اللهم بعمرة" أو "لبيك اللهم بحج". يشرع للمُحرم أن ينوي الإحرام وينطق بالتلبية.
يستحب لمن لبى أن يشترط عند الإحرام بقوله: "اللهم إني أريد النسك الفلان، فإن حبسني حابس فمحل حيث حبستني". الاشتراط يتيح للحاج أو المعتمر التحلل من الإحرام إذا حصل مانع.
تناول المقطع آراء الفقهاء حول أفضلية أنواع النسك الثلاثة: التمتع، الإفراد، والقران. استدل أنصار أفضلية التمتع بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأمره أصحابه بالتمتع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موافق الدين أبو محمد ابن قدامة المقدسي رحمه الله في كتابه "عمدة الفقه" في كتاب الحج منه، في باب الإحرام: قال رحمه الله وغفر له: قال: "ثم يصل ركعتين ويحرم عقيبهما، وهو أن ينوي الإحرام". قوله رحمه الله تعالى: "ويحرم عقيبهما" أي عقيب الصلوات. وتقدم معنا أمس أن الصحيح من أقوال العلماء رحمهم الله تعالى أنه ليس للإحرام راتبة معينة، وإنما إذا وافق ذلك صلاة صلاها العبد، فإنهم يحرمون بعد ذلك، كما حصل ذلك من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود وغيره. وقوله رحمه الله تعالى: "وهو أن ينوي الإحرام". هذا معنى الإحرام. ما معنى الإحرام؟ الإحرام أن ينوي الإحرام. ومن الخطأ ما يظنه بعض الناس أن الإحرام هو لبس ثياب الإحرام. الإحرام هو نية الإحرام، أي نية الدخول في النسك. هذا هو الإحرام. فلو أن إنسانًا لبس ثياب الإحرام في بيته، فلما دنا أو قرب من الميقات أحرم، فهل يكون محرمًا في هذا الوقت، أو يكون محرمًا بمجرد لباس ثياب الإحرام؟ الجواب: أنه يكون محرمًا بنيته الدخول في النسك، لا بمجرد لباسه لثياب الإحرام. قال رحمه الله تعالى: "ويستحب أن ينطق بما أحرم به". أي إذا أحرم بالعمرة يقول: "لبيك اللهم بعمرة". إذا أحرم بحج مفرد يقول: "لبيك اللهم بحج". إذا كان قارنًا كذلك لبى بالحج القارن، وإذا كذلك متمتعًا لبى بالحج المتمتع. وهكذا "لبيك اللهم بعمرة، بعمرة متمتعًا بها إلى الحج". فكما ذكر رحمه الله تعالى: "ويستحب أن ينطق بما أحرم به". لماذا؟ لأن هذا من جملة الأذكار التي سنها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم للحاج، وكذلك المعتمر. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي داود، قال: "أحرم أو قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ من صلاة أحرم". قال: "فلما صعد على دابته لبى بالحج". فقال: "لبيك اللهم بالحج". كان يرفع صوته. قال رحمه الله تعالى: "ويشترط". أي بعد أن يقول: "لبيك اللهم بحج أو بعمرة أو بحج قارن أو بحج متمتع". قال: "ويشترط فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلان، فإن حبسني حابس فمحل حيث حبستني". هذه المسألة يسميها الفقهاء رحمهم الله تعالى مسألة الاشتراط. قال جماعة من الفقهاء رحمهم الله تعالى: إنه يستحب لمن لبى أن يشترط. يستحب لمن لبى أن يشترط. واستدل على الاستحباب أمرين: الأول ما جاء في صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت زبير رضي الله عنها، وقد كانت شاكية - كما في بعض الروايات - أنها خشيت أن لا تحج أو أن لا تكمل نسكها. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "حج واشترط". أو قال لها صلى الله عليه وسلم: "لبيك اللهم لبيك، ومحلل الأرض حيث تحبسني". حيث تحبسني. فبعض الروايات أنه قال: "قولي فمحلي حيث حبستني". فمحلي حيث حبستني. ومعنى هذا أنها متى حبسها حابس، أنها تحل ولا شيء عليها. أنها تحل ولا شيء عليها. هذا معنى الاشتراط. قال رحمه الله تعالى: "وهو مخير بين التمتع والإفراد والقران". أي من دخل في النسك هو مخير بين هذه المناسك الثلاثة: إما التمتع، وإما الإفراد، وإما القران. واسع الكلام عليها. قال رحمه الله تعالى: "وأفضلها التمتع، ثم الإفراد، ثم القران". هذا قول في المسألة. وقول آخر: أن أفضلها التمتع، ثم القران، ثم الإفراد. وقول ثالث: أن أفضلها القران، ثم التمتع، ثم الإفراد. وقول رابع: أن أفضلها الإفراد. القول بأن أفضلها التمتع، أي من قال بأن أفضلها التمتع استدل هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه في حجة الوداع: "من لم يسق الهادي" - كما في حديث ابن عمر وغيره رضي الله عنه وأرضاه - قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أهدى فلا يحل حتى يقضي حجه، ومن لم يسق الهادي أو قال: ومن لم يهدي فإنه يعتمر ويحل". فإنه يعتمر ويحل. فإذا جاء الحج أحرم بالحج. فكذلك جاء في حديث جابر وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر من لم يسق الهادي بأن يتحلل، كأن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد في نفسه، إذ أنه رأى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتحلل. فقال: فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ساق الهادي، ثم قال: "لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهادي ولجعلتها عمرة". لما سقت الهادي ولجعلتها ماذا؟ عمرة. استدل من قال بأفضلية التمتع بهذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهادي ولجعلتها عمرة". أي متمتعًا بها إلى الحج. قالوا: فدل ذلك على أفضلية التمتع، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنى إلا الأفضل. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.