الدرس في قصة الذي خرج من قبره، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تروي قصة بني إسرائيل مع الموتى كيف استجاب الله لدعائهم وأخرج ميتًا لهم، وتعتبر هذه القصة آية وعظة للبشر. هذه المعجزة تبرهن على قدرة الله على إحياء الموتى.
يتناول هذا الفصل قصة إبراهيم عليه السلام وإحياء الموتى، ويفرق بين الآيات والكرامات التي يكرم الله بها عباده الصالحين. يُوضح أن إحياء الموتى ليس مقصورًا على الأنبياء فقط بل قد يكون كرامة للصالحين.
يشرح هذا الفصل أهوال الموت واستمرار ألمه حتى بعد الوفاة مستدلًا بالحديث النبوي. يُفهم من ذلك أن ألم الموت قد يمتد حتى قيام الساعة، مع الإشارة إلى أهمية الدعاء والكرامات الإلهية.
يختتم الدرس بدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. هذا الدعاء يعبر عن الرجاء في نفع العلم والعمل الصالح.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، روى الإمام أحمد في كتابه الزهد، وابن أبي شيبة في مصنفه، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا إلى مقبرة من مقابرهم. في مطلع هذه القصة التي يحكيها لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، تتحدث عن بني إسرائيل، وكان نبينا صلوات ربي وسلام عليه كثيرًا ما يحدث عن بني إسرائيل، بل جاءت في رواية: «حدثوا عن بني إسرائيل، فإن فيهم الأعاجيب»، تظهر أشياء عجيبة غريبة، لربما غير معهودة في عالم البشر، كما سأت في هذه القصة أعجوبة طرأت وظهرت في زمانهم. لكن الروايات الإسرائيلية تحكى إذا جاءت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما إن كانت ليست من طريق رسول الله، فهناك قواعد وهناك ضوابط في معرفة كيف تقبل الإسرائيليات وكيف ترد. قال عليه الصلاة والسلام: «خرج الطائفة من بني إسرائيل حتى مروا أو أتوا على مقبرة لهم من مقابرهم»، فقالوا: «لو صلينا ركعتين فدعونا الله عز وجل أن يخرج لنا رجلاً ممن قد مات نسأله عن الموت»، إذن اقترحوا هذا المقترح، وهم الإتيان على المقابر، ويلتجئون إلى الله بعمل صالح، علّ وعسى أن يسعفهم هذا العمل في أن الله يستجيب دعاءهم. وما الذي سألوا؟ سيطلبون من الله هذا المطلب أن يبعث لهم ميتًا من قبره، وهم ما أرادوا بهذا إلا زيادة اليقين والاستيقان لأمر الله جل وعلا ووعده، لا شك ولا ريب، إخواني في الله، أن بعث من في القبور آية من آيات الله، وقد أخفاها ربنا عز وجل، فهؤلاء أرادوا أنهم يزدادوا إيمانًا على إيمان ويقينًا على يقين في أن الله يظهر لهم هذه الآية، فهي عبرة وهي عظة، دلالة على أن ما منا من أحد إلا وسيرجع إلى قبره، ثم يبعثه الله يوم القيامة فيحاسبه على أعماله. قالوا: «لولا صلينا ركعتين فدعونا الله عز وجل أن يخرج لنا رجلاً ممن قد مات أسأله عن الموت»، قال عليه الصلاة والسلام: «ففعلوا»، ففعلوا، صلوا ثم دعوا. قال: «فبينما هم كذلك إذ اطلع رجل رأسه من قبر من المقابر»، حقق ربنا سبحانه وتعالى هذه الآية العظيمة التي طلبها القوم، أن الله عز وجل أخرج لهم رجلاً من قبره، وهذا الأمر إخواني في الله لا يستبعد، فإن الله سبحانه وتعالى في وقائع كثيرة مذكورة في القرآن أن الله عز وجل لربما أحيى الأموات في الدنيا. أحيى الأموات في الدنيا، هذا مثل ما في سورة البقرة في قصة القوم عندما طلبوا البقرة حتى يأخذوا ببعض منها فيضربوه على الميت المقتول، فقد ضربوه، ضربوا المقتول بعظم من عظام البقرة، فأحياه الله، فأحياه الله وسألوه عن قاتله، فقال: «ذاك»، وأشار إليه، ثم رجع، رجع إلى ما كان عليه من موت، فهذا إحياء للموت قد جعله ربنا آية عند هؤلاء القوم. وأيضًا في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام، عندما أراد من ربه أن يريه هذه الآية، فأماره ربنا عز وجل أن يأتي بطير فيذبح ويجعل الطيور هذه على رؤوس الجبال، «نجعلها متناثرة»، فما هي إلا بلمحة بصر أحياها الله، جمع الشتات، جمع الأشلاء، فعاد الطيرًا كما كان، هذا إحياء الموتى. أو الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فقال لهم الله: «موتوا»، ثم أحياهم، هذا إحياء للموتى جعله الله عز وجل عبرة وعظة، أو ذاك الذي مر على قرية استقرب من فنائها وذهاب أمرها، قال: «أنى يحيي الله هذه بعد موتها»، فأماته الله مئة عام ثم بعثه، أحياه سبحانه وتعالى. فإذا إخواني في الله، إحياء الموتى قد يجعله ربنا عز وجل آية تظهر للعيان، بل يجعله ربنا كرامة لبعض عباده، يقع هذا من بعض الصالحين أنهم لربما يلتجئون إلى الله فيسألون الله عز وجل أن يحيي لهم ميتًا من الأموات، قد يكونوا إنسيًا، وقد يكونوا حيوانًا ودابة. وذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة من كتبه، ذكر هذا أن من بعض الصالحين من يسأل ربه عز وجل أن الله يحيي له هذه الدابة التي يكون بها إنقاذه، فيحييها ربنا فيركب عليها حتى توصله إلى داره، هذا قد يقع. لكن هذه إخواني هذه الآيات دلالة على ماذا؟ هل دلالة على أن الذين طلبوا هذا الطلب أنهم قادرون على إحياء الموتى؟ لا، ليس فيه هذه الدلالة، كما رأينا من بعض المبتدعة ممن جمع لنا مثل هذه الروايات والقصص، ثم أراد أن يثبت أن للولي يمكن أن يحيي الموتى، لا، ما يجوز هذا كفر بالإجماع. فرق يا عبد الله بين هذه القصص المسموعة والمرئية والمحكية عن الصالحين، الصالح إنما دعا الله، فمن الذي أحيى الدابة؟ من الذي أحيى الميتة؟ الله جل في علاه، وإنما هذا سأل سأل الرب عز وجل. وهكذا عيسى عليه السلام، هذه آية ومعجزة جعلها ربنا لعيسى أنه «يحيي الموتى بإذن الله»، ليس هذا إلا لعيسى «بإذن الله يحيي من شاء أن يحييه إذا شاء ربنا عز وجل ذلك»، أما يأتي متهوك فيدعي أن للولي الفلاني والحبيب الفلاني من كراماته أنه يحيي الموتى بإذن الله، هذا كذب ودجل. فتأمل يا عبد الله إلى هذه المسائل حتى لا تشتبه عليك، فهؤلاء دعوا الله عز وجل كحال الصالحين أن الله يحيي لهم ميتًا من الأرض. قال عليه الصلاة والسلام: «فاطلع رجل رأسه من قبر»، خرج ميت من القبر، قال عليه الصلاة والسلام: «خلاسي»، هذا بيان للون البشرة، وكان أسمر، هذا الميت كان أسمر، قال: «بين عينيه أثر سجود»، بين عينيه أثر سجود، دلالة على أنه كان صالحًا من الصالحين، مصليًا لله. قال: «فاطلع رجل رأسه من قبر خلاسي»، أي أسمر، «بين عينيه أثر سجود»، فقال لهؤلاء الأحياء الذين دعوا الله أن يحيي حيًا فأخرج من قبره، فقال: «ماذا أردتم؟ ماذا أردتم؟ فوالله لا زالت حرارة الموت بي حتى كان الآن»، سلو الله أن يعيدني لما كنت عليه. في هذه القصة أن هذا الميت عندما قام، أعلم ربنا ما الذي أراد هؤلاء، أراد هؤلاء أن يسألوا عن الموت، فأجابهم، ما هو الموت؟ الموت أنه قد تجرعه في حياته الدنيا فمات، ثم دفن. في هذا الحديث قال: قال نبينا: «خلاسي بين عينيه أثر السجود»، قال: «ماذا أردتم؟ قد ميت منذ مائة عام»، قد ميت منذ مائة عام، «فوالله إني لا أجد حرارة الموت فما سكنت حتى كان الآن»، سلو الله أن يعيدني لما كنت فيه. أن هذا الميت منذ أن ذاق سكرات الموت لا زال يتجرعها، وهو حتى إلى هذه اللحظة الذي أخرج من قبره، لا زالت سكرات الموت يحس بها ويشعر بها، ما ذاقه من الصالحين، ما ذاقه من الصالحين. هذا هو الموت، ابن الرجب رحمه الله تعالى له رسالة باسم «أهوال القيامة»، ذكر هذا الحديث، لكن ذكره تحت فصل، فصل بعنوان: «استمرار ألم الموت حتى في القبر»، أي أن ألم الموت يصحب الإنسان حتى تقوم قيامته، وحتى يبعثه الله يوم القيامة. إلا أن ابن الرجب رحمه الله تعالى أتى بتعليق بسيط بعدما ذكر هذا الفصل وهذا الحديث، قال: «ولعل هذا خاص ليس بعام»، لعل هذا خاص ليس بعام، أي أن هذا الفعل كون أن الميت يوجد تجرع سكرات الموت قد يكون خاص لهذا الرجل، الله أعلم. ولنجعل هذا عامًا يعم جميع الموتى، وفي هذا الحديث كذلك إخواني في الله من فوائده، فيه كرامة من كرامات الله أن الله يجعلها لمن يشاء من عباده، وفيه كذلك استجابة الدعاء، استجابة الدعاء، ولو أن العبد دعا الله بدعاء، ولو كان في أمر غريب، فما هناك شيء يعجز الرب سبحانه وتعالى من تحقيقه. اللهم كن صادقًا متبرئًا في دعائك وفي التجائك، وفي هذا الحديث فائدة تحتاج إلى نظر، وهو أن بعض العلماء استفاد من ذلك على أن العبد إذا أراد أن يقوم بأمر عليه أن يسبقه بركعتين، كحال من سمعنا هؤلاء عندما أرادوا هذا الطلب صلوا ركعتين. وهذا ما يسميه بعض الفقهاء بصلاة الحاجة، بصلاة الحاجة، أنها الصلاة تفعلها إذا أردت أن تقضي أمرًا تفعل شيئًا، تصلي ركعتين، ومنهم من توسع فيها فجعلها أوقات بعد صلاة العشاء، جعلها أذكار وأوراد، جعلها قراءات خاصة. وهذه صلاة الحاجة لا تصح، شيخ الألباني رحمه الله تعالى حكم على جميع طرق صلاة الحاجة بالضعف، بل إن اللجنة الدائمة للإفتاء حكمت على حديث أي صلاة الحاجة بالنكارة، وأنه منكر، وأنه ليس هناك شيء يلتزم به العبد. لكن نستفيد من هذه القصة على أن الشخص إذا أراد أن يقضي أمرًا أو أراد من الله طلبًا أن يجعل بين هذا الطلب عمل صالح، لا نقول ركعتين، لا نوسع الأمر، نجعله عمل صالح، إما أن تتوسل إلى الله، أو تتقرب يا الله بصدقة، بمنفعة، بصلاة، بذكر، بورد، ثم تطلب من الله، فإن هذا أرجى. كما صرح بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، أن هذا من أبواب الخير الذي يفعله العبد بين يدي طلبه، لعل الله ييسر له أمور الخير، لعل الله ييسر له أمور الخير. فهؤلاء عندما أرادوا أن الله يحقق لهم الطلب صلوا ركعتين، وأنت يا عبد الله إذا أردت أن الله يحقق لك أمرًا من الأمور، سواء كان دينيًا أو دنيويًا، حاول أن تجعل بين يدي طلبك لله عبادة، عمل صالح، ذكر، ورد، صلاة، صدقة، نفقة، تكون بين يدي هذا العمل، علّ وعسى أن الله يتقبل ذلك فيحقق لك ما طلبت. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.