قصة عيسى بن مريم مع السارق

قصة عيسى بن مريم مع السارق

الدرس في قصة عيسى بن مريم مع السارق، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أخلاق الأنبياء وآدابهم في التعامل مع الناس

يتناول المقطع قصة نبي الله عيسى عليه السلام مع رجل سارق، موضحًا أخلاق الأنبياء الرفيعة مثل عفة اللسان وعدم اللجاج. يُظهر عيسى عليه السلام آدابًا سامية في التعامل مع الناس.

تعظيم الله تعالى وتأثيره على الأحكام

يستفاد من قصة عيسى عليه السلام تعظيمه لله سبحانه وتعالى، حيث فضل تصديق الرجل الحالف على تصديق بصره. اختلف العلماء في تفسير هذا الفعل، مما يدل على أهمية تعظيم الله في اتخاذ الأحكام.

درء الحدود بالشبهات وعدم الاستعجال في الأحكام

يشرح المقطع أهمية تعظيم الله سبحانه وتعالى في تصديق من يحلف بالله، ويستشهد بقصص الأنبياء. كما يستفاد من ذلك درء الحدود بالشبهات وعدم الاستعجال في إطلاق الأحكام.

ختام الدرس والدعاء لله تعالى

يتضمن المقطع دعاء لله تعالى بأن ينفع بما قيل، ويشير إلى صلاة الله على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.

  • 26 جمادى الأولى 1438هـ - 22/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلا، والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني». انتهى الحديث، هي قصة قصة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه عن نبي من أنبياء الله من أولي العزم من الرسل، عيسى عليه السلام. في هذه القصة، وإن كانت قليلة المباني، إلا أنها غزيرة المعاني، فيها المسائل العظيمة التي استفادها العلماء من هذا الحديث. فهذا عيسى عليه السلام رأى رجلًا يسرق، تمتد يده إلى ما لا يحل، والسرقة هي جريمة في شريعتنا وفي شريعة من كان قبلنا، لم يحل في دين من الأديان. فلما قام عيسى بالتثبت من أمر الرجل: أسرقت؟ فإذا بالرجل يبادر عيسى عليه السلام بالنفي، بل والحلف: والله الذي لا إله إلا هو، ما قلت بهذا إلبت. فما كان من أمر عيسى عليه السلام إلا أن قال: آمنت بالله وكذبت عيني، وكذبت عيني التي رأت ما رأت. هذا الحديث، إخواني في الله، في فضائله ومن شمائله، أولًا: ما عليه الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام من التحلي بالأخلاق العظيمة وبالآداب السامية الكريمة. أخلاقهم رفيعة، من أراد إخواني في الله أن يصل إلى الأخلاق العالية فلينظر، وليتّبع أخلاق الأنبياء والرسل المذكورة والمبثوثة في كتاب الله وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. بل ربنا سبحانه وتعالى عندما ذكر لنا قصة جماعة من أنبياء الله ورسله، قال ربنا بعد سرده لحكاياتهم وأفعالهم وأخلاقهم وآدابهم: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. فالشخص يهتدي، يسلك مسلكهم فيما كان عليه، وهم خير قدوة وخير أسوة لمن أراد أن يلتحق بالركب الأعلى. الفائدة الثانية: ما كان عليه عيسى عليه السلام من الأخلاق الرفيعة، وفي هذه القصة من ملامحه التي تظهر لنا، أولًا: ما كان من عفة لسانه، والعفة في قوله ومنطقه وحديثه. ما كان من أمر عيسى عليه السلام من اللجاج، ومن المخاصمة، ومن المجادلة، ومن المشاحنة، ما كان يتنزل لمثل هذا الرجل في رفع الأصوات أو في جذب الأثواب، ناهيك عما يكون من ارتفاع الأصوات. تأمل يا عبد الله إلى أخلاق عيسى عليه السلام: أسرقت؟ قال: كلا، تركه، ما دخل معه في مهاترات كما نسمع في كثير من أحوال وحوادث تقع في مجتمعات المسلمين. لو ربما لو أن المتخاصمين تأسوا بما كان بسيرة الأنبياء والمرسلين لما وقعت هذه المشاكل، بل ربما حوادث القتل والإجرام. كان من شأنها أتدرون من أين؟ من قلة الأدب وعدم السلوك المحترم الذي ينبغي بين المسلمين: أنت فعلت، لا أنا ما فعلت، أنت والله فعلت، لا أنت ما فعلت، تعال يا فلان، نفعل ما فعل، لا والله فعلت، لا ما فعلت، ضرب هنا، وأشياء من هنا، وبصاق من هنا، فرفع السيف ورفع السلاح وإطلاق نار، هذا المنشأ الخلافات الذي تدب، الغضب فيستحوذ على ذا ويستحوذ على ذا. تأسي عبد الله بأنبياء الله، ودع اللجاج، دع اللجاج، فأنت أستاذ من أهله، أترك، وهناك الله سبحانه وتعالى، وعند الله تجتمع الخصوم. فهذا مما يستفاد من فعل عيسى عليه السلام. كذلك مما يستفاد من قصة عيسى عليه السلام ما يتعلق من شدة تعظيمه لربه سبحانه وتعالى، وما كان في قلبه لربه من تعظيم والإجلال والوقار. يدل على هذا كيف حمل العلماء هذا الحديث، للعلماء في النظر في هذا الحديث منهم من سلك المسلك الأول، وهم قالوا: أن عيسى عليه السلام في حقيقة حاله هو نعم رأى رجلًا أخذ مالًا، فظن عيسى عليه السلام أن هذا قد سرق مالًا، لأن الفعل أن يد الرجل امتدت فأخذ مالًا من حرز، فظن عيسى أن هذا سرقه. والدليل على أنه ظن، الدليل على ذلك كما يقول العلماء الذي نحكي قولهم في المذهب الأول، قالوا: دليل ذلك أنه سأل، استفهم: أسرقت؟ سأل، دل على عدم الجزم في المسألة، فأبان الرجل أنه ما سرق، لأن هناك عدة احتمالات. فتركه عيسى عليه السلام لأن عيسى لما رأى شيئًا كأنه سرق، لكن في الواقع هو ليس سرق، لأن رجله عدة احتمالات، قد يكون الرجل أخذ مالًا وإن لم يكن في تلك الساعة له، لكن إنما كان حقه ماله هو، فأخذه مقتصبًا، فإنما استرجع ماله، هذا له وجهة نظر، استرجع ماله، أو أن له إذن سابق، إذن سابق من صاحب المال أذن له، فجاء على ضوء الإذن فأخذ المال، هذا وجه له احتماله. أو كما نقل الحافظ بن حجر عن بعض العلماء أنه أراد أن يقلب الأمر، أخذ مالًا يقلبه وسيرجعه، ليس من باب الغصب والاستيلاء. فهذه محامل موجودة، فقال العلماء: إذن ترك عيسى عليه السلام هذا الرجل لأن الاحتمال قائم أنه وإن كان ظاهر الفعل سرق، لكن هناك احتمال أنه ما سرق، فتركه عيسى، هذا القول الأول. القول الثاني: قول من قال: لا، بل هذا الرجل سرق، سرق، لا إشكال في سرقته، بدليل أول الحديث، في ماذا أول الحديث؟ في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «رأى عيسى بن مريم رجلًا يسرق»، إذن رأاه يسرق، فأتهم، ملبس السرقية واقعة واقعة. وهذا المذهب الثاني، الأول قال: لا ليس بسرقة، وإنما أخذ ما وله احتمالات، لكن المذهب الثاني أن الرجل قد سرق، بدليل المطلع الأول أنه أخذ مالًا، سرق مالًا. طيب لماذا عيسى تركه إذا علم أن هذا سارق؟ قال ابن القيم رحمه الله تعالى: من أعظم ما أبدع في معرفة حقيقة الحال والواقع الذي وقع فيه عيسى عليه السلام، أن عيسى كان بين أمرين اثنين، بين أن يتهم رجلًا يتهم رجلًا، وهذا الرجل حلف بالله، وبين أن يتهم عينه التي رأت الحادث، سيتهم من؟ هذا الرجل، يقول: والله الذي لا إله إلا هو، حلف بوحدانية الله، برب الأرباب جل في علاه، حلف به، وأنت ترى على خلاف ما حلف. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: كان أمر عيسى عليه السلام أنه دار بين أن يتهم الحالف يكذبه، أو أن يتهم بصره فيكذبه، مقابل أن يعظم الرب، وأن الله عز وجل لا يرد إذا حلف. فقال ابن القيم: فآثر عيسى عليه السلام أن يكذب عينه التي رأت الحادث، فقال: «آمنت بالله وكذبت عيني»، «آمنت بالله وكذبت عيني»، ففيه ماذا؟ فيه التعظيم والتوقير لله سبحانه وتعالى. فأنت قد تبتل يا عبد الله أحيانًا ببعض الناس تقالت معهم في نقاش: والله ما فعلت، قف، قل: حلفت لك، لكن ما حلفت، وحسبك الله، هذا كل من باب التعظيم والتوقير للفظ الجلالة سبحانه وتعالى. وهذا الذي فعله عيسى عليه السلام، وهذا الذي كما قال علماء، وهذا الذي وقع لآدم نفس الذي وقع لآدم عليه السلام. من الذي جاء لآدم وطلب منه وحثه على أن يأكل من الشجرة؟ إبليس هو الذي حثه، طيب من الذي جعل إبليس من الذي جعل آدم عليه السلام يأخذ بقول إبليس؟ قال علماء: لما قام إبليس وحلف بالله أنه من الناصرين، حينها من باب تعظيم آدم لربه، ما ظن أبدًا أن أحدًا سيحلف بالله كاذبًا، ما يظن أحد أن يتحرى أن يحلف بالله كذبًا حاشا، ولو كان من إبليس. ولهذا كان من أمر آدم أن صدق إبليس لأنه حلف بالله، كان من تعظيم الله سبحانه وتعالى. وهكذا كعيسى عندما حلف له الرجل أنه ما فعل: والله ما فعلت، قال: كذبت نفسي، رأت ولا ما رأت، أنت حلفت بالله، ما يرد خبر، ويرد إيمانك. وهكذا إخواني في الله، فليكن لنا تعظيم الرب سبحانه وتعالى، متى ما طرق على مسامعنا: والله، وبالله، وتالله، فليكن لها تعظيم في النفس. حلف لك رجل ولو على خلاف ما تظن: والله ما فعلت، قلت لك: أيمان خاص، مصدق عندي يا فلان، مصدق، حلفت، حلفت، تعظيمًا لله. وهكذا كان عيسى عليه السلام، ومن هنا كذلك استفاد العلماء فائدة من هذا الحديث أن الحدود تدرأ بالشبهات، وهذا طبعًا على المحمل الأول أن الحدود تدرأ بالشبهات، لأن ربما تقع مسألة لكن يحمل على أكثر من محمل، تحمل على أكثر من محمل، لربما الذي فعل تلك الفعلة أو قال تلك المقالة لربما فعلها لأمور، فعلها في معترك معين، فعلها لضابط معين. فإجعلك عدة احتمالات، لا تأتي إلى مسألة وقع فيها شخص ثم سرعان ما ترميه بحكم، ربما يأتي الرجل مسألة ضغط، كان يكون مكره، قد يكون ملزم، قد يكون مضغوط عليه، قد يكون في أمر أنت ما عندك خلفية، الأمر له أسبقية، أمور تخفى عليك، فلا تستعجل في إطلاق الأحكام، لا تستعجل في إطلاق الأحكام. فكيف إذا قال لك رجل ما يا عبد الله: أنا وقعت في هذا، والله لأمر ما، والله لأمر، أمر اضطرني لهذا، وصل لك يمينك، اذهب، أنت مصدق عندي، فأما بعد ذلك يأتي العالم والشيخ والمفتي ويأتي بالأدلة الدالة على أن ما صدر منه إنما كان لقصد معين. إخواني فينا فينبغي أن تدفع الشبهات، أن تدفع الحدود، أن تدفع حتى الأحكام إذا كانت هناك شبهة أو احتمال شبهة واقع لهذا. وكما استفاد العلماء من هذا الحديث لأن الرجل ربما أخذ المال لعدة اعتبارات، إن كان ظاهرها سرقة لكن تحتمل كذا وتحتمل كذا وتحتمل كذا. فالحاصل أن هذا الحديث يستدل به العلماء على وجوب تعظيم الرب سبحانه وتعالى، ولو كان بنفس ما وقع لعيسى عليه السلام عندما رأى الرجل، وليعلم الكاذب إن كان الرجل إذا حلف بالله كاذبًا، فليعلم أنه إن نجى إن نجى من حكم الدنيا أو نجى من فضيحة الدنيا، باقي ما عند الله سبحانه وتعالى أعظم وأشد وأنكى. إن خشيت يا عبد الله أن يفتضح أمرك عند قريتك، فما رأيك بفضيحةك أمام الخلائق أجمعين؟ هذا أشد، فالله الله عبد الله بالصدق، ولا تتجرأ على الحلف بالله كاذبًا، فإن ذلك من أعظم العظائم والموبقات أن تتجرأ على أنك تقدم على الحلف بالله وأنت مستيقن الكذب، بل هذه من الموبقات التي توبق صاحبها في غضب الله سبحانه وتعالى. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه وليه ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.