الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 12، ألقاها
يناقش أزلية صفات الله تعالى وعدم تغيرها، ويفرق بين القول بقدم الحوادث وعدم وجود أول لها وبين القول بقدم العالم. يُبين أن صفات الله أزلية وأبدية.
يناقش مسألة تسلسل الحوادث في الماضي وآراء مختلف الفرق الإسلامية حولها، حيث يرى أهل السنة أن الحوادث في الماضي لا أول لها. يشرح اختلاف المذاهب حول هذه المسألة.
يوضح بعض العبارات المذكورة ويكتفي بهذا القدر من الشرح، ويشدد على أن الله تعالى هو الأعلم. يُبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية لم يقل بقدم العالم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام المجتهد الفاضل طحاو رحمه الله: قال رحمه الله: ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، لم يزد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليا كذلك لا يزال عليها أبديا، ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بأحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق. وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق. هذه جملة هي مرتبطة بعضها ببعض، ومعناها واحد. يريد المؤلف رحمه الله تعالى أن نبين، كما تقدم، معنى أن صفات الله جل وعلا قديمة. قد مرتبطة: ما زال بصفاته قديمة قبل خلقه. وهذا صحيح، وهذه العبارة الصحيحة. قال: ما زال بصفاته قديمة قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئا لم يكن قبلهم من صفته. فهو سبحانه وتعالى لم يزدد بشيء من الصفات لما خلقهم، وهو جل وعلا متصف بصفات الكمال والجلال جل وعلا، وهي صفات أزلية، صفات أزلية وقديمة بقدم الذات. فذات الله جل وعلا متصف بصفاته، فتكون كمال الله عز وجل، والكمال كما يقال لا يتصور إلا بالصفات. فصفات الله عز وجل متعلقة بذاته سبحانه وتعالى، لا تنفك عن ذاته. ومن ادعى أن هناك انفكاكا فهو مبطل. ثم قال: وكما كان بصفات أزلية كذلك لا يزال عليها أبديا. وهنا مسائل أذكرها، أهل المنطق غلطوا فيها، لكن نبين مذهب أهل السنة في هذه المسائل. فمنها مسألة التسلسل، تسلسل الحوادث. هذه المسألة: مسألة التسلسل الحوادث. قال الجهمية: أو نفت الجهمية التسلسل. وما معنى تسلسل الحوادث؟ معنى أن الحوادث ليس لها شيء أول بدأت به، كما أنها ليس لها منتهى. نعيم الجنة لا يفنى. فهذه الحوادث التي يحدثها الله عز وجل في العالم، هل لها منتهى؟ الجهمية يقولون: نعم لها منتهى ولها بداية. فيمنعون التسلسل في البداية في الماضي، وفي المستقبل يمنعون التسلسل في الماضي وفي المستقبل. وهذا هو قول أهل الجحود أو أهل التعطيل، وهم الجهمية. وهناك قول آخر قال به بعض الفقهاء من الحنفية، وكذلك من فقهاء الشافعية، وهم الأشاعرة والماتريدية، لكن بعضهم تأثر بهذا القول ممن كان مذهبه السنة. فقالوا: بأن التسلسل إنما هو في المستقبل، هذه الحوادث لا تنتهي، لكن الحوادث التي تكون في الماضي يكون لها أول. هناك شيء أول الحوادث. لكن اختلف منهم من يقول: العرش، منهم من يقول: كذا. وهذا المذهب هو مذهب الأشاعرة والماتريدية وبعض الفقهاء والأصوليين، وبعض الأصوليين. وهذا أيضا قول خطأ؛ لأنه فيه تعطيل صفات الله جل وعلا، فيه تعطيل صفات الله سبحانه وتعالى. والقول الثالث: وهو قول أهل السنة، والذي قرره جماعة المحققين من أهل السنة، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أئمة الإسلام. فقالوا: أن التسلسل يكون في الماضي، وفي الحاضر، أو في المستقبل، يكون التسلسل في الماضي، فإنه حوادث لا أول لها، حوادث لا أول لها. وكذلك أيضا كما أنه في النهاية حوادث لا أول لها، لا نهاية لها. فكذلك في الماضي حوادث لا أول لها. فالله عز وجل لم يكن معطلا عن الفعل، بل سبحانه وتعالى كاملا بذاته وصفاته، سبحانه وتعالى. وليس لصفاته أول حتى يقال: أن هذه الصفات حدثت بعد أن الله عز وجل متصف بهذه الصفات قبل أن تكون هذه الصفات. وهو ما سنذكره الآن. هذه المسألة تولدت عليها مسائل أخرى: مسائل معنى التسلسل في الآثار، وفي التأثيرات أو المؤثرات. لكن هذا نتركه. أهم شيء نعرف أصل المسألة. أهم شيء نعرف أصل المسألة، وهي التسلسل في الماضي، وهو تسلسل الحوادث. فحوادث في الماضي لا أول لها، كما أنه حوادث المستقبل لا نهاية لها. كما أنه، كما قلنا في المستقبل، ونصير وغيرهم يقرون بذلك، أن هناك حوادث لا نهاية لها. كذلك أيضا في المقابل: أنه في الماضي أيضا حوادث لا أول لها. فهذا هو مذهب أهل السنة، والذي قرره هؤلاء الأئمة. المسألة الثانية التي ذكرها هنا المؤلف، فقال رحمه الله: ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بأحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب. الآن يقول: ليس بعد الخلق استفاد اسم الخالق. معنى اسم الخالق قبل أن يخلق: أن الله عز وجل خالق قبل أن يخلق، وباري قبل أن يبري. وأيضا هو رب قبل أن يكون هناك مربوب. قوله: معنى الخالق ولا مخلوق: الخالق موجود، لكن ليس هناك مخلوق. معنى كأن صفة الله ليست موجودة، صفة الخلق. الله عز وجل يتصف بالصفة أنه له الخلق، لكنه ليس هناك مخلوق. وإنما يقولون: أن المخلوقات هذه حدثت بعد إذ لم تكن، حدثت بعد إذ لم تكن. فيقولون: أن الحوادث لها أول. الحوادث لها أول. وهذا هو المذهب الذي ذكره هنا المؤلف، وهو قول الماتريدية، وقول الأشاعرة، وبعض الفقهاء من الشافعية. وأما قول الجهمية معروف. قول الجهمية معروف مثل المسألة التي ذكرناها قبل. فيقولون: أنه لا أسماء ولا صفات، لا أسماء ولا صفات ذات مجرد. وأما أهل السنة فيقولون بمذهب يقال له مذهب التعقيب. مذهب التعقيب. والأشاعرة والماتريدية مذهبهم يسمى مذهب التراخي. مذهب التراخي. وهذا مذهب التعقيب، وهو معناه: وإن كانت هذه التسمية جاءت قريبة، لكن من بعد فقط تسهيل هذه المسألة. فمسألة الذي قال بها أهل السنة، والذي أيضا قرره شيخ الإسلام رحمه الله: أن هذه الحوادث ليس لها أول، وأن الله عز وجل متصف بصفاته. ولا نقول: أن الله عز وجل أولا كان خالقا ثم خلق، وكان رازقا ثم رزق. وأيضا أنه خالق ولا مخلوقات. هذا كلام غير صحيح. هذا كلام غير صحيح. معناه: أن الله عز وجل في فترة من فترات كان معطلا عن الفعل، ومعطلا عن الحركة. وهذا لا يقوله مسلم. فربنا جل وعلا كامل بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. وأيضا كذلك أن هذا تدخل في علم الله. تدخل في علم الله. ما أدرانا أنه كان هناك مخلوقات قبلنا؟ الله عز وجل خلق هناك مخلوقات قبلنا. ومما يدل على هذا: أن الله عز وجل لما قال: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾. ولهذا قال بعض المفسرين: هذا يدل على أن الملائكة قد عرفوا ذلك بالتجربة. عرفوا ذلك بالتجربة. وإلا ما أدراهم أن هؤلاء الذين يكونون في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء؟ فلهذا فهذا أمر غيب لا يعلمه إلا الله. فلهذا لا ينبغي أن نتدخل في مثل هذه الأشياء، ونعطل الله عز وجل عن فعله قديما أو بداية، ولا نعطل في النهاية. فما دام أنه فعله أزليا في النهاية، فكذلك فعله أبديا. فلهذا فعله أبديا. ولهذا قال هنا: وهو كلام صحيح، لكن نقضه بعد ذلك. وكما كان بصفات أزليا كان لا يزال عليها أبدية. كان لا يزال عليها أبدية. مثل صفات التي اتصف بها الرب جل وعلا، صفات أزلية ليست لها انتهاء أبدا. أزلية في السابق، في القديم، في الماضي. فكذلك أيضا هي أزلية، هي أيضا أبدية، ليس لها انتهاء، ليس لها انتهاء. فكما أنه بصفاته أزليا، فهو أيضا بصفاته أبديا سبحانه وتعالى. فهذا لازم. وهذا هو المذهب الصحيح كما قلنا. فليس هناك أول للحوادث كما يظن بعضهم. وهذا يسميه بعض العلماء قدم الجنسيات، أو قدم الجنس. قدم جنس العالم. وليس قدم العالم. أما القول بقدم العالم لم يقل به إلا الفلاسفة الكفار. وهو يؤدي إلى أنه لم يخلق، أو أن هذا العالم ليس مخلوقا. أن هذا العالم ليس مخلوقا. فهناك فرق بين أن يقال: حوادث لا أول لها، وبين أن يقال: أن هذا العالم مخلوقا. ولهذا تجد كثيرا من البدع ممن مثلا يحرج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك ينسب إليه أنه يقول بقدم العالم. وهذا كلام باطل، لم يقله شيخ الإسلام رحمه الله، لم يقله أبدا. لأن القول بقدم العالم هو قول الفلاسفة أصحاب أرسطو، طاليس وأصحاب ابن سينا والفارابي، فهم الذين يقولون بهذا القول: بأن العالم قديم. ومعنى ذلك: أنه ليس له خالق. ولكن شيخ الإسلام يقول: أن الحوادث التي هي صفات الله عز وجل ليس لها أول. وهذا فرق. وهذا فرق؛ لأن الله عز وجل متصف بصفات الكمال سبحانه وتعالى أبديا وأزليا. فصفاته قديمة بقدم الذات. صفاته قديمة وأزلية بقدم الذات، كما أنها كذلك أبدية. فهذا هو معنى كلام المؤلف رحمه الله هنا في قوله: فقوله: ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق. فهذه العبارة، وما بعدها من العبارات التي أخذت على الإمام أبي جعفر رحمه الله في هذه العقيدة. ليس بعد الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداث البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق. وكما أنه يحيي الموتى بعدما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم. فهذا كلام ليس بصحيح. وكذلك أيضا كلام الجهمية الذي يقولون: أن الله عز وجل لم يتسمى خالقا إلا بعدما خلق، بعدما خلق سمي خالقا، وبعدما رزق سمي رازقا. هذا أيضا كلام باطل. فهذا مما أخذ كما قلنا على المؤلف رحمه الله، وظهر أنه لم يقصد هذا القول، أو أنه اشتهر هذا القول عند الماتريدية. وأبو جعفر الطحاوي رحمه الله كان حنفي المذهب. وتجد أكثر أصحاب أبي حنيفة، خاصة بعد محمد بن الحسن، وأبي يوسف، أكثرهم كانوا ماتريدية. مثل أبي منصور الماتريدي، فإنهم من تلاميذ محمد بن الحسن. فلهذا فتجد أنه قال مثل هذه الأقوال. ولعل أبا جعفر الطحاوي رحمه الله تأثر بهذا. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه المسائل. وهناك مسائل أخرى، لكن أكثرها مسائل منطقية لا داعي لذكرها. لكن هذا من باب التوضيح في مثل هذه العبارات التي ذكرها المؤلف. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.