مختصر فقه الأسماء الحسنى  57

مختصر فقه الأسماء الحسنى 57

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 57، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

اسم الله الديان ودليله من السنة وقصة جابر

يشرح هذا المحور اسم الله "الديان" ويثبته بالسنة النبوية عبر حديث جابر بن عبد الله الذي رحل شهراً لسماعه من عبد الله بن أنيس. وفيه يحشر الناس عراة غرلاً بهماً ويناديهم الله: "أنا الملك، أنا الديان"، مبيناً معنى القصاص يوم القيامة.

القصاص يوم القيامة بالحسنات والسيئات

يشرح المقطع كيفية اقتضاء الحقوق يوم القيامة حيث يُقتص للمظلوم من حسنات الظالم، فإن فنيت حُملت عليه سيئات المظلوم مستدلاً بحديث المفلس. ويبين معنى اسم الله "الديان" بأنه المجازي المحاسب الذي يحشر الناس عراة غرلاً بهماً ليجازيهم بأعمالهم خيراً وشراً بلا ظلم.

آثار الإيمان باسم الله الديان ومحاسبة النفس

يبيّن المقطع أن الإيمان باسم الله الديان يوجب اليقين بالحساب والجزاء يوم القيامة، فيستعد المؤمن بمحاسبة نفسه يومياً على فراشه مراجعاً صلاته وبر والديه وحقوق جيرانه. ويستشهد بكلام ابن القيم وعمر بن الخطاب على أن الكيس من حاسب نفسه في دار المهلة قبل أن يفجأه الندم، وأن تزيين الأعمال بالصالحات هو الزاد للعرض الأكبر.

تخريج حديث جابر وتصحيحه وختام المجلس

يذكر الشيخ مصادر حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين والسنن، ويؤكد تصحيح الألباني له في صحيح الجامع. ثم يختم المجلس بالشكر للمشاهدين والدعاء بالخير والبركة.

  • 25 جمادى الأولى 1440هـ - 31/01/2019مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء": اسم الله الديان. قال: وهو اسم ثابت لله عز وجل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكما مر معنا أن أسماء الله الحسنى لا تثبت إلا بالكتاب والسنة أو بأحدهما، فاسم الله الديان لم يرد في الكتاب، أي في القرآن، إنما ورد في السنة، وهذا هو دليله سيذكره مطولاً. قال: قرأ الإمام أحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد، وابن أبي عاصم في السنة، والحاكم في المستدرك، وغيرهم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيراً. جابر بن عبد الله قال: لماذا اشترى البعير؟ من أجل أن يرحل، من أجل أن يرحل لطلب حديث واحد. استدل العلماء بهذا الحديث على فضل في طلب العلم. جابر خرج واشترى بعيراً، لماذا؟ لأنه بلغه حديث عن رجل، وهو كما سيأتي عبد الله بن أنيس. قال: فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلي، جهز ما يحتاجه في سفره. قال: فسِرت إليه شهراً، لأنه في الشام وجابر في المدينة. كم بين المدينة والشام؟ ما عندهم سيارات ولا طائرات، إنما كان على الراحلة. قال: فسِرت إليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، يعني صاحب الحديث، هذا هو عبد الله بن أنيس رضي الله عنه. فقلت للبواب، يعني كان رجل عند بابه: قل له جابر على الباب. فقال ابن عبد الله: جابر بن عبد الله صاحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني. يعني خرج عبد الله بن أنيس فرحاً بقدوم جابر بن عبد الله، وهكذا العلماء وطلاب العلم وأهل المنهج الواحد يفرح بعضهم بزيارة بعض. فخرج يطأ ثوبه، قال: فاعتنقني واعتنقته. وهذا فيه مشروعية المعانقة للقادم من سفر. والمعانقة انتبهوا: المعانقة ليست بمعنى التقبيل كما يفعل البعض، لا. المعانقة هي محاذاة العنق بالعنق، ولذلك سميت معانقة. فلا بأس مثلاً من وضع العنق على العنق، أو جهة الوجه على جهة الوجه، هذه هي المعانقة. قال: فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص، يعني القصاص يوم القيامة، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. انظر إلى حرصهم على العلم، حديث واحد، جهز له راحلة وصاحبه في مكان بعيد، فسار إليه شهراً كاملاً من أجل أن يسمع هذا الحديث، فخشي أن يموت جابر أو يموت من عنده هذا الحديث وهو عبد الله بن أنيس، فيحرم هذا الحديث وعلم هذا الحديث. وانظروا إلى حرصهم. فقال عبد الله بن أنيس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يُحشر الناس يوم القيامة، أو قال: العباد، عُراةً غُرْلاً بُهْماً». عُراةً يعني من غير لباس يستر عورتهم، وغُرْلاً يعني غير مختونين، وبُهْماً جاء تفسيره في الحديث. قال: قلنا: وما بُهْماً؟ قال: ليس معهم شيء، يعني ما معهم شيء من أموال ولا من يعني زاد ولا شيء، ما عندهم شيء، مجردين من كل شيء، مجردين من كل شيء. قال: ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، يعني الكل يسمعه: «أنا الملك، أنا الديان». هذا هو الشاهد: «أنا الملك، أنا الديان». فيه إثبات الديان لله عز وجل. قال: «ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه». وهذا معنى القصاص: لا يدخل أحد الجنة ولا النار حتى تعطى الحقوق أو تعطى له الحقوق. فهذا معنى قوله: ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه. ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه. يعني أقتص للظالم من المظلوم، حتى اللطمة، حتى اللطمة لأنها ظلم. إذا لطمت أحداً بغير حق هذا ظلم، فيقتص للظالم من المظلوم يوم القيامة. قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي نأتي الله عز وجل عُراةً غُرْلاً بُهْماً؟ يعني كيف تؤدى الحقوق وما عندنا شيء؟ ما عندنا أموال. موجة في أول الحديث بُهْماً، وقلنا: البهم الذي ليس معهم شيء. طيب، الذي أخذت منه دنانير أو أموال أو سيارة أو أخذت عليه أرض، كيف أعطيه هذه وأنا ما عندي شيء يوم القيامة؟ فهمتم هذا؟ فسأله بعض الرواة: قلنا: كيف وإن إنما نأتي الله عز وجل عُراةً غُرْلاً بُهْماً؟ فقال: «بالحسنات والسيئات»، كما جاء في الحديث الآخر: «من كان لأخيه شيء فليؤده اليوم»، يعني في الدنيا، قبل أن لا يكون لا درهم ولا دينار، إنما هي الحسنات والسيئات. وكما جاء في حديث أبي هريرة، حديث المفلس: قالوا: يا رسول الله، تدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. هذا هو المفلس فينا. قال: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، فيأتي وقد ضرب هذا، وقتل هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته أخذت من سيئاتهم فحطت أو طرحت عليهم». إذن يوم القيامة ما في إلا حسنات وسيئات. حسنات وسيئات. إن كانت لك حسنات وأنت ظالم أخذت عليك هذه الحسنات، فإذا فنيت حسناتك ما بقيت معك حسنات، أخذت من سيئات المظلوم فوضعت عليك. نسأل الله السلامة والعافية. قال: زاد الحاكم: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾. يوم القيامة لا ظلم، الله عز وجل لا يظلم الناس شيئاً، وحرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً. فيوم القيامة فيه عدل، فكل واحد يأخذ حقه. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾. ولا يظلم ربك أحداً. وكما قال الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾. عملت شراً تراه وتحاسب عليه يوم القيامة. فالشاهد من هذا الحديث: «أنا الملك، أنا الديان». الله عز وجل ينادي عباده فيقول: أنا الملك، أنا الديان. فيه إثبات اسم الديان لله عز وجل. وما معنى الديان؟ قال هنا المؤلف: والديان معناه: المجازي المحاسب الذي يجازي العباد بما عملوا من عمل في هذه الدنيا، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. قال: ﴿ وَاللَّهُ يَجْمَعُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً لَيْسَ عَلَيْهِمْ ثِيَابًا حُفَاةً حُفَاةً بِلا نِعَالٍ ﴾. هذا معنى حُفَاةً، وأن ما وردت في هذا الحديث إنما في حديث آخر ورد لفظ الحُفَاةْ، غُرْلاً وردت، أي غير مختتنين، كما خُلقوا. أما يولد الإنسان يولد غير مختن ثم يُختتن، فيوم القيامة يُحشر الناس كما خُلقوا من غير ختان. بُهْماً: من ليس معهم شيء من متاع الدنيا. ثم يجازيهم ويحاسبهم على ما قدموا في حياتهم الدنيا من أعمال، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. قال المؤلف: وإذا عرف العاقلون أن الرب سبحانه ديان، وأن يوم القيامة يوم جزاء وحساب، وأنه سيلقى الله ذلك اليوم لا محالة، وأنه في ذلك اليوم سيجد أعماله كلها محضرة، خيرها وشرها، حسنها وسيئها، فإنه سيحسب لذلك اليوم حسابه ويعد له عدته. وهذا من آثار الإيمان بهذا الاسم: أن توقن بأن الله ديان يجازي ويحاسب عباده يوم القيامة، فلتستعد لذلك الحساب بما يسرك وبما يرفع من قدرك، وما ذاك إلا بالاستقامة على دينه، وبامتثال أمره، وبالابتعاد عن نهيه سبحانه وتعالى. فهذا من آثار الإيمان بهذا الاسم. قال: فالكيس من دان نفسه وحاسبها ما دام في دار المهلة والعمل. كل واحد يحاسب نفسه: كيف هو مع أوامر الله؟ كيف هو مع صلاته؟ أهو محافظ عليها؟ أهو مؤديها بشروطها وأركانها وواجباتها؟ يسأل نفسه: كيف هو مع والديه؟ أهو بار بهما؟ أهو محسن إليهما؟ أهو قائم بخدمتهما؟ يسأل نفسه: كيف هو مع جيرانه؟ كيف هو مع أرحامه؟ كيف هو مع إخوانه؟ كيف هو مع كذلك كتاب ربه؟ أهو تال للقرآن محافظ على أحكامه وحدوده؟ يسأل نفسه: كيف هو مع محارم الله؟ أهو مبتعد عنها أم أنه واقع في شيء منها؟ يحاسب نفسه قبل أن ينام وهو على فرشه، يعرض، أي يعرض أوقات يومه الذي مضى من أول ما استيقظ من النوم، في ماذا قضى هذا اليوم. يحاسب نفسه: هل صلى الفجر في جماعة؟ هل أتى بأذكار الصباح؟ هل قرأ شيئاً من القرآن؟ هل حضر درساً من دروس العلم والإيمان؟ هل ذكر الله؟ هل صلى الصلوات الخمس في جماعة؟ كل واحد لما يأتي على فرشه يسأل نفسه. ذكر ابن القيم أن هذا من أعظم ما ينتفع به المؤمن: محاسبة نفسه عند النوم، يعرض ساعات يومه في هذا الوقت، في ماذا قضاها؟ هل جلس مجلساً فيه غيبة ونميمة؟ هل جرح مسلماً؟ هل أعان مسلماً؟ يسأل نفسه ويعرض أوقاته عند نومه، فيكون بذلك قد حاسب نفسه، ولعل هذه المحاسبة تحسن من بقية عمره. فلذلك قال: فالكيس من دان نفسه وحاسبها ما دام في دار المهلة والعمل، والعاجز من أهملها سادرة في غيها وأتبعها هواها إلى أن يفجأه الندم. قال: وفي هذا المعنى يقول الشاعر: أما والله إن الظلم لؤم *** وما زال المسيء هو الظلوم إلى ديان يوم الدين نمضي *** وعند الله تجتمع الخصوم والمعنى واضح: الظلم عاقبته وخيمة، والظالم مبغوض عند الله وعند خلقه، ومن أساء فقد ظلم. وكما تقدم: الظلم قد يكون ظلم العبد لنفسه، وقد يكون ظلم العبد لغيره، وقد يكون الظلم بمعنى الشرك. إلى ديان يوم الدين نمضي، يعني إلى الله ديان، نسبه إلى اسم الله الديان، يعني لنا يوم نمضي فيه إلى الله، وعند الله تجتمع الخصوم. إن كنت خصماً لأحد فسيحكم الله عز وجل بينكما يوم القيامة، ويقتص للظالم من المظلوم. قال الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. حاسبوا أنفسكم في الدنيا هنا قبل أن يحاسبكم الله يوم القيامة. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا. أي عمل تقدم عليه حاسب نفسك: أهذا العمل يرضي الله أو يغضب الله؟ هذا العمل طاعة أو معصية؟ هذا العمل خير أو شر؟ حاسب نفسك، حاسب نفسك، وزن هذه الأعمال قبل أن توزن يوم القيامة، فإن كانت شراً حوسبت على هذا الشر. قال: فإنه أهون عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، العرض على الله. تزينوا له يعني حسنوا أعمالكم وزينوا أعمالكم بالأعمال الطيبة الأعمال الصالحة. ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾. ما تستطيع أن تخفي شيئاً من أعمالك في هذه الدنيا، قد تخفي بعض الأعمال على الخلق، تكون بينك وبين الله لا يعلمها إلا الله، لكن يوم القيامة ما تستطيع أن تخفي شيئاً أبداً، ولربما تفضح أمام الخلائق، والعياذ بالله. فإذن هذا من آثار الإيمان بهذا الاسم، اسم الله الديان. وقد ورد في هذا الحديث، وحديث جابر هذا ذكره البخاري معلقاً في صحيحه، ولكن وصله كما ذكر هنا في الأدب المفرد، وفي السنة لابن أبي عاصم، وفي مستدرك الحاكم، وحسن هذا الحديث العلامة الألباني كما في صحيح الجامع، فهو حديث ثابت ولله الحمد. والمنى نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى، شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة.