الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 102، ألقاها
يبدأ الشرح بحديث نبويا رواه الإمام النسائي عن حب النبي للنساء والطيب وجعل قرة عينه في الصلاة، ويبين سند الحديث ورواياته المختلفة.
يناقش أهمية التوازن بين الاستمتاع بأمور الدنيا المباحة وطاعة الله، مستشهدا بحديث النبي الذي يدل على أن الكمال هو الجمع بين أمور الدنيا والآخرة.
يُبرز أن المرأة الصالحة من سعادة المرء في الحياة الدنيا، والصلاة قرة عين النبي، وكان السلف يخشعون في صلاتهم ويتفرغون لمناجاة الله.
يُنبه إلى ضرورة الخشوع في الصلاة وقراءة القرآن، ويعتبر عدم الخشوع دلالة على عدم وجود قلب حي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مغلون هاج، رحمه الله: قال الإمام النسائي، رحمه الله، وهو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ابن شعيب بن بشير النسائي: أخبرنا الحسين بن عيسى القومسي، قال: حدثنا عفان بن مسلم، وهو أبو عثمان الصفار، من ثقات أهل البصرة ومتثبتين، قال: حدثنا سلام أبو المنجاب، وهو سلام القارئ النحوي، وكان صدوقا، أنكرت عليه بعض الأحاديث، لكنه في الجملة صدوق، وكان أيضا ممن سكن البصرة، وكان قارئا للقرآن، وأنكر بعضهم عليه بعض الحروف أن يقرأ بها، قال: عن ثابت، وهو ابن أسلم البناني، ومحمد عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة». قال: هذا حديث حسن. قال: والحديث أخرجه الإمام أحمد، فقال: حدثنا أبو عبيدة، وأبو الحداد، أبو عبيدة الحداد، عبد الواحد بن واصل البصري، سكن بغداد، وهو صدوق، وله كتاب، كما قال الإمام أحمد: كتابه صحيح، ليس هو بالحافظ، لكن كتابه صحيح، قال: عن سلام بن منذر، عن ثابت: أن أنسا سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة». قال: حدثنا أبو سعيد مولى بن هاشم، وأبو سعيد مولى بن هاشم من مشايخ الإمام أحمد، وهو عبد الله بن عبد الرحمن، فهو من أكثر عنه الإمام أحمد في المسند، وهو ثقة، قال: حدثنا سلام أبو المنذر القارئ، قال: حدثنا ثابت عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة». قال: وخرجه أبو يعلى، فقال، رحمه الله: حدثنا عمار أبو ياسر، وعمار هو عمار بن هارون أبو ياسر الدلال، وفيه ضعف، بل بعضهم جرحه، حتى قال: إنه متروك، فقال عمار الموصلي: سألت عنه ابن المديني فلم يرضه، قال: حدثنا سلام أبو المنذر به. لكن هنا متابع، فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما يحبه في هذه الدنيا، وأمر الدنيا كله لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يزهد فيه أو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرغب فيه، لكن هناك أشياء جعلها الله عز وجل من حلال الدنيا، وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، ومن ذلك الحلال الذي أحله الله عز وجل، وجعل الناس يستمتعون به النساء، كذلك الطيب. قد قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، أي إذا فرغت من أمر الدنيا ومما أحل الله عز وجل لك من الدنيا فارغب إلى الله جل وعلا، وتعبد إلى الله سبحانه وتعالى، واخلص لربك سبحانه جل وعلا، وإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب أن يجعل إخلاصك لله. وهنا أيضا قال: «حبب إلي من الدنيا النساء والطيب»، مما جعله الله عز وجل من هذه الحياة الدنيا، وكما جاء أيضا في حديث حمزة عندما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لو أنكم تدومون على ما أنتم عليه لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن يا حمزة ساعة وساعة»، أي ساعة قد يتلهى النفس في أمر مباح من أمر الدنيا، مع اللعب مع الأطفال، وكذلك معاشرة الأزواج والنساء، وغيرها من هذه الأمور التي هي من حلال الدنيا الذي أحله الله عز وجل للناس في هذه الحياة. فهذا نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام الذي كمل الله عز وجل له طبعه وكمل خلقه عليه الصلاة والسلام في الدنيا، فإنه عليه الصلاة والسلام قال: «حبب إلي من الدنيا النساء والطيب»، وهذا يدل على أن هذا الأمر هو أكمل من ينصرف عن النساء بحجة العبادة أو بحجة العلم أو بحجة كذا، فإن هذه الطريق ليست طريقا صحيحة وليست طريقا كاملة. فالكمال هو من جمع بين أمور الدنيا المباحة وبين الآخرة، يعني جعل له أمرا من أمر الدنيا لا يجعله يصرفه عن طاعة الله جل وعلا، ولا يجعله يلهو حتى يغفل، وإنما يتمتع به في هذه الحياة، ولا ينسى أنه لله جل وعلا، وأن حياته كلها لله، فيعبد الله عز وجل بهذا الذي أباحه الله، يجعل عبادته لله فيما أباحه الله عز وجل. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي بضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته وتكون له صدقة؟ قال: «فكيف لو وضعها في الحرام، فيكون عليه وزر»، فهكذا يجعل العبد حتى ما كان مباحا في الدنيا يجعله طاعة لله جل وعلا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى أن الرجل يضع اللقمة في فم امرأته تكون له صدقة»، أن يضع اللقمة في فمها تكون له صدقة عند الله جل وعلا، وجرى الله عز وجل على ذلك قيامه بأولاده، قيامه بزوجته، يعتبر أيضا أجرا عند الله سبحانه وتعالى. «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت»، كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول، وجاء في صحيح مسلم: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة»، الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، فمن وفق بامرأة صالحة فهو في خير عظيم، وأيضا كذلك متاع عظيم من متاع الدنيا. وهي أيضا من سعادة المرء أن يكون له امرأة صالحة، وكما جاء في الحديث: «أربع من سعادة المرء وذكر منهن المرأة الصالحة»، فإذا كانت المرأة صالحة فإنها تكون من سعادة المرء في هذه الحياة، ومن مكملات دار الآخرة، لأنها تكون عونا له على طاعة الله جل وعلا. قال: «حبب إلي من الدنيا النساء والطيب»، كذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الطيب كثيرا، وكان لا يرده، كان عليه الصلاة والسلام لا يرده، بل كان يقول: «من أهدي إليه طيبا فلا يرده»، لأن الطيب هو زينة الرجال، وأيضا كذلك فيه أن الإنسان الذي يتطيب يحبه الناس، لا يجدون منه شيئا من الرائحة التي يتعففون منها، بل يكون بطيبه يرتاح منه الناس، وخاصة إذا كان في مجتمعات كالصلاة وغيرها. فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم من أطيب الناس عليه الصلاة والسلام، كما قال أنس: «وجعل قرة عيني في الصلاة»، وجعل قرة عيني، أي راحتي، جعلت راحته عليه الصلاة والسلام في الصلاة، ولهذا كان يقول: «أرحنا بها يا بلال»، فكان إذا دخل الصلاة ارتاح عليه الصلاة والسلام، فكانت قرة عينه عليه الصلاة والسلام في الصلاة، وكان يناجي ربه جل وعلا في صلاته. فلهذا فإذا دخل في الصلاة انشغل عن كل أمر، ولم يفكر إلا في أمر ربه سبحانه وتعالى ومناجاته جل وعلا، وهكذا كان السلف رحمهم الله، إذا دخل أحدهم الصلاة نسى ما كان وراءه، ولم يلتفت إلى ما يكون حوله، حتى أن بعضهم كان كما جاء في ترجمة سليمان بن يسار، أو أخوه مسلم بن يسار، كان إذا دخل إلى بيته سكت أولاده، فإذا أخذ في الصلاة قاموا ولعبوا، قاموا ولعبوا، فهو بعد ذلك لا يحس بهم. وسقط نصف المسجد وهو يصلي، ولم يلتفت، أكمل صلاته، ثم بعد ما صرف رأى الناس قد ازدحموا في المسجد لما سقط نصفه، وغيرها من قصص هؤلاء السلف رحمهم الله في صلاتهم وفي خشوعهم في الصلاة. فإذا دخلوا الصلاة تجد أدناهم لم يلتفتوا إلى غيرها، ويصلون صلاة مودع، كما جاء في حديث معاذ، وإن كان هذا الحديث لا يصح سندا، لكن قد تناقله الناس، ومعناه صحيح، أن الإنسان يصلي الصلاة مودع، أي أنه كأنه سيموت بعد هذه الصلاة، وهذا الشيء يمتاز به أهل الإيمان، كلما كان عقيده العبد في موته وأنه يظن أنه سيموت بعد هذا الفصل، أو قد يفاجئه الموت في أي لحظة، فإن ذكر الآخرة تكون في قلبه، ويكون أيضا قلبه حي، والناس يختلفون في ذلك من ناحية اليقين، فيزداد في أناس ويقل في أناس. فمن جعل الله عز وجل قرة عينه في الصلاة فليبشر بخير، لهذا كما قلنا كان الحسن يقول: «اختبر قلبك في ثلاث: اختبر قلبك عند الجنائز، وعند ذكر الله جل وعلا، وعند الصلاة»، وجاء في رواية: «وعند قراءة القرآن»، أنت في الصلاة، فمن اختبر قلبك في هذا فإن وجدت أنك لا تخشع في هذه الأمور، فقال: «فاذهب وابحث عن قلبك، فإنك لا قلب لك»، أي لا قلب لك حي. فهذا ما إن شاء الله ما يذكر في شرح هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.