الدرس في شرح تعظيم العلم 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن هذا المحور أن الصبر هو الأصل التاسع من أصول تعظيم العلم، متضمناً تحمل مشقة التعلم والتعليم لنيل أسمى الغايات. ويستدل بالآيات والأقوال على أن مجالس الفقه هي موطن الصبر القرآني، ومن لم يذل نفسه للعلم بقي في ذل الجهل.
يستعرض المقطع مشاق مرحلة التحمل كأعباء الحفظ والفهم وحضور الدروس ورعاية حق الشيخ، مستشهداً بتجربة ابن الجوزي ومثل النحل والعسل. ويؤكد أن الصبر يمتد لمرحلة الأداء والتبليغ بتحمل إعراض المتعلمين، مستنداً إلى قاعدة: من لم يركب المصاعب لم ينل الرغائب.
يتناول المحور ضرورة الصبر في التعليم رغم زلات الطلاب وقلة الحضور، وفي الطلب رغم الفقر وقلة ذات اليد من طعام ولباس. ويسوق أمثلة طلاب علم دماج الذين صبروا على الشدائد فنالوا العلم ونفعوا، مبيناً أن الثبات مفتاح الظفر بالرشد والعاقبة المحمودة.
يختتم المتحدث الدرس بالاكتفاء بما ذُكر من أصول تعظيم العلم المتعلقة بالصبر. ويختم حديثه بالدعاء لله تعالى بالخاتمة الحسنة والتوفيق.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا، قال الشيخ صالح العصيمي حفظه الله تعالى في كتابه "تعظيم العلم"، المعقد التاسع، أي الأصل التاسع من الأصول التي بها يعظم العلم: "الصبر في العلم تحملاً وأداءً". ومعنى "تحملاً": يعني أخذ العلم ودراسة العلم، كون الطالب متحملاً للعلم، آخذاً له. و"أداءً": يعني تعليماً وتدريساً، أي كون الشيخ أو المدرس مؤدياً للعلم. فهناك تحمل وهو تعلم العلم، وهناك أداء وهو تعليم العلم. إذ كل جليل من الأمور لا يدرك إلا بالصبر، وأعظم شيء تتحمل به النفس طلب المعاني تصبيرها عليه. وقوله: "إذ كل جليل من الأمور"، هل هناك شيء أجل من العلم؟ لا. ربما أهل الدنيا: من أراد أن يبلغ غاية أو مقصداً كبناء قصر، أو شراء سيارة، أو تزوج امرأة، حسنا، لا يبذل الغالي والنفيس من أجل أن يصل إلى غايته وإلى أمنيته، فصبر على التعب والنصب والشدة حتى يصل إلى مقصوده. فأعظم شيء هو العلم، هو العلم، فلا شيء أجل منه. ولذلك لم يأمر ربنا عز وجل نبيه من الاستزادة من شيء غير العلم. قال الله عز وجل: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. ما قال: "زدني مالاً"، ولا "جاهًا"، ولا "رئاسة"، ولا شيئاً من ذلك. فأعظم شيء هو العلم، وأجل شيء هو العلم، فهو أولى بالصبر، هو أولى بالصبر. ولذا قالوا: "أعظم شيء تتحمل به النفس طلب المعالي تصبيرها عليه". ولهذا كان الصبر والمصابرة مأموراً بهما لتحصين أصل الإيمان تارة، ولتحصين كماله تارة أخرى. والإيمان هو العلم، الإيمان هو العلم، إذ لا وصول إلى الإيمان إلا بالعلم. ولذلك الشيخ عبد الوهاب رحمه الله في كتابه "الأصول الثلاثة" قال: "اعلم رحمك الله"، الأول: العلم، والثاني: العمل، والثالث: الدعوة إليه، والرابع: الصبر. بماذا استدل على هذه الأربع؟ بسورة العصر. هل ذكر في سورة العصر العلم؟ نعم، لكن بلفظ ماذا؟ الإيمان. قال الله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فإذا لا إيمان إلا بالعلم. وربنا سبحانه وتعالى كما أشار المؤلف هنا أن تحصيل أصل الإيمان وكمال الإيمان... أصل الإيمان يعني الإيمان الذي به يكون العبد مؤمناً، فإذا فقد صار كافراً، هذا يسمى أصل الإيمان. وهناك كمال الإيمان، وهي الأعمال التي متى ما فقدت لا يكفر صاحبها، ولا يخرج من الإيمان، ولا يخرج من الإيمان، كالأعمال الصالحة التي لا يخرج بها الإنسان من دائرة الإيمان، كمثل الصدقة والصيام تطوعاً مثلاً، أو حتى الفريضة إذا تركها وهو ليس جاحداً لها على الصحيح، وكذلك بقية الأعمال. فكل الأعمال الصالحة من الإيمان. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة»، وفي رواية: «سبعون شعبة»، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. فإماطة الأذى عن الطريق من أعمال الإيمان، فهي من مكملات الإيمان. فمن ترك إماطة الأذى فلا يخرج من الإيمان، ولكنه ينقص إيمانه. فالإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعصية، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة. فإذن قال هنا: "ولهذا كان الصبر والمصابرة مأموراً بهما لتحصيل أصل الإيمان تارة، ولتحصيل كماله تارة أخرى". قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾. ذكر الإيمان ثم ذكر الصبر والمصابرة. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. فإذن بالعلم ينال العبد أصل الإيمان، وينال العبد كذلك كمال الإيمان، فهو داخل في معنى الآية دخولاً أولياً. العلم داخل في هاتين الآيتين دخولاً أولياً. قال يحيى بن أبي كثير في تفسير هذه الآية: "هي مجالس الفقه". بقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، يعني: اصبر نفسك مع أهل العلم، مع أهل الفقه، اصبر نفسك في مجالس العلم. ولذلك جاء عن يحيى بن أبي كثير في تفسير هذه الآية: أن هذه المجالس هي مجالس الفقه، الصبر في مجالس الفقه. قال: «وَلَنْ يُحَصِّلَ أَحَدٌ العِلْمَ إِلَّا بِالصَّبْرِ، فَإِذَا مَنْ لَصَبَرَ فَإِذَا مَنْ لَصَبَرَ فَإِذَا مَنْ لَصَبَرَ لَا يَنَالُ الْعِلْمَ». قال يحيى بن أبي كثير أيضاً: «لا يُستطاع العلم براحة الجسم». لا يُستطاع العلم، يعني لا يُنال العلم ولا يُكتسب العلم براحة الجسم. هو طالب علم ويريد يعني الراحة والدعة، ويريد أن يطلب العلم، وليس هناك شيء ينقصه، لا في مأكل ولا في مشرب، ولا في مجلس، ولا في حفظ، ولا في مذاكرة، ولا في مراجعة. لا بد من الصبر والتحمل. قال: «فمن الصبر يخرج من مضرة الجهل». قال الأصمعي: «من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً». من لم يحتمل ذل التعليم ساعة، بعض الناس عنده أنفة، إما فيمن يدرس عنده، فيراه أنه أقل منه سناً أو علماً أو نحو ذلك، لذلك فيتكبر وينصرف ولا يأخذ العلم. ولذلك جاء عن مجاهد بن جبر أنه قال: «لا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر». نعم، الذي يتكبر ولا يرضى لنفسه الذل في العلم فإنه لا يتعلم ولا ينال العلم. فمن لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً. إن صرف عن طلب العلم فبقي على جهله، مرت به الشهور والسنون وهو على ما هو عليه من الجهل. وفي هذا المعنى يقول ابن هشام النحوي رحمه الله: وَمَن يَصْطَبِرْ لِلْعِلْمِ يَظْهَرْ بِنَيْلِهِ وَمَن يَخْطُبِ الْحَسْنَاءَ يَصْبِرْ عَلَى الْبَذْلِ وَمَن لَّمْ يَذُلَّ النَّفْسَ فِي طَلَبِ الْعُلَا يَسِيرًا يَعِشْ دَهْرًا طَوِيلًا أَخَاذِلِي هذا معنى عظيم. "ومن يصطبر للعلم يظهر بنيله"، يصبر ينال نيل العلم. "ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل"، قيل له: هذه من أجمل النساء لكن مهرها عشر مليون، إذا هو راغب سيبذل هذا المال ويدفع هذا المال حتى ينال بها. "ومن لم يذل النفس في طلب العلا"، يعني العلم، "يسيراً"، يعني تطلب العلم سنة، سنتين، ثلاثة، أربع، لكن بعدها تعيش كل عمرك وأنت عالم. "قال: ومن لم يذل النفس في طلب العلا يسيراً يعش دهراً طويلاً أخاذلي". فصدق الأصمعي رحمه الله: من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً. قال: "وبه"، أي بالصبر، "تدرك لذة العلم، فيهون، يهون ما يلاقي الإنسان من متاعب ومصاعب، إذا ذاق طعم العلم". العلم له لذة وله حلاوة، لذته وحلاوته تنسيك ما تلاقي من متاعب ومصاعب، من متاعب ومصاعب. نذكر لكم أثراً ذكره ابن الجوزي عن نفسه في كتابه "صيد الخاطر". قال عن نفسه متحدثاً عن الشدائد التي نالته في بدء طلبه للعلم، وعن محامد صبره على تلك الشدائد، يقول عن نفسه: «ولقد كنتُ في حلاوة طلب للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل». يلاقي شدائد ويراها أحلى من العسل، قال: «لأجل ما أطلب وأرجو». قال: «كنت في زمن الصبا»، أي الصغر، «أخذ معي أرغفة يابسة، خبز يابس، ما هو خبز اليوم حار، لا، يابس منذ أيام وأسابيع، أرغفة يابسة، أخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى في بغداد، نهر اسمه عيسى». قال: «فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، كلما أكلت لقمة شربت عليها، لأنه قوي، ما يستطيع أن يستسيغه، فكان لا بد في كل كسرة وقطعة يأكلها يشرب عليها ماء، يشرب عليها ماء». قال: «وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، ما يهمه هذا الأمر، أكل يابساً، أكل طيباً، ما يهمه، يشعر بهذه اللذة في طلب العلم، فينسيه ألم الجوع وخشونة العيش». هكذا كانوا رحمهم الله تعالى. قال عن نفسه: «فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة السماع لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأحواله وأدابه وأحوال أصحابه وتابعيهم». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فمن لم يتحمل ألم التعليم لم يذق لذة العلم، فالعلم يحتاج إلى صبر. قال: «وَلَا بُدَّ دُونَ الشَّهْدِ مِنْ سُمِّ لَسْعَةٍ». ما معنى هذا؟ الشهد هو العسل في الشمع، تعرفون النحل يبني البيوت، البيوت هذه تكون شمعاً، فتضع فيه هذا العسل، فالعسل في الشمع يسمى شهداً، يسمى شهداً. فقول: «وَلَا بُدَّ دُونَ الشَّهْدِ مِنْ سُمِّ لَسْعَةٍ»، يعني إبر النحل، إبر النحل التي تلسع، التي تلسع. فمن أراده، يعني العلم، لا بد أن يصبر على ما يلاقي من ألم ومشاق. وعندنا مثل شعبي هنا، ماذا يقولون في المثل الشعبي؟ «الذي يريد العسل يصبر على قبص النوب». الذي يريد العسل يصبر على قبص النوب. النوب هو النحل، النوب النحل. فأنت إذا تبغى العسل وأدخلت يدك، ربما تأتي نحل تلدغك هنا، ولسع هنا، ولسع هنا، هل تبطل وتقول: خلاص ما أريد شي عسل؟ لو كل يعني نحال قال هذا، لما وصلنا شيء من العسل، ما حد صنع العسل أبداً، لكن يصبرون على سم اللسعة، على إبر النحل، لأنهم يريدون هذا العسل، ويرجع إليهم بالأموال الباهظة. وهكذا العلم، فلا بد دون الشهد، ولذة العلم، لذة العلم ألذ وأشهى من لذة العسل، المعنوي، من لذة العسل المعنوي. فمن أراد لذة العلم فليصبر على ما يلاقي من متاعب ومصاعب، فيصبر ويتحمل، فسيرى الثمرة بإذن الله. قال: «وكان يقال: من لم يركب المصاعب لم ينل الرغائب». هذه حكم، من لم يركب المصاعب، يريد شيء بطريقة سهلة، دون تعب ودون مشقة، هذا لم ينل الرغائب، ما ينال ما يرغبه وما كذلك يتطلع إليه. فمن لم يركب المصاعب لم ينل الرغائب. قال: «وصبر العلم نوعان: أحدهما صبر في تحمله وأخذه». فالحفظ يحتاج إلى صبر، والفهم يحتاج إلى صبر، وحضور مجالس العلم يحتاج إلى صبر، ورعاية حق الشيخ تحتاج إلى صبر. وهذا كلام معلوم ومعروف. فإنك إن أردت الحفظ لا بد أن تربط نفسك بسارية، وأن تكرر المحفوظ، فتكرارك للمحفوظ يحتاج إلى صبر. وقولي "تربط نفسك" ليس معناها تأتي بحبل وتعصب، لا، إنما تلزم، تلزم سارية، وتكرر، تكرر هذا المحفوظ. هذا يحتاج إلى صبر. ربما لو قرأت مرة ومرتين وما عندك صبر، مللت وتركت، ففاتك الحفظ. فالحفظ وتكرار المحفوظ يحتاج إلى صبر. وهكذا الفهم يحتاج إلى صبر، لا تقول: أنا جلست في درس ما فهمت إلا قليلاً، فتذهب وتترك العلم، لا، اصبر. ما فهمت في المرة الأولى، ما فهمت في دراسة هذا الكتاب في أول مرة، ادرسه مرة ثانية، بل وثالثة، بل ورابعة. وهذا شأن العلماء، كم درسوا في كتب أهل العلم، ليس مرة. وقد مر معنا قراءة العلماء لصحيح البخاري، منهم من قرأه مرتين، ومنهم من قرأه أكثر من ذلك، وهكذا غيرها من العلوم. فيحتاج الفهم إلى صبر. بل حضور مجالس العلم يحتاج إلى صبر، تجلس ساعة في درس، في درس يحتاج منك إلى صبر، لا تمل ولا تكل. وهكذا النفس تحب الراحة والدعة، تحب الراحة والدعة، فلربما تدفعك هذه النفس الأمارة بالسوء إلى الراحة وضياع الأوقات في القيل والقال، والثقافة العامة من هنا وهناك، فتضيع وقتك في هذه المضيعات، ولا تلزم حلقة العلم ودروس المشايخ والمدرسين. فجلوسك في مجالس العلم يحتاج إلى صبر. ورعاية حق الشيخ تحتاج إلى صبر، قد يكون الشيخ والمدرس فيه شيء من الحدة، أو فيه شيء من أسلوب التربية، فلربما يرى الشدة على الطالب، أو سؤال الطالب، فلا تكون شدة الشيخ وحرص الشيخ على مراجعة الطلاب لدروسهم سبباً لانصرافك عن درسه. فكما تقدم: من لم يحتمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً. وإن شعرت بشيء من الذل أمام الشيخ، أو شيء من يعني الشدة عليك، فاصبر، فاصبر، فإن هذا أيضاً من معاني الصبر في تحمل وأخذ العلم، لتحمل وأخذ العلم. قال: «والنوع الثاني: صبر في أدائه وبثه وتبليغه إلى أهله». إذا تمكنت من العلم وصرت مهيئاً لتدريس غيرك، فهذا أيضاً يحتاج منك إلى صبر. كيف إلى صبر؟ قال: «فالجلوس للمتعلمين يحتاج إلى صبر». أيضاً المدرس يحتاج بجلوسه إلى صبر، قد يجلس الساعة أو الساعتين للطلاب، أو لتحفيظهم القرآن، هذا يأتي ويقرأ، لا تمل وتقول: يعني كم سأجلس؟ يحتاج منك هذا إلى صبر، واحتسب الأجر. وتبليغه إلى أهله، فقد يكون كذلك من تعلمهم عندهم شيء من الإعراض، أو من عدم المبالاة، فلا يكون هذا سبباً في انقطاعك عن بث العلم، انقطاعك عن الدعوة إلى الله عز وجل. فجلوس للمتعلمين يحتاج إلى صبر، وإفهامهم يحتاج إلى صبر، واحتمال زلاتهم يحتاج إلى صبر. إفهامهم: قد تدرس ثم تسأل عن الدرس، عندك يا فلان؟ قال: والله ما عندي جواب. عندك يا فلان؟ ما عندي جواب. لا تقول: أنتم ما فيكم خير، ما تفهمون، أنا أدرس، يعني أيش سواري أدرس؟ لا، لا، لا، لا تنزعج، يعني الدرس مرة أخرى، وحاول تفهمهم، وتبسط لهم، وتقرب لهم المعلومة، واصبر. لا يكون عدم فهم الطلاب سبباً في انقطاعك عن تعليمهم. فإفهامهم يحتاج إلى صبر. واحتمال زلاتهم يحتاج إلى صبر. أنت تدرس، واحد ما يتأدب بآداب مجالس العلم، فعلى شيء تلفت، أو تكلم مع جاره وأنت تتحدث، أو نحو ذلك، فاصبر، احتمل زلاتهم وأخطائهم، وعلمهم، واصبر عليهم. هذا أيضاً من الصبر في أداء العلم وبثه. ومن الصبر كذلك: أن لا تبالي بعدد الحضور، ولو يحضر لك إنسان واحد، لا يكون قلة الحضور في درسك سبباً لانقطاع العلم، لانقطاع العلم، بل اصبر. فلي أن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم. فكل هذا يحتاج إلى صبر. فكم من ربما مدرس بسبب هذه العوائق انصرف عن هذا الطريق، طريق بث العلم ونشر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. قال: «وفوق هذين النوعين من صبر العلم، الصبر على الصبر فيهما والثبات عليهما». فالصبر على العلم يحتاج إلى صبر فوقه، وهو الثبات عليهما، على العلم في تحمله وكذلك أخذه، وهكذا صبر في أدائه وبثه، ثبات على ذلك. معنى الثبات: الاستمرار وعدم الانقطاع، وعدم الانقطاع. قال: لِكُلٍّ إِلَى شَأْوِ الْعُلَا وَثَبَاتٌ وَلَكِنْ عَزِيزٌ فِي الرِّجَالِ ثَبَاتُ قال: «ومن يلفم الصبر يظفر بالرشد». قال أبو يعلى الموصلي المحدث: «إني رأيت، وفي الأيام تجربة، للصبر عاقبة محمودة الأثر، وقل من جد في أمر تطلبه واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر». وهذا كلام الواقع يشهد له، للصبر عاقبة محمودة الأثر، فمن صبر وجد أثر هذا الصبر في حياته، وقل من جد في أمر تطلبه مع صبر، ويقول: واستصحب الصبر، إلا فاز بالظفر، يعني نال ما أراد، نال ما أراد. ومن الصبر في طلب العلم أيضاً: الصبر على ما يلاقيه، يلاقيه طالب العلم من قلة ذات اليد، ومن كذلك قلة ربما الطعام واللباس والمسكن. فطالب العلم ليس كغيره من عامة الناس الذين قد تفرغوا لأمر الدنيا، فطالب العلم تفرغ لأمر الآخرة، تفرغ لطلب العلم، فلا بد أن يناله شيء من النقص في الدنيا. وهذا كان حال سلفنا الصالح وعلمائنا الأجلاء، منهم من باع سقف بيته لفقره وتفرغه لطلب العلم، كالإمام مالك. ومنهم من انقطع عن حضور مجالس العلم لأنه ما عنده من الثياب ما يستر به عورته، كما وقع ذلك للإمام البخاري، كما ذكر ذلك حفص بن عمر، قال: «كنا نطلب العلم، وكان معنا الإمام البخاري، فافتقدناه، فسألنا عنه، وذهبنا إلى بيته، فإذا به ليست عليه ثياب، ما عنده ثياب، قال: فاشترينا له قميصاً، فلبسه وخرج معنا لطلب العلم». هكذا كان حال سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى. وقد مر معنا أيضاً عن ابن الجوزي أنه كان يأخذ معه الرغيف اليابس، رغيف يابس، ما هو طازج، ولا هو يعني فوقه إدام، وعليه يعني ما شاء الله الأكل الطيب، لا، خبز جاف حاف، ولا يستطيع أن يأكل كسرة منه إلا مع الماء، إلا مع الماء. هذا كان حالهم رحمهم الله تعالى. وإذا قرأت في سير العلماء تتعجب من صبرهم ومن حالهم في طلب العلم، في طلب العلم، ربما ما يجدون وقتاً للأكل والشراب، كما وقع ذلك لعبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: «كنا نطلب العلم في مصر ستة أشهر، ندور على المشايخ في النهار، ونقابل ونسخ في الليل، فذهبنا ذات يوم إلى شيخ، فقالوا: إنه عليم، يعني مريض، قال: فرجعنا، فرأينا سمكة، فاشتريناها، فلما ذهبنا إلى البيت، حضر مجلس شيخ، فذهبنا وتركناها، تركوا هذه السمكة وهم اشتهوها وأرادوا أكلها وطبخها، قال: فبقيت هذه السمكة حتى كادت أن تتعفن، أن تنتن، أي تتعفن، فأكلناها نيئاً، نية، يعني غير مطبوخة، أكلوها، ما وجدوا وقتاً لطبخها». انظروا إلى جدهم واجتهادهم، ما وصل أبينا الحال إلى هذا. لكن لو وجد طالب العلم شيء من النقص، الأكل مثلاً، ليس مثل أكله في بيته وبين أهله، أو مثلاً بعوض، ما يقول: والله دار الحديث هذا في بعوض، بطلنا في طلب العلم، وذهب وترك طلب العلم، لا، تصبر، تتحمل، تعمل لك يعني أشياء تستطيل، ولا تصبر من أجل طلب العلم. والله الأكل ما هو بذاك، يعني أكل رز وصيد وخبز وإدام، ويعني أكل ما ناسبني، سبحان الله، أحمد الله ما وصلك بك الحال إلى أن تأكل كسرة يابسة، نعمة من الله عز وجل، لكن تصبر من أجل طلب العلم. وهكذا، فيصبر طالب العلم ما يعني أي شيء يستفزه، وأي شيء يعني يزعجه ويقطعه عن طلب العلم. وهذا ربما بسبب أننا ما شعرنا بلذة العلم وطلب العلم. لو نرجع بكم قليلاً إلى حال طلاب العلم في دماج، في هذا العصر الحديث، في حياة شيخنا الوادعي رحمه الله، الغذاء: رز من الكبير، هذا الأمريكي، وفوقه ربما بطاطة واحدة، بطاطة، وفوق الصحن خمسة نفر، هذا الغذاء، ما فيه لا سمك، ولا يعني شيء محسنات أخرى. والصبوح، الفطور والعشاء: كدمة، تعرفوا الكدمة؟ يعني مثل الروتي، هكذا واحدة، كدمة واثنتين، وفوقها قليل، هكذا إدام، أكثره ماء، كل الصحن ماء، تجد يعني ثلاثة وأربع، هكذا بطاطة أو شيء، والباقي ما، ولا استأكله. وسبحان الله، تشعر براحة ولذة في طلب العلم، ولا تبالي بهذه الأشياء، والحمد لله، تخرج من تلك الدار علماء ومشايخ، طلاب علم ودعاة إلى الله عز وجل. فالمهم أن كذلك طالب العلم يحتاج إلى صبر في الحالة الذي ربما يشعر فيها بشيء من النقص في مأكله، أو في مشربه، أو في مسكنه، أو في ملبسه. فلا شك أن طالب العلم ما سيكون مثل عامة الناس، سيكون عنده شيء من النقص في الدنيا، فليصبر، وليحتسب، وليعلم أنه ما أتى إلا لنيل العلم، ومن أجل أن يستفيد وأن يفيد غيره، فهذه النية يعني تكون سبباً في ثباته وفي صبره على طلب العلم. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى.