الدرس في شرح تعظيم العلم 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد المقطع أن الأدب عنوان السعادة والفلاح، وقلة الأدب سبب الشقاء والحرمان، مستدلاً بقصتي صاحب الغار وجريج العابد. ويبين أن طالب العلم يجب أن يتحلى بالآداب في نفسه ودرسه ومع شيخه وقرينه لنيل بركة العلم وفهمه.
يبرز المقطع عناية السلف الصالح بتعلم الأدب واعتباره مقدمة للعلم، مستشهداً بأقوال ابن سيرين ومالك بن أنس وابن المبارك. ويوضح آداب الجلسة عند القراءة على الشيخ مستندة لحديث جبريل مع التخفيف لمراعاة أحوال الناس.
يؤكد المقطع أن الأدب مقدم على العلم في طلبه، مستشهداً بوصية أم مالك لابنها بأخذ الأدب قبل العلم من ربيعة. ويحذر من أن قلة الأدب مع العلماء تحرم طالب العلم بركة مجالسهم، مبيناً مظاهر سوء الأدب ومكانة العمامة.
يعلن المتحدث عن انتهاء المقطع أو الجلسة الحالية، مكتفياً بما تم طرحه. ويختتم بالحمد لله والشكر للحضور.
الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه. من أولاه شهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال شيخنا الشيخ صالح العصيمي -حفظه الله تعالى-: المعقد العاشر: ملازمة آداب العلم. قال ابن القيم في كتابه "مدارج السالكين": "أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب". المراد بالأدب هو السمت والخلق والتأدب في مجالس العلم، سواء أكان كما سيشير المؤلف في نفس الطالب ودرسه، أو مع شيخه وزملائه وأقرانه. فكلام ابن القيم عام في الأدب عامة، يدخل فيه دخولًا أوليًا الأدب في طلب العلم. وتمام كلام ابن القيم -عليه رحمة الله- أنه قال بعد قوله: "ولا استجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب": "فانظر إلى الأدب مع الوالدين كيف نجَّى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة، والإخلال به من الأم -أو الإخلال به مع الأم تأويلًا وإقبالًا على الصلاة- كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته وضرب الناس له ورميه بالفاحشة". فذكر هذين المثالين: المثال الأول ما جاء في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة. فالأول قال: "اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلًا ولا ولدًا ولا مالًا، فنأى بي طلب الشجر ذات يوم" -أي بعد به الرعي ذات يوم- "فلم أرح عليهما إلا وقد ناما"، يعني: لم يرجع إلا وقد ناما. قال: "فحلبت لهما غبوقهما، وانتظرت لهما حتى استيقاظهما، فلما استيقظ شربا غبوقهما". وفي رواية: "والصبية يتضاغون تحت قدمي"، يعني: يريدون هذا الغبوق. والغبوق هو حلب العشي. فلما تأدب هذا الابن مع والديه، وخدمهما هذه الخدمة، وبلغ به بره بوالديه أن وقف على رأسهما حتى بزغ الفجر، حتى طلع الفجر، أدبًا واحترامًا وتقديرًا للوالدين. فلما توسل بهذا العمل الصالح إلى ربه سبحانه وتعالى، فرج الله عنهم، فتحركت الصخرة شيئًا؛ لأنهم لم يستطيعوا الخروج. ثم دعا الثاني والثالث حتى أزيلت هذه الصخرة عن باب الغار، فخرجوا يمشون. انظر إلى الأدب كيف نجَّى صاحبه من هذه الكربة وهذه الشدة. وهكذا الإخلال به بالأدب، انظر إلى عاقبة ذلك. وأشار هنا إلى قصة جريج العابد. حديث جريج العابد معروف في الصحيح. لما كان يصلي، نادته أمه: "يا جريج". فقال: "يا رب، أمي وصلاتي". من الآن: أنا أستمر في صلاة، أو أستجيب لأمي؟ فاستمر في صلاته تأويلًا، يعني: اجتهادًا منه أن الصلاة أفضل من إجابة الوالدة. والمراد بالصلاة هنا صلاة نافلة؛ لأن إجابة الوالدين والاستجابة لهما من الفرائض والواجبات، وهذه نافلة، يقدم الواجب على النافلة. فلما لم يستجب لأمه، وأخلَّ بالأدب مع أمه، وأقبل على الصلاة، امتحن بأن الوالدة دعت عليه: "اللهم لا تمتّه حتى يرى وجوه المومسات" -أي الزانيات-. فاتهمته تلك المرأة، وصدّق الأمير والملك، فهدموا صومعته، وضربوه، ورموه بالفاحشة، حتى برأه الله بأن أنطق ذلك الصبي بقوله: "إن أباه هو الراعي وليس جريج العابد". فهذا يدل على أهمية الأدب، سواء كان مع الوالدين، سواء كان مع الأصدقاء، سواء كان مع الشيخ، سواء كان مع الدرس، سواء كان مع الكتاب، سواء كان مع... يعني جميع المجالات، ينبغي لطالب العلم أن يتأدب بالآداب الحسنة. قال: "والمرء لا يصم بغير الأدب، وإن يكن ذا حسب ونسب، وإنما يصلح للعلم من تأدب بآدابه في نفسه ودرسه ومع شيخه وقرينه". هذه مجالات الأدب لطالب العلم: يتأدب أولاً في نفسه، فلا يرى منه ما يخل بالأدب. وفي درسه كذلك، فلا يكون متلفتًا ومتكئًا ومهملًا في دروسه، ونحو ذلك من المعاني التي تدل على انخرام هذا الأدب والإخلال به. ومع شيخه، بأن يعرف حق الشيخ، فلا يرفع صوته عليه، ولا يجادله ويماري في العلم شيخه، ونحو ذلك مما سيأتي عن سلفنا الصالح -رحمهم الله تعالى-. قال: قال يوسف بن الحسين: "بالأدب تفهم العلم". فمن كان متأدبًا فهم العلم، وأما من كان غير متأدب فاته الكثير من العلم. قال: لأن المتأدب يراه العالم أهلًا للعلم فيبذل له، وقليل الأدب يعز العلم أن يضيع عنده. وآثار جاءت كثيرة عن السلف -رحمهم الله-. كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء، أراد الدرس، تصدق قبل أن يصل إلى الدرس، ويقول: "اللهم استر عيب شيخ عني، ولا تذهب بركة علمه مني". اللهم استر عيب شيخ عني، ولا تذهب بركة علمه عني. فإن الشيخ إذا رأى الطالب غير متأدب يقول: "هذا ما ينفعه العلم، ما هي الفائدة أن تعلمه ثم يسيل العلم وينفر بأفعاله وسوء أدبه عن العلم، ينفر بسوء أدبه وكذلك خلقه عن العلم". وكذلك جاء عن ميمون بن مهران -رحمه الله- أنه قال: "لا تماري" -يعني: تجادل- "من هم أعلى منك" -يعني: أعلى منك-. فإذا فعلت ذلك خزن عنك علمه، ولم تضره شيئًا. إذا كنت مماريًا وكثير الجدل والمناقشة، فإن هذا العالم يخزن عنك علمه، يعني: لا يعطيك العلم. وماذا يضره إذا فعل ذلك؟ لا يضره شيء؛ فإنه يعطي العلم من يراه متأدبًا أهلًا لذلك. وجاء عن الزهري -رحمه الله- أنه قال: "كان سلمة يماري ابن عباس" -يعني: يجادل ابن عباس-. قال: "فحرم بذلك خيرًا كثيرًا، حرم بذلك خيرًا كثيرًا". ذكر هذه الآثار، ذكرت هذه الآثار في "تذكرة السامع" عن السلف -رحمهم الله-. فصدق المؤلف -حفظه الله-: المتأدب يراه العالم أنه أهل للعلم، فيبذل له العلم ويعطيه العلم. أما من قل أدبه فإنه لا يعطى العلم، يخشى أن يسيل العلم بسوء أدبه. قال: سأل رجل البقاعي أن يقرأ عليه، فأذن له البقاعي. فجلس الرجل متربعًا، فامتنع البقاعي من إقرائه، وقال له: "أنت أحوج إلى الأدب منك إلى العلم الذي جئت تطلبه". والجلوس المتربع كجلوسكم الآن، أكثركم جالس متربعًا. لكن هذا كان عند السلف؛ لأنه يقرأ على الشيخ وحده، فيسند ركبتيه إلى ركبتيه، كما جاء في حديث جبريل: لما جاء جبريل في صورة رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، ماذا قال عمر؟ قال: "فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه". كيف هذه الجلسة؟ كيف عضد هذه الجلسة؟ نعم، جلسة التشهد، التشهد الأول. طيب، هذه هي جلسة طالب العلم إذا جاء يقرأ على شيخه. لكن هنا مع التنبيه: أن طالب العلم قد مثلًا يسأم أو يتعب، أو تشق عليه هذه الجلسة، أو أن يجلس جلسة واحدة، فلا بأس أن يغير. لا نشدد في ذلك. ولكن كلما استطاع الطالب أن يجلس جلسة طالب العلم، ما يشكو من ظهره ولا من شيء من الأمراض ونحو ذلك، ويستطيع أن يجلس جلسة طالب العلم، فهذا هو الأفضل والأكمل. لكن إن مثلًا طال المجلس وما يستطيع أن يجلس جلسة واحدة، فلا بأس إن شاء الله. ولكن كان السلف يهتمون بهذا، ولعل من أسباب ذلك أنهم كانوا يقرؤون على الشيخ وحده، فهم يأخذون بما جاء في حديث جبريل. هذا أولاً. ثانيًا: ما كان عندهم مثل عندنا من الأمراض وضعف الأجساد. الآن ربما الواحد ما يستطيع عشر دقائق وهو مثلًا متربع، أو وهو في جلسة التشهد ما يستطيع، يعني: ظهره وركبته... فلا بأس إن شاء الله، لا نشدد في هذا. ولكن يريد المؤلف من هذا: كيف كان السلف يعتنون بهذا الباب، باب الأدب. وقد رأيت في درس الشيخ صالح العصيمي -حفظه الله- أن بعض الطلاب من عدم قدرته على الجلوس يقف واقفًا، تجد بعد ساعة يعني كثيرًا من الطلاب يقفون، ما استطاع أن يستمر في الجلوس، يغير فيقف واقفًا، فلا ينكر الشيخ عليه، لا ينكر على من قام أو جلس على كرسي أو نحو ذلك؛ لأن المجلس طويل والأحوال تغيرت، ما استطع الآن الطالب أن يجلس الساعات الطويلة في جلسة واحدة. فالمهم يريد من هذه الآثار أن يبين اهتمام السلف -رحمهم الله- بأمر الأدب. قال: "ومن هنا كان السلف -رحمهم الله- يعتنون بتعلم الأدب كما يعتنون بتعلم العلم". يعني: كما أنهم يتعلمون العلم فيكتبون ويحفظون، كذلك يهتمون بتعلم الأدب: كيف يكسب الأدب، كيف يكسب الأدب؟ لأن الأدب منه ما هو جبلي، تجد الشخص متأدبًا من طبيعة ومن سجيته، ومن الأدب ما هو اكتسابي، فالأدب الاكتسابي هذا الذي يتعلمه الشخص، فكانوا يهتمون بهذا، وسيورد آثار ونضيف عليها ما تيسر إن شاء الله. قال: قال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم". الهدي المراد به: خلق وأدب الشيخ، كما مر معنا من السمت ومن السكينة ومن كذلك المعاملة مع المتحدث ومع الطالب ومع الناس عامة. كيف يأخذ هذا من الشيخ؟ كيف يأخذ هذا من الشيخ؟ فكانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم، يعني: يتعلمون الأدب. قال: "بل إن طائفة منهم يقدمون تعلمه على تعلم العلم". يعني: قبل أن يتعلم العلم، أولاً يتعلم الأدب. قبل أن يتعلم العلم، أولاً يتعلم الأدب. قال مالك بن أنس لفتى من قريش: "يا ابن أخي، تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم". وهذا هو شأن السلف -رحمهم الله-، كانوا يهتمون بأمر تعلم الأدب والحث عليه. يقول ابن المبارك: "تعلمت الحديث عشرين سنة، وتعلمت الأدب ثلاثين سنة". يعني: عدد سنين تعلم الأدب أكثر من عدد سنين تعلم العلم. وكذلك يقول مهنأ، وهو من خاصة تلاميذ الإمام أحمد: "صحبت أبا عبد الله" -يعني الإمام أحمد- "فتعلمت منه العلم والأدب"، فتعلمت منه العلم والأدب. وجاء عن الحسين بن إسماعيل عن أبيه قال: "كان يجتمع في مجلس أحمد -رحمه الله- زهاء خمسة آلاف"، يعني: قرابة خمسة آلاف أو يزيدون، كل هؤلاء يحضرون مجلس الإمام أحمد. قال: "خمسمائة يكتبون". كم بقي من خمسة آلاف؟ أربعة آلاف وخمسمائة. خمسة آلاف إذا نقصت منها خمسمائة صار الباقي أربعة آلاف وخمسمائة. فقال هنا: "خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلمون منه حسن الأدب والسمت". يعني: أربعة آلاف وخمسمائة ما يكتبون، وإنما يأخذون من الإمام أحمد السمت والهدي. العلماء تجد عندهم من المهابة والأدب والسمت والهدي، فيقتبس الطلاب والحاضرون من أدب العلماء. أيضًا مما جاء في أدب العلماء في مجالس العلم ما جاء عن الإمام الشافعي -رحمه الله- أنه قال: "كنت أصفح الورق بين يدي مالك صفحًا رقيقًا"، يعني: ما يقلب الورق بحيث يسمع، لا، صفحًا رقيقًا يعني: ما يسمع شيء فيه. لماذا يفعل هذا؟ قال: "هيبة له، لألا يسمع وقعها"، يعني: وقعها، يعني: صوتها عند قلبها، حتى لا يسمعها. انظر إلى شدة أدبهم -رحمهم الله تعالى-. يقول المؤلف: "وهم كانوا يظهرون حاجتهم إليه". قال مخلد بن الحسين: قال ابن المبارك يومًا: "نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم". هذا قالوا في زمانه، فماذا نحن نقول في زماننا؟ نحن أحوج وأحوج وأحوج إلى كثير من الأدب، إلى كثير من الأدب، أحوج ما نكون إلى كثير من العلم. قال: "وهم كانوا يوصون به ويرشدون إليه". قال مالك: "كانت أمي تعممني". وهذا فيه حرص السلف على العمامة. العمامة من فعل النبي -عليه الصلاة والسلام-، جاءت في بعض الأحاديث، وكانت عليه عمامة سوداء، وجاءت في بعض الأحاديث أنه أخرج عمامته -عليه الصلاة والسلام- لأن الجو كان حارًّا، كما جاء في بعض الروايات. فينبغي للمسلم أن يحرص على العمامة؛ لأنها من شعار أهل الإسلام وأهل العلم. فأعداء الإسلام اليوم أرادوا أن يطمسوا هوية المسلم، فأتوا بالبناطيل، وصوروا أن العمامة مع البنطال لا تكون يعني من المستحسن ولا يجتمع ذلك، فأتوا بالبناطيل، وأتوا بالقصات هذه الحلاقة، كيف تحلق هذا الحلاقة ثم تضع على رأسك عمامة؟ تريد الناس ينظرون إليها. هذا أيضًا من الأمور التي بها ربما يترك المسلم العمامة. فالعمامة شعار، كانت العرب تلبسها فأقرها الإسلام. هكذا قال شيخنا الوادعي -رحمه الله- في بعض فوائده: "العمامة عادة عربية أقرها الإسلام، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه يلبسون العمائم". طيب، قد يقول القائل: القلنسوة والكوفية؟ هذه جاءت في بعض الروايات، ولكن الأكثر لبس العمامة، الأكثر لبس العمامة. ولا نقول أنها واجب أو مستحبة، ولكن من لبسها بقصد الاقتداء والاهتداء بالنبي -عليه الصلاة والسلام- فيرجى أن يؤجر. وهذا شأن العادات التي جاءت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. كان ابن عمر ماذا يفعل؟ يتتبع الطريق التي كان يمشي عليها النبي -صلى الله عليه وسلم-. هذا قالوا: من العادات، لكن من فعلها اقتداءً بالنبي -عليه الصلاة والسلام- يرجى أن يؤجر على اقتدائه وإتسائه بالنبي -عليه الصلاة والسلام-. فإن شاء الله تحرصون على العمامة، وإذا كان هناك حر فلا بأس أن تخرجها، وتحرص أن تصلي في العمامة؛ لأنها من تمام الزينة، وقد قال الله عز وجل: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. المهم هنا يقول: مالك كانت أمي... مالك بن أنس يعني وهو صغير في طلب العلم، تعممني وتقول لي: "اذهب إلى ربيعة" -يعني: ابن أبي عبد الرحمن، فقيه أهل المدينة في زمنه- "فتعلم من أدبه قبل علمه، خذ من أدبه قبل أن تأخذ من علمه". قال: "وإنما حرم كثير من طلبة العصر العلم بتضييع الأدب". يقول لي أحد الشباب الذي كان عنده حدة وشدة، فدخل في بعض الفتن كفتنة الحجور، قال: "حرمت من مجالس علماء جلا". فكنا نذهب إلى المدينة، مجلس الشيخ عبد المحسن العباد عامر بالعلم والطلاب، فلا نجلس فيه لأننا سمعنا من هؤلاء أنه ما يعتني بالمنهج، وأنه ما يتكلم على الحزبيين، وأنه كذا وكذا. سبحان الله! قال: فحرمنا، فحرمنا علم كثير، هذا بسبب ماذا؟ قلة الأدب مع العلماء. كما تقدم: الجرح ليس لكل أحد. فالشيخ عبد المحسن العباد يعد محدث المدينة، وهو من أكبر العلماء في هذا العصر -رحمه الله وحفظه-. فالشاهد من هذا: أن طالب العلم ربما يحرم علم الشيخ بسبب مثل هذه الانفرادات والتجريحات التي ليست مبناها على الرجوع إلى العلماء الأجلاء، وإنما صادرة من أمثال هؤلاء. فالحذر من قلة الأدب مع العلماء. فكما ذكر: "إنما حرم كثير من طلبة العصر العلم بتضييع الأدب". فترى أحدهم متكئًا بحضرة شيخه في الدرس، وهو متكئ كأنه في بيته، كأنه على أريكته. بل يمد إليه رجليه، الشيخ موجود، رجله في جهة الشيخ. وقال: ويرفع صوته عنده: "يا شيخ، يا شيخ كذا"، ويرفع صوته. وهذا من قلة الأدب. ولا يمتنع عن إجابة هاتفه الجوال أو غيره، الدرس يقام والشيخ يتكلم، وجاءه اتصال، طلع التلفون، آلو، كيف، ويتكلم في جواله. سبحان الله! هذا أيضًا ليس من الأدب. قال: "فأي أدب عند هؤلاء ينالون به العلم؟" وكذلك معارضة الشيخ بالمجادلة. وليس معنى أن الشيخ معصوم، ولكن إن عندك شيء فتكلم الشيخ بأدب وتوقير واحترام وخفض صوت ونحو ذلك. قال: أشرف الليث بن سعد على أصحاب الحديث، فرأى منهم شيئًا كأنه كرهه، فقال: "ما هذا؟ أنتم إلى يسير من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم". ثم ما عندكم أدب، فأنتم تحتاجون ولو الشيء اليسير القليل من الأدب، فأنتم أحوج إلى هذا، إلى كثير من العلم. قال: فماذا يقول الليث لو رأى حال كثير من طلاب العلم في هذا العصر، خاصة مع الفوضى العلمية اليوم والردود؟ هذا يرد على الشيخ، ربما هذا الرد ما خلق يوم أن بدأ هذا الشيخ في التدريس. الشيخ يدرس، هذا الذي رد عليه ربما ما خلق، ثم يأتي ويرد على الشيخ الفلاني، ويجرح ويعدل، ويلمز وينبز، ونحو ذلك. هذا ليس من الأدب. لا تتقدم على العلماء. من قلة الأدب أن يتقدم الطالب على العالم، أن يتقدم الطالب على العالم في الحكم على الأشخاص أو الجماعات أو نحو ذلك. هذا من قلة الأدب، من قلة الأدب. وإنما إن معك شيء فاعرضه على العلماء بأدب واحترام وإجلال للعلماء. هذا أيضًا مما يقع فيه كثير من طلاب العلم. فنسأل الله أن يرزقنا وإياكم الأدب، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى أحسن الأخلاق والأعمال، إنه لا يهدي إلى أحسنها إلا هو، وأن يصرف عنا وعنكم سيء الأخلاق والأعمال، فإنه لا يصرف عنها إلا هو. نكتفي بهذا، وإلى هنا، والحمد لله تعالى، شكرًا.