الدرس في كتاب الصلاة 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش حكم الصلاة بعد طلوع الفجر استنادًا إلى حديث ابن عمر، ويبين ضعف الأحاديث الواردة في هذا الباب مع آراء أهل العلم حول جواز أو تحريم الصلاة النافلة. يذهب بعض العلماء إلى عدم جواز الصلاة النافلة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.
استدل بعض العلماء بفعل النبي عليه الصلاة والسلام لعدم جواز الصلاة النافلة بعد طلوع الفجر، بينما استدل آخرون بحديث عمر بن عبسة على جواز الصلاة حتى طلوع الصبح، لكن هذا الحديث ضعيف. يناقش المقطع آراء مختلف أهل العلم حول هذا الموضوع.
اختلف أهل العلم في حكم الركعتين بعد العصر، فقال بعضهم إنه من خصوصيات النبي، بينما قال آخرون بجواز قضاء الفائتة بعد العصر إذا وجد سببها. القول الأخير هو الأصح ويؤيده حديث علي وأفعال بعض الصحابة.
يشرح جواز صلاة النافلة الفائتة بعد العصر إذا كانت من ذوات الأسباب، ويشير إلى انتهاء قراءة الأحاديث في باب المواقيت وانتقال المؤلف إلى باب الأذان الذي سيتم تناوله في الدرس القادم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر، رحمه الله، بكتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب المواقيت: وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين». أخرجه الخمسة إلا النسائي. وفي رواية عبد الرزاق: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين الفجر». حديث من عمر: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين»، أخرجه أحمد، أبو داود، والترمذي، من طريق قدامة بن موسى، قال: حدثنا أيوب بن حسين، عن أبي علقمة، عن يسار مولى ابن عمر، قال: رآني ابن عمر أصلي بعدما طلع الفجر، فقال: يا يسار، كم صليت؟ قلت: لا أدري. قال: لا دريت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فقال: «ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا صلاة بعد الصبح إلا سجدتان». وهذا السند ضعيف؛ أيوب بن حسين لم يرو عنه إلا قدامة بن موسى، فهو مجهول، كما قال الدارقطني وابن القطان. والحديث لم يخرجه ابن ماجة. ورواية عبد الرزاق: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتين الفجر»، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، من طريق أبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، وهو شيخه، وهو شديد الضعف. قال النسائي فيه: متروك الحديث. وقال أحمد بن محمد: ليس بشيء، كان يضع الحديث ويكذب. وجاء الحديث عن الطبراني، من حديث أبي هريرة، وفيه إسماعيل بن قيس الأنصاري، قال البخاري والدارقطني: منكر الحديث. وجاء عند البيهقي مرسلا، عن سعيد بن المسيب، وسنده صحيح. وهكذا أيضا جاء عن عبد الله بن عمر، وقوله مثله، للدارقطني، عن عمر بن العاص، رضي الله عنه. حديث عمر بن العاص عند الدارقطني كذلك ضعيف، فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وهو ضعيف. فهذه الأحاديث في الباب ضعيفة، وهي شديدة الضعف، إلا حديث عبد الله بن عمر، فضعفه يسير، وهو مع مرسل سعيد بن المسيب قد يرتقي إلى الحسن، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: بطرقه في الإرواء. وهذا الحديث يدل على أنه نهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر، نهى عن الصلاة النافلة بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر، لا يصلى بعد طلوع الفجر إلا ركعتا الفجر. وبهذا يكون هذا الوقت من الأوقات نهى عن الصلاة النافلة المطلقة. وبهذا قال جمهور أهل العلم، قال جمهور أهل العلم: إنه يحرم أن يصلي الإنسان عند طلوع الفجر شيئا غير ركعتي الفجر. وذهب بعض أهل العلم إلى جواز صلاة الوتر في هذا الوقت، ورئي هذا عن بعض السلف أنه كان يصلي الوتر بعد طلوع الفجر. وبهذا قال الشافعية، بذكر الإمام النووي رحمه الله: أن هذا هو القول الصحيح عند الشافعية، وهو الجواز. وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال: الحديث لا يدل على التحريم، لكن يدل على عدم اتخاذ هذا الوقت وقتا للصلاة. أما إذا صلى الإنسان غير ركعتي الفجر، ولم يتخذ ذلك سنة، فإنه لا بأس بذلك. والأظهر، والله أعلم، قول الجمهور على صحة الحديث؛ فإن هذا نفي للصلاة «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين»، يعني: لا يصلى بعد طلوع الفجر إلا سجدتان. هذا النفي يدل على النهي، والأصل في النهي أنه للتحريم. ويؤيد ذلك فعل النبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنه كان إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتي الفجر. فهذا يدل على أن هذا الوقت ليس وقتا للصلاة النافلة المطلقة التي يتقرب بها العبد لله جل وعلا. واستدل من قال بالجواز بحديث عمر بن عبسة، عند أبي داود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «صلي حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ثم صلي ما شئت، فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تصلي الصبح». قال: هذه الرواية تدل على أن للمسلم أن يصلي ما شاء من الصلوات حتى يصلي الصبح، أي صلاة الفجر. لكن هذا الحديث في صحيح مسلم، وليس فيه هذه اللفظة: «ثم صلي ما شئت حتى تطلع الصبح، أو صلي فيه، فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تصلي الصبح». هذه اللفظة لا توجد في رواية الإمام مسلم. ولا شك أن ما في صحيح مسلم هو أصح، فيكون مقدماً على رواية أبي داود. فعلى هذا، فالأرجح كما قلنا، والله أعلم، أنه لا يصلى شيء بعد طلوع الفجر إلا ركعتا الفجر. فمن فاته الوتر، نقول: صليها في الضحى، في وقت الضحى. وهذا كان هدي النبي عليه الصلاة والسلام إذا فاتته الصلاة من الليل بوجع أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة. قال رحمه الله: وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، ثم دخل بيتي، فصلى ركعتين. فسألته، فقال: شغلت عن ركعتين بعد الظهر، فصليتهما الآن. فقلت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا. أخرجه أحمد. هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله، من طريق حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن ذكوان، عن أم سلمة. وأعل هذا الحديث بعلتين: الأولى عدم سماع ذكوان من أم سلمة، وإنما تعرف رواية ذكوان عن مولاته عائشة رضي الله عنها. والعلّة الثانية تفرّد حماد بن سلمة في رواية هذا الحديث بذكر هذه الزيادة «أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا». هذه الزيادة تفرّد بها حماد بن سلمة، وخالف غيره من الرواة الثقات، الذين لم يذكروا هذه الزيادة، كعمرو بن الحارث، ووكيع بن الجراح، ومعمر بن راشد. فلهذا حكم أهل العلم على هذه الزيادة بالضعف أو النكارة. وأصل الحديث في البخاري: أن أم سلمة رضي الله عنها سئلت عن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام بعد العصر، فقالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنها، ثم رأيته يصليهما -يعني ركعتين بعد العصر- قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما حين صلينا العصر، ثم دخل علي. قالت: قالت عندي نسوة من بني حرام من الأنصار، فأرسلت إحدى الجواري أن تسأل النبي عليه الصلاة والسلام، وتقول له: إن أم سلمة تسألك عن هاتين الركعتين. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنه قدم علي وفد عبد القيس، فشغلوني عن صلاة ركعتين بعد الظهر، فهما هاتان». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه شغل عن صلاة ركعتين بعد الظهر، قال: فهما هاتان، أي قضاهما النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر. قضاهما النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر. ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام استمر في صلاة هاتين الركعتين، كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، في صحيح مسلم، أنها سئلت عن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام الركعتين بعد العصر، فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل عنهما أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما. وكان إذا صلى صلاة أثبتها. وهنا اختلف أهل العلم في حكم الركعتين بعد العصر: هل يجوز للإنسان أن يصليهما أو لا يجوز له أن يصليهما؟ مر معنا أن الصلاة بعد العصر منهي عنها، وأن هذا الوقت وقت نهي، لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. فقال بعض أهل العلم: إن هذا من خصوصيات النبي عليه الصلاة والسلام، صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد العصر هذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، فلا يقتدى به في هذا الفعل. وقال جماعة من أهل العلم -طبعا القول بأنه من خصوصيات النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يجوز الصلاة بعد العصر- قال به مالك وأبو حنيفة. وقال جماعة آخرون: بل إن الصلاة -صلاة ركعتين بعد العصر- إذا كانت من باب قضاء فائتة، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كإنسان فاتته ركعتا الظهر أو شغل عنهما أو نسيهما، فلا بأس أن يصليهما بعد العصر، وتكون من ذوات الأسباب التي يجوز فعلها في وقت النهي إذا وجد سببها. وهذا القول قال به الإمام الشافعي رحمه الله، وهكذا أيضا الإمام البيهقي والحافظ ابن حجر، وهكذا الشيخ الألباني رحمه الله، وهكذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهذا القول هو الأصح: أنه يجوز قضاؤها بعد العصر، وتكون من ذوات الأسباب التي يجوز فعلها في أوقات النهي. وأما رواية «أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا»، فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قضائهما في العصر إذا فاتتا، هذه اللفظة غير صحيحة. ويبقى أنه يجوز فعلها كما مر معنا: أنه يجوز فعل ذوات الأسباب في وقت النهي، ويكون هذا منها. ويؤيد ذلك ما جاء عند أبي داود من حديث علي رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة». «لا تصلوا بعد العصر إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة». الحديث رواه أحمد وأبو داود، وهو صحيح، وقصّره الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الحديث يدل على جواز الصلاة بعد العصر، لكن يحمل على صلاة ذات سبب، يحمل على صلاة ذات سبب، جمعا بين الأدلة. ويكون من ذوات الأسباب قضاء الفائتة. وصح عن بعض الصحابة أنهم كانوا يصلون بعد العصر، كعمر، وأبن الزبير، وغيرهما. وقد ذكر هذه الآثار الإمام ابن حزم رحمه الله في كتابه «المحلى». قال رحمه الله: ولأبي داود، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، بمعنى حديث أم سلمة، ولفظه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها، ويواصل، وينهى عن الوصال». هذا الحديث رواه أبو داود، وفيه عنعنة أبي إسحاق، وعرضه ما هو أصح منه. وما ثبت عنها رضي الله عنها أنها كانت تصلي بعد العصر ركعتين. وهذا في البخاري، فيدل هذا على خطأ حديث أبي إسحاق. وجاء في لفظ أنها قالت: «إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إذا طلعت الشمس أو عند طلوع الشمس». فعلى كل، كما سمعنا، فهذا الوقت الأصل فيه أنه وقت نهي، لكن يجوز صلاة الفائتة من النافلة إذا فاتت الإنسان ركعتا الظهر، فله أن يصليهما بعد العصر، وتكون من ذوات الأسباب. وبهذا يكون انتهينا من قراءة الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله في باب المواقيت، ثم ذكر بعده باب الأذان. نترك هذا الباب إن شاء الله للدرس القادم بإذن الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.