كتاب النكاح والطلاق 12

الدرس في كتاب النكاح والطلاق 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام حضانة الأطفال عند الفراق بين الزوجين

إذا تفرق الزوجان ولهما ولد، فإن الأم أحق بحضانته حتى يبلغ سبع سنين، ثم يخير بين أبويه. يشترط للحضانة شروط متعددة.

آراء الفقهاء في حضانة الأطفال بعد الطلاق

يختلف الفقهاء فيمن له الحق في الحضانة بين الأب والأم، ويشترطون شروطا للحاضن مثل العقل والحرية والإسلام. آراء الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة ومالك تتناول في هذا السياق.

تفاصيل شروط الحضانة وتطبيقها

شروط الحضانة تشمل أن يكون الحاضن عفيفا أمينا، مقيما، وغير متزوج. إذا اختل شرط من هذه الشروط سقط حق الحضانة، ويمكن أن ترجع إذا توفرت الشروط مرة أخرى.

انتقال الحضانة بناءً على الإقامة والأحقية

إذا كان الشخص المسافر أحق بالحضانة وأقام، تنتقل الحضانة إليه. الحكم الشرعي يحدد انتقال الحضانة بناءً على الإقامة والأحقية.

  • 23 جمادى الآخرة 1442هـ - 05/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أبو شجاع الأصفاني رحمه الله في «المتانة الغاية والتقريب المسمى بمتن أبي شجاع»: قال: فصل، وإذا فارق الرجل زوجته وله منها ولد، فهي أحق بحضانته إلى سبع سنين، ثم يخير بين أبويه، فأيهم اختار سلم إليه. وشرائط الحضانة سبع: العقل، والحرية، والدين، والعفة، والأمانة، والإقامة، والخلو من زوج، فإن اختل منها شرط سقطت. هذا الفصل فيما يتعلق بالحضانة. والحضانة في اللغة بمعنى الضم، وشرعا هو تربية من لا يستقل بأموره بما يصلحه ويقيه عما يضره. هذه الحضانة ولو كان كبيرا، قد يكون كبيرا وهو مجنون مثلا يحتاج إلى عناية. فحضانة الطفل تعني من يقوم برعايته ويقوم بتربيته، يهيئ له لباسه وطعامه، وهكذا أيضا بقية الأمور التي يحتاج لها في حياته. فيقول رحمه الله: إذا فارق الرجل زوجته -إذا حصل فراق بين الزوجين بطلاق أو فسخ أو لعان- قال: وله منها ولد، والولد يطلق على الذكر والأنثى. يصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثين، تفرقا وبينهما ولد، فمن أولى بحضانته ورعايته؟ قال: فهي -أي الزوجة- أحق بحضانته. الزوجة أحق بحضانة الولد لأنها أشفق به من الأب، والمرأة في الغالب -يعني- عندها عاطفة وشفقة ورحمة أكثر من الأب. ويدل على هذا ما جاء عند أبي داود من حديث عمر المشعيب، عن أبيه، عن جده: أن امرأة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت أحق به ما لم تنكحي» -يعني أنت أحق بحضانته ما لم تتزوجي-. إذا الأم أحق بحضانة الولد إذا تفرق الزوج عن زوجته، فالأم أحق بالحضانة ما لم تتزوج، كما سيأتي. قال: فهي أحق بحضانته إلى سبع سنين -يعني حتى يبلغ الولد سبع سنين-. قال: ثم يخير بين أبويه، فأيهم اختار سلم إليه. يبقى الولد عند الأم سبع سنين، فإذا بلغ سبع سنين -وهو في الغالب سن التمييز الذي يميز به الولد بين الأشياء- فهنا يخير بين أبويه. ودليل ذلك ما جاء عند الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه. وجاء عند أبي داود: أن امرأة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «استهما عليه» -يعني اقترعا-. فقال زوجها: من يحاقني في ولدي -يعني من ينازعني ويخاصمني في ولدي-. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «للولد هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت». فأخذ بيد أمه، فانطلقت به. فدل هذا الحديث على أن الولد يخير إذا بلغ سبع سنين، وحصلت المنازعة بين الأب وبين الأم، فيخير. فأيهم اختار ذهب معه. لكن ذكر أهل العلم شرطين لهذا التخيير لا بد من توفرهما. الشرط الأول: أن يكون كلا الوالدين ممن يصلح للحضانة -أن يكون كلا الوالدين ممن يصلح للحضانة-. أما إذا كان أحدهما فاسقا فاجرا مثلا، هذا ما يصلح أن يكون حاضنا للولد. والشرط الثاني: أن لا يكون الطفل معتوهما -أن لا يكون معتوهما-. فإن كان كذلك فهو عند أمه. إذا كان معتوه أو مجنون، فحينئذ يبقى عند أمه، والأم أحق به؛ لأنها أحرى بالقيام برعايته، فهو كالطفل الصغير، ولو كان كبيرا وهو عنده خلل في العقل، فإنه يبقى عند أمه. وهذا هو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله: أنه يخير الذكر والأنثى. وقال بالتخيير أيضا الإمام أحمد رحمه الله، إلا أنه خصه بالذكر دون الأنثى. عند الإمام أحمد الذي يخير هو الذكر -الغلام-؛ لأنه الوارد في الأحاديث. وأما الأنثى، فقال: تبقى عند الأم إلى أن تبلغ، ويزوجها أبوها. هذا مذهب الإمام أحمد. وأما أبو حنيفة ومالك، فلم يقولا بالتخيير. الإمام مالك يقول: الأم أولى بحضانة الولد. والإمام أبو حنيفة يقول: إذا استقل بنفسه كان عند أمه. والحديث الوارد في التخيير هي في الغلام -يعني في الذكر- هي في الذكر. فقول الإمام أحمد رحمه الله: إن التخيير للذكر، وأما الأنثى فتبقى عند الأم، له وجه؛ لأن الأب -يعني- سيكون أحرى وأقوى في تربية البنت وصونها ومنعها من الخروج ونحو ذلك، بخلاف الأم قد يكون عندها شيء من التساهل وعدم السيطرة على البنت، فيكون ذلك سببا في سوء تربيتها. ولأن الأب كما قال هو الذي -يعني- يتولى تزويجها، وهو يتولى تزويجها، وهو وليها تخطب من عنده، فلهذا تكون عند أبيها حتى تتزوج. قال: ثم يخير بين أبويه، فأيهم اختار سلم إليه عند التخاصم. نعم، إذا حصل تراضي ما في مشكلة، إذا حصل تراضي من جهة الأب والأم فلا بأس. قال: وشرائط الحضانة سبع. طيب، إذا بقي عند أمه، إذا كان الولد عند الأم -إذا كان أنثى- قالوا: فإنها -على مذهب الإمام الشافعي- تبقى عند أمها. وإن كانت عند أبيها، لا بأس أن تزورها أمها في بيت أبيها، ولا تكون الزيارة يوميا، وإنما بين الحين والآخر، كيوم في الأسبوع مثلا. كذلك إذا مرضت، لا بأس أن تمرضها الأم؛ لأنها أشف وأرحم بها. وأما إن كان ذكرا، إذا اختار الذكر الأب فلا إشكال، يبقى عند أبيه -يعني ليل ونهار- ولا بأس أن يزور أمه. وأما إذا كان عند أمه، فيبقى عند الأم ليلا، وعند الأب نهارا؛ لأن الأب يقوم بتعليمه -أو سواء كان يدرسه إذا كان يتعلم ويدرس- أو تعليمه الصناعة -يعني حرفة يتعلمها- فيكون عند أبيه في النهار، وفي حال النوم يكون عند أمه. قال: وشرائط الحضانة سبع: العقل، أن يكون الحاضن عاقلا. فإن كان مجنونا فليس أهلا للحضانة؛ هو يحتاج إلى من يحضنه، المجنون يحتاج إلى من يرعاه ويربيه، كيف يربي غيره؟ فلا يصلح أن يكون حاضنا. قال: والحرية، أن يكون الحاضن حرا لا يكون عبدا مملوكا؛ لأن العبد المملوك قاصر في التصرف، وهو مشغول بخدمة سيده، فلا يصلح أن يكون حاضنا. قال: والدين، من شرائط الحضانة أن يكون الحاضن مسلما. فإن كان كافرا فلا حضانة له؛ لأن ذلك سببا ربما إلى فتنة هذا الولد ووقوعه في الكفر. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. فحينئذ لا يكون للكافر منهما حق في الحضانة. سوى كان الأب كافرا -يعني مثلا عندنا مثلا الزوجان كافران ثم أسلمت الأم مثلا وأبى الزوج أن يسلم- فهنا لا شك أن النكاح انفسخ، ولا يجوز للمسلم أن تبقى عنده كافرة. كيف هذا الولد؟ نقول: يكون مع أمه، ولا يجوز أن يبقى مع أبيه، وليس للأب حق في حضانته وهو كافر. أو العكس: مسلم متزوج بيهودية أو نصرانية ثم افترقا ومعهما ولد، فالأولى بالحضانة هو الأب؛ لأنه مسلم، والأم كافرة، فيكون المسلم هو الأحق بالحضانة. قال: والعفة والأمانة، أن يكون عفيفا -أن يكون الحاضن عفيفا- أي بعيدا عن المحرمات والمنكرات. والأمانة -يضاد الخيانة- لا يكون خائنا، فلا يكون الحاضن فاسقا، لا بد أن يكون عدلا عفيفا أمينا؛ لأن الحضانة أمانة، هذا الطفل الذي عند الحاضن أمانة يقوم برعايته وتربيته. قال: والإقامة، هذا الشرط السادس: أن يكون مقيما -يعني من كان مقيما في بلده هو الأولى بالحضانة-. وأما الذي يسافر منهما، ليس له حق بحضانة الولد؛ وذلك لأن السفر -يعني- مظنة إهمال الولد في تربيته والقيام بتعليمه إلى آخره. في ذلك قال: المقيم هو الأولى بحضانة الولد. فإن كان مثلا عند الأم وأرادت أن تسافر، انتقلت الحضانة إلى الأب. وإن كان عند الأب وهو يريد السفر، انتقلت الحضانة إلى الأم. قال: والخلو من زوج، أن يكون الحاضن غير متزوج. هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت أحق به ما لم تنكحي». لماذا؟ لأن المرأة إذا تزوجت شغلت بالزوج الجديد، شغلت بالزوج الجديد، وربما أهملت الولد من باب العناد للزوج الأول؛ لأن غالبا إذا حصل الطلاق يحصل شيء من البغضاء بين الزوجين، فرُبَما تفعل المرأة ذلك من باب العناد والبغض لزوجها الأول، فتهمل ولدها منه. وإذا تزوجت أصبحت مشغولة بالزوج الثاني، فلذلك سقط حقها من الحضانة، وانتقل إلى الأب وغيره. المرأة والرجل إذا تزوج -هو الرجل غالبا لا يتزوج- أكيد سيتزوج بلا شك، لا هذا بالنسبة للمرأة. أما الزوج بلا شك سيتزوج ما في إشكال. لكن الزوج عنده شيء من الحزم والشدة والقوة ما ليس عند المرأة، والقلب للزوج. إلا إذا كان هذا الزوج له حق في الحضانة، كأن يكون قريبا لهذا الولد من عمه مثلا أو نحو ذلك ممن قاربه، لا بأس أن يبقى عند أمه إذا كان هناك قرابة بينه وبين هذا الولد المحضون. والمرجع في ذلك -يعني كما ذكر الفقهاء رحمه الله- أن أمر الحضانة يرجع فيه إلى مصلحة الولد. فأينما وجدت المصلحة في تربيته ورعايته والحفاظ عليه، كان الحاضن هو الأولى بحضانته، وإن كان أبعد من غيره. يعني حتى المرأة لو تزوجت، ومع كونها متزوجة هي أحفظ للولد من الأب في رعايته وتربيته، هنا نقول: يبقى عند أمه. وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنت أحق به ما لم تنكحي». نقول: نعم، هذا هو الأصل أن المرأة إذا تزوجت شغلت بالزوج الجديد وأهملت الولد. لكن إذا كان بقاؤه عندها هو الأولى والأحفظ والأصلح له، فإنه يبقى؛ لأن هذا هو المقصود. لماذا سقطت حضانتها إذا تزوجت؟ لأجل أن في الغالب أن المرأة تهمل تربية الولد لانشغالها بالزوج. لكن إذا كان الأمر خلاف ذلك وعكس ذلك: أنه إذا ذهب عند أبيه سيهمله ولن يعتني به ويهتم به، وبقاءه عند أمه هو الأصلح له، وإن كانت متزوجة، نقول: إذن يبقى عند أمه؛ لأن المقصود من الحضانة حفظ الولد والقيام برعايته وشؤونه، فمن كان أولى بذلك كان أولى بالحضانة. قال: فإن اختل منها شرط سقطت -يعني سقط حق الحضانة-. فإن رجع -يعني رجع الشرط وتوفر- ترجع الحضانة إليه. يعني مثلا المرأة تزوجت وبعد شهر أو شهر طلقت، هل هي أحق بحضانة الولد؟ تقول: نعم، تكون هي أحق ما دامت أنك أدخلت من الزوج هذا المقصود. إذا خذت منها شرط من هذه الشروط سقط حق الحضانة، فإذا رجع الشرط وتوفر ترجع الحضانة إليها؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما. كذلك الدين -يعني كانت المرأة كافرة ثم أسلمت- كانت أحق بحضانة الولد. نعم، هكذا من كان مسافرا ثم أقام وهو أحق بالحضانة، انتقلت الحضانة إليه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.