كتاب التفسير من صحيح البخاري 90

كتاب التفسير من صحيح البخاري 90

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 90، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث أنس في حشر الكافر على وجهه

يروي أنس بن مالك أن رجلاً سأل النبي ﷺ عن كيفية حشر الكافر على وجهه، فأجابه بأن الله قادر على أن يمشيهم على وجوههم كما مشوا على أرجلهم في الدنيا، مستشهداً بآيات قرآنية تصف ذلك المشهد.

حشر الكفار على وجوههم جزاء نكوص الفطرة

يشرح المقطع أن الله يحشر الكفار على وجوههم يوم القيامة جزاءً على نكوصهم الفطرة واستبدال الكفر بالإيمان، مستدلاً بالآيات والأحاديث التي تصف حالهم من شخوص الأبصار وذهول القلوب، ويبين أن حشرهم يكون إلى جهنم تنكيلاً وتوبيخاً.

مشهد الحشر العام ومصير المؤمنين والكافرين

يوضح المقطع حال الناس يوم القيامة حيث يُحشرون عراة غرلا، ويكون المؤمنون في شغل عظيم لا يلتفتون للنظر، بينما يُحشر الكافرون ومن عبدوا غير الله إلى جهنم على وجوههم، وقد يُلقون فيها قبل الوصول إلى الصراط، مستدلاً بأحاديث الشفاعة وآيات القرآن.

النتيجة النهائية: من يبقى ومن يُلقى في النار

يبقى يوم القيامة فقط من عبد الله وحده من المؤمنين وبعض المنافقين وأهل الكتاب الذين لم يشركوا، بينما يُحشر الكفار على وجوههم ويُلقون في جهنم قبل الوصول إلى الصراط.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن محمد. وقلنا: إن عبد الله بن محمد من مشايخ البخاري خمسة، أربعة... أربعة من مشايخ البخاري ممن يقال له عبد الله بن محمد، وهم: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الحافظ الكبير أبو بكر بن أبي شيبة، وعبد الله بن محمد بن أبي أسماء، وعبد الله بن محمد بن جويرية، أقصد: عبد الله بن محمد بن أبي الأسود، وعبد الله بن محمد المسند الجعفي البخاري. وهذا غالبًا إذا أطلق عبد الله بن محمد فهو الأخير: عبد الله بن محمد المسند الجعفي البخاري. قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا يونس بن محمد البغدادي، وهو المؤدب، قال: حدثنا شيبان. شيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي البصري، قال: عن قتادة بن دعامة أبي الخطاب السدوسي، قال: حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا نبي الله، يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «ليس الذي أمشاه». قال: يا نبي الله، يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: يا نبي الله، يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «ليس». قال: «ليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». قال قتادة: بلى وعزة. قال: «بلى وعزة ربنا». هذا الحديث أذكره هنا عند قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، وجاء في آية القمر: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾. إنهم وجوههم في الأسفل وأرجلهم في الأعلى، إنه عكس ما يمشون به في الدنيا، فلذا استشكل بعض الصحابة هذا الأمر: كيف يمشون على وجوههم؟ فقال: يا نبي الله، كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟» بلى، فربنا جل وعلا على كل شيء قدير، فيحشر هؤلاء الكفار على وجوههم، وهذا عقاب لهم لأنهم نكسوا الفطرة، نكسوا ما خُلقوا له، فلذا نُكست صورهم، إنهم تركوا الفطرة والدين واستبدلوا به الكفر بالله عز وجل والرد عن دين الله، فكان جزاؤهم أن جعلهم الله عز وجل أيضًا على خلاف ما خُلقوا عليه، فهم خُلقوا في الدنيا يمشون على أرجلهم فجعلهم على وجوههم تنكيلًا لهم وتوبيخًا لهم. ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾، أضاعوا طريقهم وضلوا عن سواء السبيل، فلذا يُحشرون يوم القيامة على وجوههم. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الباب، وهو خاص بالكافر. لكن هل المراد به الحشر إلى جهنم أو الحشر إلى أرض المحشر؟ فالظاهر من الآية والحديث أنه إلى جهنم، إلى النار: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾. وقد جاء عند البزار في حديث أبي هريرة أن الناس يُحشرون على ثلاثة أصناف، وهذا وهذا إن صح الحديث لأن فيه كلام، فيحمل على حشر الدنيا أن يُحشروا إلى أرض المحشر، فقال: «يُحشر الناس على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم». وقد ذكر الله عز وجل في حشر هؤلاء العباد وخاصة الكفار فإنه يُحشرون أيضًا شاخصة أبصارهم، وترهقهم ذلة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، لم يغفل عن أعمالهم جل وعلا. ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾، لا رافعي رؤوسهم، وأبصارهم حادة لا ترقد إليهم، طرفهم طرف العين لا يركد، بل شاخصة أبصارهم. ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾، أنها طارت قلوبهم، لماذا طارت؟ لأنهم لا يدرون ما الذي أمامهم وماذا وإلى ماذا يذهبون، فلذا لا ينظر بعضهم إلى بعض، كل مشغول. ولهذا لما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: «يُحشر الناس يوم القيامة غرلًا حفاة عُراة»، الغرلًا، فقالت عائشة رضي الله عنها: الرجال والنساء يا رسول الله ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال عليه الصلاة والسلام: «الأمر أشد من أن يهمهم ذلك»، الأمر أشد من أن يهمهم ذلك، إنهم في شغل عن هذا الأمر، لا يستطيعون أن ينظروا، لماذا؟ لأن أفئدتهم هواء، قلوبهم قائرة، ما يدرون ماذا يفعل بهم، فلذا تكون قلوبهم ليست في أماكنها ولا ينظرون إلى مثل هذه الأشياء. وأما الكافر فيحشره الله عز وجل إلى جهنم على وجهه، وأيضًا في الصراط لا يقف وإنما يسقط لأنه ليست له أعمال. وهل يصلون إلى الصراط؟ في خلاف بين أهل العلم: هل الكافر يصل إلى الصراط أم أنه يُلقى في جهنم قبل الصراط؟ ولا دل تدل على هذا إلا أن الكافر يُلقى في جهنم قبل أن يأتي إلى الصراط، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر في حديث الشفاعة أنه يقال: «من كان يعبد غير الله فليذهب معه إلى جهنم»، ممن عبد القبر وعبد الشمس وعبد الأصنام، فيلقونهم في جهنم معه. أما من عبد الصالحين فهذا كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، أن تكونوا حصبًا، أنتم شعلت هذه النار، النار تشتعل بهؤلاء الكفار هم ومن عبدوا. لكن لما أشكل على كثير من الناس أن هناك من يعبد الصالحين، من يعبد الملائكة، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾، أي اشتهوا الجنة، اشتهوا رضوان الله جل وعلا. فلذا فإن الكفار ومن يعبد غير الله عز وجل يُحشرون إلى جهنم ويذهب بهم إلى... فلا يبقى إلا من يعبد الله، فلا يبقى إلا من يعبد الله، من المؤمنين وبعض المنافقين، وعبارات من أهل الكتاب ممن لم يعبد غير الله، ومن لم يقل بأن عيسى ابن الله والعزير ابن الله، فهذه عبارات من أهل الكتاب، أن طوائف من أهل الكتاب الذين وحدوا الله جل وعلا... إلى آخر الحديث. فشهدنا أن الكفار لا يأتون إلى الصراط بل يُذرفون في جهنم قبل ذلك، فيُحشرون إلى أرض المحشر على وجوههم، وأيضًا يذهب بهم إلى النار على وجوههم. هذا خلاصة ما يذكر، والله تعالى أعلم.