مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 9

مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 9

الدرس في مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

احترام العلماء في دعوة أهل السنة

يُشدد على أهمية احترام العلماء كونهم ورثة الأنبياء وقيادات المجتمع. يُحذر من إقصاء العلماء وتولية الجهلة أمور الناس.

دور العلماء في حماية الدين وهداية الناس

يُبين أهمية العلماء في حماية الدين وهداية الناس، ويُحذر من الاستهزاء بهم أو إهمال نصائحهم. يُقدم أمثلة تاريخية عن تأثيرهم.

أهمية اتباع توجيهات العلماء لتجنب الضلال

يُحذر من مغبة الاستهانة بعلماء الأمة ويُقدم أمثلة تاريخية لضلال من خالفهم. يشير إلى أهمية اتباع توجيهاتهم والتمسك بغرزهم.

ختام وتأكيد على الصلاة والسلام على النبي

يختم بالتأكيد على الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويُظهر أهمية الصلاة على النبي في الإسلام. يُشير إلى علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، من خصائص دعوة أهل السنة والجماعة ما كان من احترامهم للعلماء، وإن هذه الخصيصة إخواني في الله لهي تتفرع مما مضى معنا من درس، فإن من لوازم الاهتمام والانشغال بالعلم يكون من لوازمه أن تحترم العلماء، وأعني بهم الذين تمرسوا بالعلم الشرعي وأفنوا الأعمار وقضوا الأوقات في تحصيله وتدريسه وبثه ونشره، بل حتى شابت لحاهم فكانوا من أهل الاجتهاد وأهل الفتوى. فهؤلاء العلماء إخواني ينبغي أن يعرف قدرهم ومنزلتهم، ولهذا جعل ذلك من صميم دعوة أهل السنة والجماعة. قال إمام السعدي رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن عقيدة أهل السنة: «إنهم يدينون باحترام العلماء الهدى»، يدينون أي يتدينون بماذا؟ باحترام العلماء الهدى، فهذا من صميم دعوتهم: الاحترام والإجلال والإعظام الذي يليق بعلماء الأمة. وإن هذا الأمر ما ينبغي أن يختص بأهل السنة، بل هو لجميع الأمة رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «ويجب على المسلمين بعد موالاته ورسوله موالات المؤمنين، كما نطق بهم القرآن»، قال: «وخصوصاً العلماء، عليك أن توالي، تعظم وتناصر وتحب كل من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، فهذا من أوثق عرى الإيمان، لكن من أعظمهم إجلالاً وإحتراماً وموالاتاً هم العلماء». كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وإن الأدلة والمعطيات والقرائن التي تدل على وجوب أن نعتني بهذا الأمر وبهذا المقام، أن نكن الاحترام والإجلال والإعظام لعلمائنا كثيرة جداً». فمن ذلك ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: «ليس منا من لا يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»، ليس منا، ليس هذا الذي أتى به نبينا عليه الصلاة والسلام بأن العالم لا يعرف حقه. العلماء يا عبد الله بما آتاهم الله من العلم كانوا أهلاً للقيادة، أهلاً للزعامة، أهلاً لأن تعطى لهم زمام الأمور فيسيرون بالمجتمعات إلى بر الأمان، بماذا؟ بالعلم. وهذه أعظم المؤهلات، ولهذا في سورة البقرة عندما قال لهم نبيهم في بني إسرائيل: «إن الله جعلكم طالوت ملكاً» استغربوا، ما هي المؤهلات التي عند طالوت حتى يصل إلى مركز القيادة؟ فقالوا: «ولم يؤت سعة من المال»، قال: «إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم»، بسطة في العلم هذه من أعظم مؤهلات القيادة. للأسف نجد أن بعض الجماعات والفرق لربما ولّت أمرها لرجل حده أن يكون مفكر أو مرشد، أو لربما يمتهن مهنة الطب، أين العلم الشرعي؟ يقول جماعة لربما أعضاؤها بمئات الألوف وهو على هذا الضحال من العلم، ما عنده علم، أين تكون له القيادة؟ فربنا جل وعلا اصطفى طالوت على من كان في زمنه بأن الله زاده بسطة في العلم والجسم، العلم وقدم العلم قبل الجسم لأهميته. فمن كان عالماً وقاد المجتمعات سيصل بهم إلى بر الأمان. العلماء كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «هم ورثة الأنبياء»، فإن كان من طبقة بعد الأنبياء في الاقتداء والاعتصام هم العلماء، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر. العلماء، إبعادهم وإقصاؤهم من حياتنا هو أمارة وعلامة على هلاكنا، كما جاء ذلك في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، يقبض العلماء بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً، أو في رواية: يبقي عالما، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». يأتي الضلال على المجتمعات بماذا إخواني في الله؟ بإبعاد العلماء، إما إبعاداً حسيا بأن الله جل وعلا يقبض الأرواح، أو بإبعادهم إبعاداً معنويا بأن نقصيهم عن دورهم الذي ولاهم الله جل وعلا به من النصائح والتوجيهات والإرشادات، نلغي هذا عنهم، نبعدهم ونتكل على أنفسنا، ونتخذ من نشاء أن نتخذه، فيكون الحال كهذا الحديث، فإذا بالناس يورثون ويصدرون الجهلة، فسئلوا هؤلاء الجهلة فأفتوا بغير علم، فكان ماذا؟ الضلال، لمن؟ لهم، فضلوا وأضلوا. ولنا عبرة بقصة الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، أراد أن يتوب فسأل عن عالم يسأله عن دينه، لكنه تلي بمجتمع كمجتمعاتنا، ما يفرق بين العلماء وبين العباد وبين الدعاة، فدل على عابد، الرجل سأل عن عالم لأن هذا مكمن ومكمن الفتوى في العلم، لكن الناس إذا اختلطت عليهم الأمور فما يفرقون بين العالم وبين غيره، سيكلون الأمور إلى غير أهلها، فدل على عابد على راهب، فسأله، وهذا العابد ليس أهل الفتوى، لكنه ركب الصعب والذلول فأفتى. فلما سأله عن حالته: بأني قتلت تسعة وتسعين نفساً، هل لي من توبة؟ قال: لا، ما لك من توبة، فكان من هذا التائب القاتل فكمل به المئة. انظر يا عبد الله إذا ركب هؤلاء رجل ليس محله العلم، نعم فيه خير، مصل مسبح، قارئ للقرآن، حافظ لكتاب الله جل في علاه، عندهم من مبررات الخير ومن المعطيات، لكن هل هذا وكل هذا أهل أن يكون مفتياً؟ لا، لا يا عبد الله. وهذا الذي اضطربت علينا الأمور في هذه الأزمان، أصبح الكل يفتي ويهرف بما يعرف وبما لا يعرف. فإخواني في الله، فهذا الحديث بدوره يدل على أننا إذا أقصينا العلماء وأبعدناهم حساً ومعنى كان ذلك إشارة إلى ضلالنا وإلا أننا سيدخل في دوامة الله أعلم بمنتهاها. العلماء يا عبد الله هم حماة الدين، هم حماة الدين، فهم الذين ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. فكم فتح الله بهم أعيناً عمياً، وقلوباً غلفاً، وآذاناً صماً، يبصرون بنور الله أهل العمى، ويحيون بكتاب الله الموتى، ويدعون من ضل إلى الهدى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، جور في التعامل مع العلماء، لربما أفنوا أعمارهم في خدمة الدين وفي منفعة المسلمين، لربما ضحوا بكل شيء، لو لم يكن أن ضحوا بأوقاتهم حتى شابت لحاهم، وما عرفوا المرح وما عرفوا هذا اللهو الذي أنت تعيش عليه، كل ذلك في سبيل النصيحة للأمة. وبعد ذلك يأتي المتهكم ثم يلمزهم ويطعن بهم ويسفه عقولهم. فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم. العلماء يا عبد الله هم الصمام الذي يقي الفرد والمجتمع من الزيغ والانحراف، إن تمسك الناس فرداً أو مجتمعاً بغرز العلماء، فليعلم أن النجاة معه، ومن أدبر ومن أعرض ومن شاق وخالف أهل العلم فليعلم أنه هالك لا محالة. قال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فأخبر ربنا جل وعلا أن الأمور العظام من النوازل الجسام هذه ليس حقها أن تذاع وأن تطرح لكل أحد، للقاصي والداني، الذي يعلم والذي لا يعلم. لا تذعوا عبد الله بهذه الأمور حتى لا يتصدر من ليس أهلها، وإنما ترد إلى سنته عليه الصلاة والسلام إن وجد لها أمر، أو ترد إلى أهل العلم وإلى أولي الأمر منهم، لعلمه الذين يستنبطونه منهم. وانظر لصفة العلماء الذين ترّجع لهم النوازل: أهل الاستنباط، ليس كل أحد، عبد الله، تأتي الأمور العظام مدلهمات، من القتل والقتال وإراقة الدماء، ومن هذه النوازل العظام، فإذا به بهذه المسائل ينبري شاب طري لا زال حدث، حتى لا يعرف منهجه، حسب أنه درس أو داع أو مفكر، فإذا به يتكلم بالنوازل العظام. وأنا أرى، وأنا لا أرى هذا ليس لك، هذا ليس مقدارك، وليس هذا كرسيك. لعلمه الذين يستنبطونه منهم، أهل الاستنباط، أهل الاجتهاد، فقط هم الذين يتح لهم الكلام والمجال في القضاء، والكلام في مثل هذه النوازل العظام. ومن خالف العلماء ماذا يكون حظه؟ ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يكون التبعية للشيطان. وانظر يا عبد الله إلى تاريخ الأمة، لو أردنا أن نعرج على بعض الوقائع، ولو أردنا لهذه الوقائع، انظر لحال الناس في الفتن كيف تعاملوا معها، في موقفهم من آراء العلماء، بين آخذ بأقوالهم فنجى، وبين معرض عنهم فهلك وغوى. انظر لما وقع في زمن الصحابة من فتنة الخوارج، فتنة عظيمة، ستة آلاف خارجي خرجوا على المسلمين. فإذا بابن عباس، ومن ابن عباس حبر الأمة، ترجمان القرآن، من أعلم الصحابة، خرج إلى هؤلاء الفئة الباغية وناقشهم، نقاش العلم، بمناقشة، بمناظرة ماتعة، تدل على غزارة علمه رضي الله تعالى عنه. فكلما أدلوا بشبهة قمعها، كلما أتوا بأمر فردّه، حتى اقتنعوا بصحة ما عليه ابن عباس، وأن الذي هم عليه باطل، ما عندهم حجة. فماذا كان؟ طلبوا النجاة، رجعوا إلى معسكر ابن عباس، ومن ثم إلى معسكر علي رضي الله تعالى عنه، بقي ألفان، هؤلاء ماذا؟ موقفهم من ابن عباس، عالم الأمة، الإعراض عنه، الإدبار، ركبوا الهوى، كان أمرهم تركهم علي، لكنهم اعتدوا على سرح المسلمين، فجيش علي الجيوش عليهم، فقضى عليهم واستأصلهم عن بكرة أبيهم، هذه هلاكهم، هذه في الدنيا، ناهيك عن عقوبة الآخرة، الخوارج كلاب أهل النار، كما قال بذلك عليه الصلاة والسلام. واقع أخرى، ابن مسعود، عندما سمع وهو في الكوفة عن تلكم الحلق من بعض من يتزعم التعبد لله، بإنشاء حلق ما أنزل الله بها من سلطان. فكان ابن عباس، وهو العالم، ما كان هناك أحد أعلم منه في بلاد الكوفة في زمن، فذهب إليهم: «ما أنتم عليه؟» قالوا: «يا ابن عباس، حصى نعد به»، ماذا نعد به الذكر؟ فقال ابن عباس: «هل لا تعدون سيئاتكم؟ فإن يضاعف أن لا يضيع من حسناتكم شيئاً»، ثم قال: «يا أمة محمد، ما أسرع حلكتكم»، ما أسرع حلكتكم. فهؤلاء أصحاب عبادة متوافرون، وآنيتهم لم تكسر، وثيابهم لم تبلى، إما أنكم أهدى من أمة محمد، أو أنكم مقتحموا باب ضلالة. أين تفطن لهذا الناس؟ أمامهم في المسجد، يذكرون الله بطريقة مبتدعة، لكنه ظن فيهم هذا الظن: أنكم إما أهدى من أمة محمد، وهذا مستحيل، أو أنكم مقتحموا أو مفتتحوا باب ضلالة. قال الراوي أبو عبد الرحمن السلمي: «فرأيت عامة هؤلاء أي أصحاب الحلق، بما أنهم ما أخذوا بنصيحته واستمروا ببدعتهم، ثم طال بهم الأمد، ماذا صار؟» قال أبو عبد الرحمن السلمي: «فرأيت عامة هؤلاء يطاعنون يوم النهروان، أصبحوا من الخوارج، أصبحوا من الخوارج»، من أين خرجوا؟ من المساجد، متى؟ عندما خرجوا عن نصيحة هذا العالم، نصيحهم بالكف عما هم عليه. لو أنهم أخذوا بقوله وبنصيحته وإرشاداته، أسلمهم الله جل وعلا، لكن ركبوا الهوى واحتقروا هذا العالم ونصائحه، فاسترسلوا حتى وصل بهم الأمر إلى أنهم يطاعنون الصحابة رضي الله تعالى عنهم. وقصص عبد الله الأمثلة كثيرة في هذا الباب. الجعد بن درهم، الجعد بن درهم هذا الذي قتل، قتل بسيف الإسلام لزيغه وضلاله وزندقته، حين عطل الأسماء والصفات. أتدرون ما شأنه؟ أتدرون ما قصته؟ أتريدون أن تعرفوا كيف ذكر ذلك في تاريخ دمشق؟ أنه كان في زمن وهب بن منبه، في زمن وهب بن منبه من علماء الأمة. فكان هذا الجعد يأتي إلى وهب رحمه الله، لكنه يسأله في مسائل للصفات العويصة، فكان يسأل ويفهمه، حتى قاله وهب بن منبه ذات يوم: «يا جعد، يا جعد، أقصر المسألة، أقصر هذا الباب ليس لك، ليس باب اجتهادي أن تسأل في أسماء الله وصفاته، هذا باب سمعي محض، هذا باب أخباري، تسمع عن خبر الله وتصدق به، تصدق بأسماء الله الحسن وصفاته العنة، ليس تقول لما ولما». فقال: «يا جعد، أقصر المسألة، فإني أراك من الهالكين»، خالها، فإني أراك من الهالكين. ما هي إلا فتره بمنهجه الضال الزندقي بتعطيل أسماء الله وصفاته، فقتل، قتل بسيف الإسلام، فتحقق فيه قول شيخه: «إني أراك من الهالكين». وهكذا يا عبد الله، قصص كثيرة وكثيرة في تاريخ الأمة قديماً وحديثاً، والله قديماً وحديثاً. من طلب النجاة تمسك بغرز العلماء، ومن أبى وغوى فهذا باب الضلال أمامك يا عبد الله. روى ما جاء في حديث، قيل في صحيح، أصل في صحيح مسلم، في قصة يزيد الفقير، كان هذا الرجل شغوفاً برأي الخوارج، كما يحكي عن نفسه، فقر في جماعة من أصحابه على أنهم يذهبون للحج، وبعد الحج سيخرجون على الناس. فكان من لطف الله بهم أن مروا على المدينة، فإذا عبد الله بن مغفل يتكلم في مجلس، فاستمعوا لمجلسه، وكان حديث جابر أن يتحدث عن الجهنميين، وهم أناس من أهل الإسلام يكونوا في جهنم، ثم بعد أن يحاسبهم ربهم ويعاقبهم على النار بالنار على سيئاتهم، بعد ذلك يخرجون من النار ويدخلون الجنة، الخوارج تأبى هذه الأحاديث، ما يصدقون بها. فقال يزيد: «فقمت من شدة جزعه، قلت: يا صاحب رسول الله، انظر ما تقول، كيف تقول: أن من كان في النار يخرج؟ ألم يقل الله جل في علاه: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾؟» ثم أخذ هذا يزيد يذكر لجابر تلكم الآيات التي من دخل النار ما خرج منها. فلما انتهى: «أقرأ القرآن؟» قال: «نعم»، قال: «أعلمت بالمقام المحمود؟» سكت، ثم شرع جابر رضي الله تعالى عنه بذكر حديث المقام المحمود، مقام الشفاعة، وكيف أن الله جل وعلا يأتي بنبيه يوم القيامة فيجعله يشفع في أناس كانوا في النار فيدخلهم الجنة. «فنظر بعضنا إلى بعض، فقلنا: أترون هذا يكذب على رسول الله؟ لا»، قال: «فرجعنا، وما خرج منا أحد»، هؤلاء أراد الله بهم السلامة، سمعوا وأنصتوا لكلام عالم، اقتنعوا فطبقوا، فسلمهم الله. لكن لو كان غيرهم من المتمردين لاسترسلوا في ضلالهم وأزهقوا الألواح الكثيرة والدماء الغزيرة. وبهذا تعلم يا عبد الله فضل العلماء، وأنك لا تخرج عن هديهم ولا عن غرزهم. انظر لنا في التاريخ القديم، ولنا في هذا التاريخ المعاصر عبرة، انظر إلى بلاد المسلمين كيف صارت، وإلى ماذا آلت؟ دماء، أيتام، أرامل، تفجير، تكسير، تخريب، ذبائح، مجازر، من أين جاء هذا؟ قولوا لي بربكم، مما كان موقف العلماء من علماء السنة؟ كلامهم واضح، كلامهم واضح. من أول ما ظهرت الفتنة، ما يسمى بالربيع، بالخريف العبري، ليس بالربيع العربي، بل بالخريف العبري، لما ظهر، وصاحت الناس وخرجوا: «ارحل، ارحل»، وأول علماء على رسلكم، قفوا، فتن، فتن. أتضاحك الناس عليهم؟ والله، والله تضاحك الناس عليهم، حتى أن منهم ما يصلي خلفهم، ولا يسمع لخطبهم، ولا يبالي بكلامهم. ثم والآن يا عبد الله إلى ماذا تضحي الأمور؟ الكل في اليمن، وفي ليبيا، وفي مصر، وفي الكل أجمع على كلمة: «سلام على ذلك الرئيس السابق»، الكل يسأل ربه ويتمنى أن يرجع الله ما مضى. الآن، الآن يا عبد الله: «سلام على ذاك، وسلام على ذاك، وسلام عن تلك الأيام»، سبحان الله، وكان العلماء لكم بالمرصاد، قفوا: «صبر، الصبر، الصبر»، لكن العلماء، العوام دهاهم. ففهم يا عبد الله هذا، فالسعيد من تعظ بغيره، والشقي من كان وعظه بنفسه. ولهذا كان من كلام العلماء، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة: الاحترام للعلماء الكبار، وذلك بإجلالهم واحترامهم والأخذ بغرزهم. ولهذا يقول طاووس بن كيسان: «اليوم»، الطحاوي في عقيدته قال: «وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فقد ضل سواء السبيل». ويقول ابن المبارك رحمه الله تعالى: «من استخف بالأمراء ذهب دنياه، ومن استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته». وقال الإمام بن عساكر رحمه الله تعالى: «لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله العادة الجارية، وعادة الله في منتقصهم معلومة، ومن تكلم عليهم بالسلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب». فكن عبد الله سليم الصدر على علماء الأمة، ما عجبك فتواهم، إياك أن تخوض في أعراضهم، كحال الكثير من الفرق والجماعات، إن أراد أن يتكلم على علماء السنة، لمز، دعك من هؤلاء أصحاب حيض ونفاس، وهذه شنشنة المبتدعة: الحيض والنفاس، هذا اللمز، هذا قديم، كان يقال عن الزهري الإمام الزهري رحمه الله تعالى: كان المبتدع إذا تكلموا عليه ماذا قالوا؟ قالوا: «هذا ما يعرف إلا ما تحت سراويل امرأته»، هذا لا يعرف تحت سراويل امرأته، ماذا يعنون؟ أي أنه ما يعرف للحيض والنفاس. هذه شنشنة قديمة، هؤلاء أتوا إنما استوانة يأتون بما أتوا به المبتدعة في طعنهم لأهل السنة، فتشابهت قلوبهم وتشابهت عباراتهم، وهذه نهايتهم: الزيغ والضلال، فالله الله، اعبد الله باحترام العلماء، وهذه من شيمة أهل السنة، لا نعني بذلك التقليد أو التعصب أو النغل بهم، لا، وإنما تمسك بغرزهم، وخاصة إذا اجتمعوا على أمر، كما قال إمام الذهبي رحمه الله تعالى: «فعليك به، ولا تخرج عليه، ولا تختار عليه غيره، فتسقط في النار». فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، أسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.