الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع موضوع الشهادة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، ويشرح آراء أهل السنة في الشهادة لمن ختم له بشيء ومات عليه. يستدل بحديث النبي حول ثناء الناس على الجنائز.
الأصل أنه لا يشهد للشخص بالجنة أو النار إلا إذا شهد له الكتاب والسنة، لكن بعض العلماء أجازوا الشهادة بالجنة لمن استفاضت عدالتهم عند الناس. جمهور العلماء يرى أن الأحوط عدم الشهادة لمعين بالجنة إلا لمن شهد له الله ورسوله.
ذكر العشرة المبشرين بالجنة وهم جميعا من قريش، وتوضيح أنسابهم، وبشر النبي صلى الله عليه وسلم غيرهم من الصحابة مثل ثابت بن قيس وبلال والرميصاء.
أهل السنة لا يشهدون لأحد بالجنة أو النار إلا إذا ورد نص في الكتاب أو السنة، وهناك رأي آخر يرى جواز الشهادة لمن استفاضت عدالته وثناء الناس عليه. هذا الرأي يمثل اختلافا في المذهب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، ختم الله طيب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ذكر المبشرون بالجنة من العشرة وغيرهم. قال: فأما الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه بعينهم بأنهم من أهل الجنة، فإن أصحاب الحديث يشهدون لهم بذلك تصديقا منهم للرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما ذكره ووعده لهم. ووعده لهم، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يشهد لهم بها إلا بعد أن عرف ذلك، والله تعالى أطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما شاء من غيبه. فذكر الإمام الصابوني رحمه الله بعدما ذكر أن أهل السنة والسلف يشهدون لمن ختم له بشيء مات عليه، ويشهدون أن من مات على الإسلام أن عاقبته الجنة، أن يرجون له الجنة. وعن الشهادة، فقال: يشهدون لمن شهد له الشرع، شهد له الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم. وهل يجوز أن يشهد أيضا لمن شهد له الناس؟ فقد جاء في الصحيحين عن عمر بن الخطاب، وكذلك جاء عن أنس وعن غيرهم من أصحاب رسول الله أن النبي عليه الصلاة والسلام مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: وجبت. ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا، فقال: وجبت. فقالوا: يا رسول الله، وما وجبت؟ فقال: مر بالجنازة الأولى فأثنيتم عليها خيرا، فقلت: وجبت، أي وجبت له الجنة. ومر بالجنازة الثانية فأثنيتم عليها شرا، فقلت: وجبت، أي وجبت له النار. فأنتم شهداء الله في الأرض، فأنتم شهداء الله في الأرض. فهذا الحديث يبين أنه قد يشهد لغير من شهد له الله عز وجل ورسوله إذا شهد له أهل الإيمان. لكن أكثر السلف رأوا أن هذا الحديث إنما ينطبق على من كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وأما في غير زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لا ينطبق. ومن العلماء من عمم هذا الحديث في زمن رسول الله وفي غيره، وقالوا: إن من أثنى الناس عليه خيرا، وخاصة أهل العلم والفضل، أثنوا عليه خيرا، فهذا وعد له بالجنة، وهذا موجب له الجنة. وقد قال بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل بهذا الحديث الذي ذكرناه وبغيره على أنه قد يشهد لغير من شهد له الكتاب والسنة. والأصل أنه لا يشهد إلا لمن شهد له الكتاب والسنة، أي أنه في الجنة أو في النار، أي بعينه. وأما غيرهما، فأمرهم إلى الله، نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. إذا كان من أهل الإسلام، نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. وأما أنه يشهد له بالجنة، فقال بعض العلماء، كشيخ الإسلام وغيره: يقولون إذا أثنى الناس عليه خيرا واستفاضت عدالته عند الناس، فلا بأس أن يجزم بأن له أنه من أهل الجنة، مثل الأئمة الذين اشتهروا، كمالك والشافعي وأحمد، وكذلك ابن المبارك والسفيانين والحمادين وغيرهم من أئمة السلف، قبلهم سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير. وأيضا كذلك الحسن البصري وغيرهم من أئمة المسلمين. فمثل هؤلاء لو شهد لهم الإنسان بالجنة لما أبعد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأنها قد تواترت الأمة جميعا على الثناء عليهم، ليس فقط جماعة من الناس، بل أمة الإسلام ممن جاء بعد هؤلاء يثني عليهم ويصفهم بالحمد، إلا من كان من أهل البدع والزيغ والضلال، فتجد أنهم يأتون بمثالبهم أو كذا. لكن الأحوط هو قول جمهور العلماء: أننا لا نشهد لمعين إلا لمن شهد له الله ورسوله، أنه سواء كان بالجنة أو بالنار. فمثلا بالجنة هؤلاء العشرة المبشرون، كما في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف هنا. وأيضا كذلك ما ذكر عن ثابت بن قيس بن شماس، وما جاء عن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. وقلنا: إن الصحابة رضي الله عنهم جميعهم مبشرون بالجنة، جميعهم مبشرون بالجنة وبرضى الله. ورضى الله معنى الجنة، الله عز وجل يقول: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. فمعنى أن الله عز وجل رضي عنهم، فمعنى ذلك أنهم من أهل الجنة. قال رحمه الله: «والله تعالى أطلع رسوله على ما شاء من غيبه». وبيان ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم، في قوله عز وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. أنه لا يعلم أحد أن فلانا من أهل الجنة إلا إذا أخبرنا الله ورسوله، والله عز وجل قد أطلع رسوله على ذلك. قالوا: قد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح. وكل هؤلاء من قريش، أبو بكر وطلحة تيميان، وعمر وسعيد من بني عدي، وعثمان من بني عبد شمس، وأما علي فهو من بني هاشم، وحده بني هاشم من لا شك أنه من نسب النبي عليه الصلاة والسلام، هو ابن عمه. وأما الزبير فهو زبير بن العوام الأسدي، وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أمه صفية بنت عبد المطلب، وهو أسدي قرشي رضي الله عنه. وأما عبد الرحمن بن عوف فهو زهري من بني زهرة، وسعد كذلك، عبد الرحمن وسعد من بني زهرة. وأما سعيد كما قلنا هو من بني عدي، ابن عمه عمر بن الخطاب. قال: «قال أبو عبيدة بن الجراح» وهو كما قلنا فهري قرشي. هؤلاء العشرة كلهم قرشيون، بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة. وإنما قيل لهم العشرة المبشرون لأنهم بشروا في حديث واحد. وروى هذا الحديث سعيد بن زيد رضي الله عنه، وجاء أيضا كذلك من حديث أبي هريرة ومن حديث غيره. قال: وكذلك قال لثابت بن قيس بن شماس: «أنت من أهل الجنة». وهذا في الصحيحين في حديث أنس، لما تأخر ثابت لما أنزل الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾. وكان ثابت بن قيس جهوري الصوت، يعني يرفع صوته، فظن أن هذه الآية فيه. فلما سأل النبي عليه الصلاة والسلام عنه، قالوا: إنه في بيته منكس رأسه. فقال: «أو كان يقول: أنا من أهل النار؟» فقال له الرسول: «اذهب وقل له: أنت من أهل الجنة». هذا بشارة من النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك كان قال أنس: فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه في الجنة ومن أهل الجنة. وكذلك قد بشر النبي عليه الصلاة والسلام جماعة كثيرون من الصحابة بأعيانهم، منهم بلال، قال: «لقد رأيت خشخشة نعلك يا بلال في الجنة». وقال: «وكأني بالرميصاء في الجنة امرأة أبي طلحة». وغيرها من الأحاديث التي جاءت في تعيين جماعة من الصحابة رضي الله عنهم في أنه شهد لهم النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة. وخلاصة مذهب أكثر أهل السنة كما قلنا: أنهم لا يشهدون لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد لهم الكتاب والسنة. وهناك قول: يشهدون أيضا لمن فاض واستفاضت عدالته وشهد له وأثنى عليه الناس. والله تعالى أعلم.