الخطبة بعنوان صل رحمك قبل أن تطلب رزقك، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 14 ربيع الآخر 1443هـ الموافق 19 نوفمبر 2021م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح الخطبة أن التفريط في صلة الأرحام من أسباب ضيق المعيشة، بينما وعد النبي ﷺ بأن صلة الرحم تجلب سعة الرزق وتؤخر الأجل وتعمّر الديار بالبركة. ويؤكد أن ثواب صلة الرحم معجل في الدنيا قبل الآخرة.
يبيّن المقطع أن صلة الرحم سبب لكثرة المال والذرية ودفع الفقر، بينما قطعها يجلب اللعن والطرد من رحمة الله. ويؤكد أن حق الأرحام مقدم على غيرهم وأن أفضل الصدقة تكون على ذي رحم كاشح.
يؤكد المقطع وجوب صلة الأرحام والإحسان إليهم حتى لو أساؤوا، لأن الواصل الحقيقي من يصل من قطعه، والصدقة على ذي الرحم ذات أجر مضاعف. ويحذر من عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام لما فيه من خسارة الدنيا والآخرة.
يختتم المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويكبر قائلاً الله أكبر. ثم يدعو المشاهدين للاشتراك في القناة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يشكو كثيرٌ منا من ضيقٍ في المعيشة، ومن قلةٍ في الأرزاق والأموال، ومحق البركة فيهما. وإني في هذا المقام أشير إلى سببٍ من أسباب ذلك، ألا وهو التفريط والتقصير في القيام بصلة الأرحام. وإلا فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبرنا -إن كنّا حقًا وصدقًا واصلين لأرحامنا- أن هذه الصلة سببٌ لسعة الرزق وكثرته. جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه». من سره أن يبسط له في رزقه، أن يوسع له في رزقه ويبارك له في رزقه، وهكذا ينسأ له في أثره، أن يؤخر له في أجله، فليصل رحمه. وهكذا جاء عند الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ويصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «صلة الأرحام، وحسن الخلق، وحسن الجوار، يعمرن الديار، ويعمرن ويزدن في الأعمار». إن أردت أن يكون بيتك عامرًا بالأرزاق الطيبة، عامرًا بحلول البركات، فتوصل رحمك يا عبد الله. وهكذا جاء كذلك عن عمر بن سهيل -أو بن سهل- رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال، والحديث يحسنه العلامة الألباني وهو عند الطيالسي، قال عليه الصلاة والسلام: «صلة القرابة مثرات في الأموال، ومحبة في الأهل، ومنسأة في الأجل». مثرات في الأموال: تكون غنيًا ثريًا متى ما وصلت رحمك. وجاء عند ابن حبان من حديث أبي بكرة، ويحسنه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن أعجل الطاعة ثوابًا صلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة، فتنمو أموالهم وتزداد أعدادهم إذا وصلوا». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون». هذا حديث عظيم يبين فيه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام فضل صلة الأرحام، وأن ثواب الصلة معجل في الدنيا قبل الآخرة. «إن أعجل الطاعة ثوابًا» أي: إن الواصل يعجل له بالأجر وبأثر هذه الطاعة في الدنيا قبل الآخرة، لما يجد من صلته بأرحامه من السعة في الأرزاق، ومن كثرة الأهل والأولاد، والبركة في ذلك. فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة»، أي: عندهم تقصير، وعندهم معاصٍ، ومع هذا لما كانوا واصلين لأرحامهم كثرت ونمت، كثرت ونمت أموالهم، وكثرت ذراريهم بسبب هذه الطاعة العظيمة الجليلة. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون». صلة الرحم منفات للفقر والحاجة، فإذا دخلت الصلة إلى بيت خرج الفقر من الباب، خرج الفقر من الباب. وما من أهل بيت يتواصلون فيحتاجون، لا يحتاجون إلى شيء، يكرمهم الله ويرزقهم الله ويكثر مالهم، الله سبحانه وتعالى. وهكذا عباد الله، فإن الواصل يصله الله، وإذا وصلك الله فقد وصلك الكريم الرحيم الغني سبحانه وتعالى. جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لما خلق الله الخلق قامت الرحم، فقالت: يا رب، هذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال الله عز وجل لها: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟» فمن وصل أرحامه وصله الله، ومن قطع وأساء إلى أرحامه قطعه الله. وأنت يا عبد الله لا غنى لك عن الله عز وجل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. فإذا قطعك، إذا قطعك الله، فمن ذا الذي يرزقك؟ ومن ذا الذي يكرمك؟ ومن ذا الذي يرحمك؟ فاتق الله يا عبد الله، وكن خير الناس لأهلك وأقاربك وأرحامك. إن الذي يسيء إلى أرحامه ويقطع أرحامه ويقطع أرحامه ويقطع أرحامه مطرود من رحمة الله. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾. واللعن هو الطرد من رحمة الله عز وجل. فنسأل الله أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. يا من تطلب الرزق، صل أرحامك قبل أن تطلب رزقك، صل أرحامك قبل أن تطلب رزقك. إن أردت مفاتيح الرزق، وإن أردت البركة في الرزق، فأحسن العلاقة بأرحامك، فهذا باب عظيم قد غفل عنه كثير منا، وقد فرط فيه كثير منا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المؤمنون، عباد الله، إن أعظم حق بعد حق الله عز وجل، ومن حقوق الخلق، هو حق الأرحام، وفي مقدمتهم الأبوان. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾. فقدم حق أولي الأرحام على حق غيرهم. فيا من تحسن العلاقة مع زملائك ومع جلسائك، ولا تحسن العلاقة مع أرحامك، اعلم أنك قد خالفت كتاب ربك. فربك أمرك أولاً أن تؤدي حق أقاربك وأرحامك. وكما قال الله عز وجل في الآية الأخرى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فقدم أولي القربى لعظيم حقهم. وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول، كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة عند الإمام أحمد وغيره، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أفضل الصدقة، أفضل الصدقة، صدقة على ذي رحم كاشح، صدقة على ذي رحم كاشح». ومعنى كاشح، ومعنى كاشح: أي قد أضمر العداوة بكشحه، ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالإحسان إليه. فليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها. لا تعامل أرحامك معاملة المثل بالمثل، فأنت ترجو ما عند الله، لا ترجو ما عند الخلق. لا تقل: هم لم يزوروني فلم أزرهم. لا تقل: هم لم يحسنوا إلي فلا أحسن إليهم. لا تقل: هم لا يسألون عني فلا أسأل عنهم. لا تقل، ولا تقل: إنهم أرحامك. والله عز وجل يقول: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. هذا إذا كان في كل مسلم، ففي الأرحام من باب أولى وأحرى. وهكذا جعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجر الصدقة على ذي الرحم مضاعفة. فقد جاء في حديث سلمان بن عامر عند الترمذي وأحمد وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، صدقة وصلة». فتنال بالإحسان إلى أرحامك أجر الصدقة وأجر الصلة. ولذلك لما أنزل الله عز وجل قوله: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، كان أبو طلحة له بستان، وكان من أكثر الأنصار مالًا، وكان يسمى بيرحا، وكانت من أحب الأموال إليه، وكان هذا البستان مستقبل المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدخل إليه يشرب من ماء عذب فيه. انظروا إلى هذه الأوصاف: من أحب الأموال إليه، وهو أكثر الأنصار مالًا، فأفضل أمواله هذا البستان، مثل ما يكون هناك تاجر أحب أمواله تلك العمارة الضخمة التي بناها في شارع رئيسي وفي مكان مهم، فهذا من أحب أموال هذا البستان. فلما أنزل الله عز وجل هذه الآية جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، إن أحب الأموال إلي بيرحا، وإني جعلتها لله أرجو ذخرها وبرها عند الله عز وجل، فضعها حيث أراك الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بخٍ بخٍ، ذاك مال رابح، سمعت، اجعلها في ذوي أرحامك، اجعلها في ذوي أرحامك». فقال أبو طلحة: سأفعل يا رسول الله، فقسمها على أرحامه وعلى بني عمه. هذه هي الصلة يا عباد الله: أن تواسي أرحامك، وأن تقدمهم على غيرهم، لا سيما عند الفاقة والحاجة، والحاجة. فاتقوا الله يا عباد الله، وحسنوا علاقاتكم بأرحامكم. اسأل نفسك: كيف أنت مع أبيك وأمك؟ لرب شخص تتعجب من أمره، يعمل ليل نهار، والفقر بلازم له، فإذا فتشت عن سبب ذلك لرأيت من أعظم الأسباب أنه عاق لوالديه أو مسيء إليهما، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فكيف إذا أسأت إلى أمك أو إلى أبيك؟ فدع يا عليك، فدعوة الوالدين مستجابة، ففي ذلك خسارتك في الدنيا والآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. اسأل نفسك: كيف علاقتك مع إخوانك وأخواتك؟ مع أعمامك وعماتك؟ مع أخوالك وخالاتك؟ مع أبناء عمك وعماتك وأخوالك وخالاتك؟ اسأل نفسك يا عبد الله، لا تكن خصمًا لهم، فأنت الخاسر. فاتقوا الله يا عباد الله، وصلوا أرحامكم، وتفقدوهم، وأحسنوا إليهم، يبارك لكم في أموالكم وفي أرزاقكم. أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الصالحين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر. اشتركوا في القناة. اشتركوا في القناة.