الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 434، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع يشرح حديثا في سنن ابن ماجة ويوثق رجال السند، ويتناول أسماءهم ونسبهم وتقييم علماء الحديث لهم. يظهر المقطع أهمية علم الحديث في فهم الروايات.
يتناول المقطع حكم النوم على جنابة ويستدل بأحاديث نبوية تشير إلى استحباب الوضوء قبل النوم للجنب، ويشير إلى أن جمهور العلماء يرى أن هذا الوضوء مستحب وليس واجبًا.
المقطع يرى أن حديث "لا يمس ماء" شاذ، ويشير إلى أن النبي ﷺ كان يغتسل من الجنابة بعد الصبح، ويستدل بحديث عائشة الذي يدل على جواز نوم الجنب بعد الوضوء.
كان النبي يتوضأ قبل أن ينام أو يجلس مجلسا لتخفيف الجنابة، ويظهر أهمية الوضوء في تسهيل العبادات والتقليل من آثار الجنابة كما جاء في الأحاديث.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة، وهو محمد بن يزيد بن ماجة القزويني، لم يعرف له كتاب إلا السنن الذي ألفه، هو كتاب عظيم، وإن كان أخذ عليه بعض الأحاديث التي قد تكون موضوعة، وروى عن ناس كان عنده بإسناد عال، كمالك بن إسماعيل وغيره، وهم مجروحون في أحاديثهم، ضعيفة جدا، فلهذا انحط كتاب ابن ماجة عن غيره من السنن. وأول من أدخل سنن ابن ماجة في السنن الإمام صاحب كتاب الأطراف، وهو المقدسي محمد بن الفضل المقدسي، وتبعه على ذلك الإمام المزي في تحفة الأشراف. ولهذا بعضهم لا يدخل ابن ماجة، يقول: الخمسة، يريد به البخاري ومسلم وأبا داود والنسائي والترمذي. قال الإمام أبو عبد الله بن ماجة رحمه الله: حدثنا أبو مروان العثماني، محمد بن عثمان العثماني، نسبه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فنسبه إلى عثمان، فهو عثماني أموي، لأن عثمان ابن عبد شمس، معنى عثمان ابن عفان ابن أبي العاص ابن أمية ابن عبد شمس، وعبد شمس أخو هاشم ونوفل والمطلب، وهو ثقة، وثقه أبو حاتم والبخاري، إلا أن بعض العلماء تكلم فيه، كأبي داود وغيره، على أنه يخالف. ولهذا الحافظ رحمه الله في التقريب قال: صدوق يخطئ، وهذه "صدوق يخطئ" يقولها الحافظ، وكذلك "صدوق يهم" و"صدوق محله الصدق" أو غيرها من هذه العبارات، المراد بها أنه في العادة يقبل حديثه، ما لم يتبين أنه أخطأ فيه أو خالف فيه من هو أوثق منه، فإذا علم ذلك فإنه يضعف حديثه، وإلا ففي العادة -كما قلنا- أنه مقبول، خاصة إذا كان له شواهد. قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، وهو الدراوردي المدني، وأصله من خراسان، وقيل له دراوردي، يقال: إنه كان يقول "أندر" إذا أراد أن يدخل، يقول "أندر أنا" بالفارسية، أندر، فسمي أو لقب بعد ذلك بالدراوردي، أصلا "أندار وردي"، لكن لعجل التخفيف؛ لأنها ثقيلة "أندار وردي" قيل له دراوردي. عبد العزيز بن محمد الدراوردي وهو حافظ، وقد فضله يحيى بن معين وغيره على ابن أبي حازم وغيره، والأصل أنه صدوق، حديثه حسن. قال: عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، وهو أيضا مدني، يزيد بن عبد الله بن الهاد، يقال: يزيد بن عبد الله، ويقال: يزيد بن أسامة، ويقال: يزيد بن الهاد، وهو ثقة مدني. قال: عن عبد الله بن خباب، عبد الله بن خباب هذا أنصاري تابعي، وهو ثقة، وثقه البخاري وأبو حاتم وغيرهما. وهناك أيضا عبد الله بن خباب معروف، الأول عبد الله بن خباب مهاجري وأنصاري، والثاني هذا أنصاري. وذاك الثاني هل هو مهاجري أو أنصاري؟ لا يسعنا الجزم بذلك. السؤال سهل، لكن يحتاج إلى تذكر المعلومات. خباب أبوه كان من أهل مكة ممن عذب من الضعفاء الذين عذبوا، خباب بن العرث، حتى أتى إلى رسول الله ﷺ وهو مستند عند الكعبة، قال: يا رسول الله، ألا تدعو الله، ألا تستنصر لنا؟ الحديث. وعبد الله بن خباب أيضا صحابي، هذا أنصاري، وكذلك تابعي، وابن الصحابي خباب بن العرث، صحابي أيضا صغير، وهو الذي قتلته الأزارقة، هو الذي قتلته الأزارقة، خوارج قتلوه وبقروا بطن زوجته. لا شيء يدل على إجرام هؤلاء الخوارج كما قال العلماء: إن الخوارج يتورعون في كل شيء، إلا في الدماء، ما يتورعون فيها، وهي أعظم شيء، أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الدماء، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين. سبحان الله، الشيطان وقعهم في هذا، يتورعون في التمرة -كما جاءت في قصة قتل عبد الله بن خباب- وجدوا تمرة، تورعوا أن يأكلوها، وقتلوا هذا الصحابي الجليل عبد الله بن خباب. قال: عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري، قال: إنه كان تصيبه الجنابة بالليل، فيريد أن ينام، فأمره رسول الله ﷺ أن يتوضأ ثم ينام. قال: هذا حديث حسن؛ لأن رواه أبو مروان، فيه -كما قلنا- في حفظه شيء، فهو صدوق. وكذلك عبد العزيز الدراوردي. وهذا الحديث قد جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، وكذلك من حديث عمر، ومن حديث عبد الله بن عمر، أن عمر سأل النبي ﷺ أن يرقد وهو جنب، قال: نعم، إذا توضأ. ونحوه أيضا حديث عائشة رضي الله عنها. وهذه الأحاديث نستفيد منها عدة فوائد ومسائل، فمن ذلك أن الإنسان لا ينام على جنابة، لا ينام على جنابة، وإنما يخففها، ولو بالوضوء، يخفف هذه الجنابة. لا يكون جنبا إذا أراد أن ينام دون أن يغتسل، يخفف ذلك بالوضوء، يتوضأ وينام، كما جاء في هذه الأحاديث: "يرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ". "نعم، إذا توضأ". "نعم، إذا توضأ". جاء في بعض الأحاديث عند البزار وطبراني وغيرهما: "ثلاثة لا تقربهم الملائكة"، وذكر منهم الجنب. ولعل هذا من العلة التي أرشد النبي ﷺ إليها وحث على الوضوء. وليس معنى ذلك أنه لا يجوز للإنسان أن يكون جنبا، لا، ما لا يجوز أن يكون جنبا، يؤخر الغسل. بل أخذ بعض العلماء أن النبي ﷺ كان يؤخر غسل الجنابة بعد الفجر، يغتسل بعد الفجر ويصوم. وجاء عن عائشة رضي الله عنها، لكن هل توضأ أو لم يتوضأ؟ لم يثبت فيه شيء. فلهذا لا بأس أن يكون الإنسان جنبا، لكن الأفضل أن يتوضأ، ولا شك أنه يغتسل. وسمي الإنسان جنبا أو سميت الجنابة؛ لأنها تخرج من الشخص، تباعده، تبتعد عنه، وتبتعد من جسدي، تخرج من جسدي فتبتعد، فسميت جنابة. فلهذا الجنب إذا أراد أن ينام فإنه يتوضأ. وأيضا مسألة أخرى، وهي: هل هذا الوضوء واجب أم أنه مستحب؟ هل هو واجب أم أنه مستحب؟ جمهور العلماء يقولون: إنه مستحب. واستدلوا بعدة أدلة، من ذلك ما جاء في حديث أبي إسحاق عن مسروق، أو عن بعض أهل الكوفة، عن عائشة: أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب، ولا يمس ماء. ينام وهو جنب، ولا يمس ماء. وقول "لا يمس ماء" أكثر الحفاظ يقولون: إنها شاذة، وأن هذا الحديث أخطأ فيه أبو إسحاق السبيعي، ولم يثبت عن النبي ﷺ أنه نام ولم يمس ماء. لكن جاء عن عائشة -كما قلنا- أنه كان يغتسل من الجنابة بعد الصبح. ولعل بعضهم أو أبو إسحاق نفسه روى الحديث بالمعنى، فقال: "ينام أو يأتي أزواجه ثم ينام دون أن يمس ماء"، فهذا الحديث خطأ. وأيضا استدلوا بحديث عائشة -كما قلنا- الذي أخرجه أبو داود وغيره: أنه ﷺ كان ينام ثم يغتسل إذا أصبح. وهل هذا فيه أنه توضأ أو لم يتوضأ؟ ليس فيه ذلك، لكن لم يذكر الوضوء، لم تذكر عائشة رضي الله عنها الوضوء. وقالوا أيضا: إن هذا إرشاد من النبي ﷺ، لم يأمر به، لكن جعله إرشادا أن الجنب يتوضأ. فأمره رسول الله ﷺ هنا في هذا الحديث أن يتوضأ ثم ينام، وهذا أصرح. وحديث عمر: "يرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ". فأمره. خلاصة الأمر أن الحديث فيه دلالة على الوجوب، لكن -كما قلنا- أكثر العلماء على الاستحباب. لكن الإنسان يحرص ألا ينام وهو جنب، لا ينام وهو جنب، مع أنه -كما قلنا- أنه يجوز للرجل أن يكون جنبا، ولو لم يتوضأ ويغتسل، هذا إذا ما أراد النوم. وقد جاء في حديث أبي هريرة: لما كان مع النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "يا أبا هريرة، أين كنت؟" قال: "كنت جنبا يا رسول الله". فانخنست، فخشيت أن أمشي معك وأنا جنب -أو كما قال-. قال: "سبحان الله، المؤمن لا ينجس". أو قال: "لا يجنب". في رواية مسلم: "إن المؤمن لا ينجس". وهذا دليل على أن الجنب له أن يمشي في الطرقات، كما هو ظاهر كلام البخاري: "الجنب يمشي في الطرقات". وله أيضا أن ينام، لكن الأفضل له أن يتوضأ، أقل شيء، وإن اغتسل فهو أفضل. إن اغتسل فهو تطهير، والوضوء يخفف الجنابة. الوضوء يخفف الجنابة. وجاء في حديث عائشة في البخاري: "أنه ﷺ كان إذا أراد أن ينام توضأ، وإذا أراد أيضا أن يأكل أو يشرب توضأ". لكن زيادة "أو يأكل أو يشرب" أخطأ فيها بعض أصحاب شعبة، والصحيح الذي جاء عن النبي ﷺ أنه لو اكتفى بغسل اليدين يكفيه. كان النبي ﷺ إذا كان جنبا وأراد أن يأكل غسل يديه، غسل يديه. فيجوز أن يغسل يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن ينام يتوضأ، يتوضأ ثم ينام، وإن اغتسل فهو أفضل؛ لأنه ينام بثوب طاهر، فيكون معه ملك، كما جاء في الحديث. فلهذا هذا الحديث أيضا يحث على الوضوء. ومن مسائل هذا الحديث أيضا أن الوضوء يخفف الجنابة. ولهذا جاء عن عطاء عند أحمد أنه قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا أراد أحدهم أن يدخل المسجد وهو جنب توضأ ثم دخل". أن هذا الوضوء لا يجعله أن يصلي؛ لأنه لو صلى فإنه يصلي على غير طهارة؛ لأن الوضوء ليس طهارة للجنابة، لكنه يخفف الجنابة. فكان إذا أراد أن يدخل المسجد توضأ، إذا أراد الإنسان أن ينام توضأ، وكذلك أيضا إذا أراد أن يجلس مجلسا وغيره يتوضأ؛ لأجل أن يخفف الجنابة. فالوضوء يعتبر تخفيفا للجنابة، كما جاء في هذه الأحاديث.