الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 436

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 436

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 436، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ترجمة الإمام أبي بكر بن أبي عاصم وشرح سند حديثه

يتحدث هذا الفصل عن الإمام أبي بكر بن أبي عاصم وتلاميذه وشيوخه، ويشرح سلسلة السند لحديث رواه مع التعليق على أحوال شيوخه وتلاميذه. يبين المقطع أهمية كتاب السنة لأبي بكر بن أبي عاصم.

شرح حديث أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا ومعناه

يفسر هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يصف أهل اليمن بأنهم أرق أفئدة وألين قلوبا، ويبين روايات الحديث المختلفة ومعناه العام. يشير إلى رقة قلوب أهل اليمن واستجابتهم للوعظ.

تأثير البيئة والتربية على طباع الناس واختلافها

يناقش هذا الفصل تأثير البيئة والتربية على طباع الناس، مشيرًا إلى أن أهل اليمن كانوا ألين قلوبا بينما كان أهل الإبل أغلظ قلوبا. كما يشير إلى تفاوت طبائع الناس حتى داخل الأسرة الواحدة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال ابن أبي عاصم رحمه الله، وهو أحمد بن عمر بن أبي عاصم، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد، وأحمد يعتبر حفيده. أبو بكر بن أبي عاصم صاحب كتاب السنة الذي خرجه الإمام الألباني في «ظلال السنة»، وهو إمام من أئمة أهل السنة. ذكره الإمام المقريزي فيمن ذكر الإجماع على علو الله عز وجل، وقال: «وذاك النبيل ابن النبيل، وكتابه أيضا نبيل». وهو يريد أبو بكر بن أبي عاصم رحمه الله. قال له: كتاب سماه «الأحاد والمثاني»، والأحاد والمثاني المراد به الأحاديث التي جاءت بأسانيد أحد، أي تفرد بها أصحابها. قال رحمه الله: حدثنا دحيم، ودحيم هو إمام أهل الشام، عبد الرحمن بن إبراهيم الملقب بدحيم. وهذا تفخيم للإسم، يسمى دحيم، وقد كان قديما يفعل هذا أن بعض أهل العلم اعترض على تسمية عبد الرحمن مثلا دحيمي أو دحيم أو عبودي لعبد الله. فالظاهر أن الترخيم هذا ليس في اسم الله، وإنما في الاسم الأول، وليس في اسم الله، فلهذا أجازه بعض أهل العلم كالشيخ الأثيمين وغيره. وقد كان الناس يفعلونه من قبل. فهذا دحيم هو إمام أهل الشام ومقدمهم، وهو أعرف الناس برجال أهل الشام، وحافظ، ومحفوظ، وكان يلقب بدحيم. قال: حدثنا دحيم، قال: أخبرنا ابن أبي فديك، وهو محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، وفيه ضعف، متكلم في حفظه، إلا أنه روايته عن أهل المدينة غالبا تكون مستقيمة، وهو من أهل المدينة. قال: حدثنا هشام بن سعد، وهشام بن سعد أيضا مدني، وقد تكلم الناس في حفظه، أي تكلم العلماء في حفظه، أي أنه لين الحفظ، سيء الحفظ، إلا أنه كان أعرف بأحاديث زيد بن أسلم. ولهذا قال الإمام أبو داود رحمه الله: إنه أثبت الناس في زيد بن أسلم، أن هشام أثبت الناس في زيد بن أسلم. قال: عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أو قال: عن زيد بن أسلم. زيد بن أسلم المدني، وأسلم هو مولى عمر، وهو رومي أصله رومي، ثم أسلم، وكان مولى لعمر، وكان مملوكا فاعتقه عمر، وكان يخدم عمر وابنه. وهذا الزيد كان من أفقه أهل المدينة، أي يعتبر من فقهاء أهل المدينة. وكما قال أبو حازم سلمة بن دينار: كنا نجلس إلى زيد بن أسلم أربعون فقيها، كلنا - أو قال - كان أحدنا لا يرى حقا له في شيء، أنهم من كثرة أخوتهم حتى أنهم يتعاطون الأشياء، يتعاطون المال، حتى أنه لا يظن أحدهم أنه له حق في حقه، يعني لا يعطيه أحد، وكأن هؤلاء كأن هؤلاء أصحابه شركاؤه في حقه، أي يرى أنهم شركاؤه في هذا الحق الذي له. وهذا قمة الأخوة والتواد بين هؤلاء العلماء. قال: عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وهو المدني، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وعطاء بن يسار مدني، وكذلك عطاء بن مينة مدني، وعطاء بن أبي رباح مكي. وأما عطاء أيضا ابن يسار فهو أنزل بن هولا، وهو أقصد عطاء ابن أبي سحاق، وأنا أنزل من هولا، ولكنه عطاء الخرساني، عطاء بن مسلم الخرساني مكي، يعتبر أنا نزيل مكة، وغير من هولا الأئمة بمن يسمى عطاء، لكن أشهرهم عطاء بن أبي رباح، وأيضا عطاء بن يسار، وعطاء بن مينة، وعطاء ابن مسلم الخرساني. قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا». قال: هذا حديث صحيح، وهشام بن سعد متكلم فيه، ولكنه أثبت الناس في زيد بن أسلم، كما في تهذيب التهذيب. وهذا الحديث قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام عن عدة من الصحابة، وهو مشهور في الصحيحين عن أبي هريرة. قد رواه عن أبي هريرة جماعة: أبو صالح ذكوان السمان، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن زياد، وهمام بن منبه وغيرهم. همام قال: جئت إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فدخلت، فإذا رجل يحدث الناس، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا أبو هريرة. فجلست إليه، فقال: من أين أنت؟ فقلت: من اليمن. فقال: قد أخبرني حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا». وجاء أيضا في حديث أنس، أن قبل أن يأتي الأشعريون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبا». قال: فطلع الأشعريون في مقدمة المدينة، وكانوا يقولون: غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه. فرح لما استقبلوا المدينة، وكانوا قد جاءوا مع جعفر بن أبي طالب في السفينة، لأنهم جاءوا من طريق الحبشة. والأشعريون هم معنا من اليمن، بيوتهم قريبا ما بين ذمار وصنعاء. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتاكم أهل اليمن، هم أرق قلوبا وألين أفئدة». وجاء في رواية: «أضعف قلوبا وأرق أفئدة». والفؤاد والقلب واحد، هذا المعروف في لغة العرب، أن الفؤاد والقلب واحد، وإنما النبي صلى الله عليه وسلم كرره لأجل الفعل. وقيل: أن المراد بالقلب أو الفؤاد هو باطن أو ما يكون في أعماق القلب، في أعماق القلب يسمى فؤاد. وقيل: أنه نفسه القلب. وغالبا الآيات التي جاءت في كتاب الله عز وجل فتطلق الأفئدة والمراد بها القلوب. فمعروف في لغة العرب أن الفؤاد هو القلب، لكن هنا كرره لأجل الفعل «أرق أفئدة وألين قلوبا». وهنا قوله «أرق أفئدة» معنى قلوبهم رقيقة، معنى تتعظ بسرعة، تتعظ بسرعة، معنى إذا سمعوا الوعظ بسرعة يستجيبون، استجابتهم كانت سريعة. وهذا الذي حصل مع أهل اليمن في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فجاءوا أول ما جاءهم الرسل من عند النبي صلى الله عليه وسلم استجابوا له. بل هؤلاء الأشعريون ذهبوا إلى المدينة، فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هم أرق أفئدة»، أي أن قلوبهم خفيفة تتأثر بالوعظ وتستجيب للوعظ. وأما قوله «وألين قلوبا» أيضا عندهم التساهل، أي ليست عندهم غلظة في قلوبهم، وإنما عندهم اللين، وأيضا الرفق والمسامحة وصفاء القلب، فهذا معنى «ألين قلوبا». وقيل: أن المراد بأهل اليمن هؤلاء هم الأنصار لأنهم من أهل اليمن، أنصار المدينة. لكن في حديث نس النبي صلى الله عليه وسلم أطلقها على الأشعريين، كما جاء أيضا في البخاري «أتاكم أهل اليمن، هم أول من عرف بالمصافحة»، أنهم الذين بدأوا الناس بالمصافحة، وهذا المراد بالأشعريين، فلهذا بعضهم يقول أن هذا الحديث خاصة بالأشعريين، لكنها كثيرة تدل على أنها ليست خاصة بالأشعريين. وذكر الإمام المباركفوري في «تحفة الأحوذي» عن بعض العلماء أنهم قالوا: أن هذا الحديث في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أنا كان أهل اليمن في ذلك الوقت على هذا الوصف، لكن لا يمنع أن يكون هذا الوصف فيهم جبل، يعني خلقهم الله عز وجل على طبائع أرضهم وعن الأرض، وطبيعة الأرض لها دور. ولهذا جاء في هذا الحديث بعدما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا»، «الإيمان يمان، والحكمة يمانية». قال: «والغلظة والجفاء في أهل الوبر». وقال في لفظ: «والجفاء في أهل الوبر والغلظة في أهل الإبل». والغلظة معنى القسوة، غلظة القلوب وقسوتها، والعنف يكون في أهل الوبر، أهل الوبر معنى أهل الإبل، وأهل الغنم تطبع عندهم أيضا أخلاق هذه الأشياء التي يربونها. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين: «تجد السكينة والوقار في أهل الغنم»، وتجد الفظاظة والغلظة في أهل الإبل والوبر. وهذا بسبب كما قلنا التربية، معنى الذي يربي الإبل ويربي الغنم غالبا يأخذ طباعها، من الغلظة والشدة والقسوة، والذي يربي الغنم أيضا يأخذ من طباعها من اللين والسكون. ولهذا كان أهل اليمن غالبهم ممن يربي الغنم، لكن فيهم ممن يربي الإبل، لكن هذا الحكم يكون حكما عاما جملة، وليس المراد فيهم كلهم، أنا يوجد من أهل اليمن من هو غليظ القلب، وأيضا عنده قسوة وعنده جفاء، ولكن هذا الحديث معناه في الجملة. فأهل اليمن جملة هم أفضل من غيرهم من أهل البلاد، حتى قد يكون من أهل مكة وأهل الطائف، ساكنون الذين سكنوا مكة وغيرها، فتجد فيهم غلظة وقساوة، بل حتى أحيانا من أهل المدينة، وإن كان أهل المدينة ألين، لكن تجد الناس بسبب الهجرات من بلد إلى بلد، هذا يذهب هنا، ومنظر إلى الأنصار من أهل اليمن ذهبوا إلى المدينة، ويأتي أناس أيضا من غير أهل هذه البلاد يسكنوا فيها، فتتولد بعد ذلك أخلاق أخرى وطباع أخرى في نفس البلاد. انظر الآن إلى اليمن فيها من كل بلاد، من الترك ومن الهنود ومن غيرهم ممن كان يهاجر إليها، بل حتى بعضهم من أصول مثلا أصول أوروبية سكنوا هنا وجلسوا وصاروا من العرب. فلهذا فتجد أن الناس يتخلق بعضهم بعضا، ويكتسب الإنسان طبعه ممن يعيش معه. وكما يقال: الإنسان مدني بطبعه، أنا يأخذ طبعه من غيره. وقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». فلهذا فالطباع تكتسب، طباع تكتسب. لكن هذا كما قلنا وصف عام، قد يوجد في منطقة وقد لا يوجد في منطقة، قد يوجد في أناس وقد لا يوجد في أناس، أحيانا أيضا يوجد في بيت واحد، تجد اختلاف، هذا الأخ لين جدا وعنده سماحة، وهذا الأخ الآخر أخوه أيضا من أمه وأبيه، تجد عنده غلظة وقسوة وأيضا جفاء. هذا يختلف، لكن هذا حكم عام، هذا الحكم حكم عام. فأهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا إن شاء الله ما يذكر في شرح هذا الحديث. والله تعالى أعلم.