الدرس في التعليق على الجواب الكافي 170، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
دواء العشق يكمن في معرفة توحيد الله واللجوء إليه والإخلاص له، وملء القلب بمحبته وتعظيمه. العشق يفسد الدين والدنيا ولا مصلحة فيه.
العشق يؤدي إلى تقديم محبة المعشوق على محبة الله ويسبب عذابًا للقلب، ويجعله أسيرًا لمعشوقه. كما يسبب تشتت القلب وإضاعة مصالح الدين والدنيا.
عشق الصور يسبب إضاعة الصلوات والانشغال عن الله وقد يؤدي إلى الجنون وفقدان العقل. حتى العلماء قد ابتلوا بهذا العشق ورغم علمهم وقعوا في فتنته.
العشق حالة مستمرة لا يمكن الفكاك منها، ويشبه بحالة الجنون لكن مع استمرار دائم. يوصف العاشق بأنه لا يستفيق أبدًا من حالة العشق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: فصل في دواء العشق. قال: ودواء هذا الداء القتال أن يعرف أن ما ابتلي به من هذا الداء، مضاد للتوحيد، إنما هو من جهله وغفلة قلبه عن الله تعالى، كما تقدم. فصادفت قلبًا خاليًا فتمكن، ولو كان قلبه مليئًا بمحبة الله وتعظيمه لما لاقى هذا العشق وغيره فراغًا في قلبه. قال: فعليه أن يعرف توحيد ربه وسننه وآياته أولًا، ثم يأتي من العبادات الظاهرة والباطنة بما يشغل قلبه عن دوام الفكر فيه، ويكثر اللجأ والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى. قال: وأن يرجع بقلبه إليه، وليس له دواء أنفع من الإخلاص لله، وهو الدواء الذي ذكره الله في كتابه، حيث قال: ﴿كذلك نصرف عنه السوء والفحشاء﴾. هذا قرأناه، ثم ذكرنا أضرار العشق، قاله. من المعلومة هذا ذكرناه، وهو العلاج هذا الداء، أنه يلتجئ إلى الله عز وجل، ويخلص لله بعمله، ويشغل نفسه بطاعة الله. فإن لم يستطع أن يشغل نفسه بطاعة الله حتى يشغلها بشيء مباح، أفضل له من أن ينشغل بهذا المحبوب أو المعشوق، لأن هذا يعذبه في الدنيا قبل الآخرة، بل قد يصرفه عن الإسلام والعياذ بالله، وعن الدين، بل عن الإيمان، قد يخرجه عن الدين كله. قال: المعلوم أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية، وعشق الصور: أن بعضهم يستشكل عشق الصور. المراد بالصور هو المخلوقات التي خلقها الله عز وجل، وصورها الله عز وجل، يقول: ﴿وصوركم فأحسن صوركم﴾. صور هنا المراد ما خلقه الله عز وجل على شكل صورة، سواء كان إنسان أو حيوان، لكن هنا المقصود الإنسان وما يعشق من النساء والمردان وغير ذلك، فهذا المقصود. أنه ليس في عشق الصور مصلحة دينية ولا دنيوية، بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف أضعاف ما يقدر فيه من المصلحة. أو ما يقدر فيه من المصلحة. أنا ليس في العشق بعض هؤلاء العشاق يقولون: أن من مصلحة العشق أن الإنسان يرق قلبه، يكون قلبه رقيق. ويش ينفع إذا كان القلب رقيقًا، لكنه لا يعبد الله، ولا يرق لدين الله عز وجل، ولطاعة الله، ماذا سينفع هذا القلب إذا كان رحيمًا ورقيقًا؟ فلهذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: أنه ليس هناك مصلحة دينية ولا دنيوية تذكر. وأما ما يذكرونه من فضائل العشق وغيره، فهو أوهام، وسيأتي إن شاء الله وتعالى الكلام لإمام ابن القيم في ذلك. بل مفسدته الدينية والدنيوية أضعاف وأضعاف ما يقدر فيه من المصلحة. قال: وذلك من وجوه: أحدها الاشتغال بذكر المخلوق وحبه عن حب الرب تعالى وذكره، فلا يجتمع في القلب هذا وهذا إلا ويقهر أحدهما الآخر، ويكون السلطان والغلبة له. وغالبًا من يهيم في العشق فإنه يقدم محبة هذا المعشوق على كل شيء، بل حتى على ربه سبحانه وتعالى. فلهذا تنطبع هذا العشق، ويأخذ قلبه كله ووقته كله، ما تجده إلا وهو يذكر هذا المخلوق، بل يذكره أعظم من ذكره لله عز وجل، سواء كان بقلبه أو بلسانه. الثاني: عذاب قلبه بمعشوقه، فإن من أحب شيء غير الله عذب به ولابد، كما قيل: «فما في الأرض أشقى من محب، وإن وجد الهوى حلو المذاقي. تراه باكيًا في كل حين، مخافة فرقة أو أو الاشتياقي». أنا خاف أن يفارقه محبوبه، أو أنه مشتاق له ما رآه. وكذا قال: فيبكي إن أو قال فيبكي إن أو شوقًا إليهم أنا إذا ابتعدوا، ويبكي إن دنوا خوف الفراقي. فتسخن عينه عند الفراقي، وتسخن عينه عند التلاقي، أنا يبكي عند الفراق، ويبكي عند اللقاء، أنا يصير قلبه معذبًا. قال: والعشق وإن استعذبه صاحبه فهو من أعظم عذاب القلب، وهذا لا شك فيه. فأولئك العشاق غالبًا معذبون، حتى عشاق الكرة، حتى عشاق الكرة تجد أنهم أيضًا لهم قسم من هذا القسم من العذاب، وإن كانوا ليسوا كعشاق الصور. قال: الثالث: إن العاشق قلبه أسير في قبضة معشوقه، يسومه الهوان، ولكنه لسكرته لا يشعر بمصابه. لسكرته في الهوى وفي المحبة لا يشعر بما يصيبه من هذا العذاب، يعذب في كل يوم، يصير يعذب في كل يوم، يعذب في الكلمة التي قالها، التي قالها هذا المحبوب، قال كلمة عادية، لكن تجد طوال اليوم هو يفكر في هذه الكلمة، ما الذي يقصده وما الذي كذا. طول الليل لا ينام، وهذا قال: «فقلبه كالعفور في كف طفل يومها حياض الردى، والطفل يلهو ويلعب». كما قال بعض هؤلاء: هذا المحبوب كأنه يلعب بمشاعر هذا المحب، كما قال بعض هؤلاء: «ملكت فؤادي بن قطيعة والجفى، وأنت خلي البال تلهو وتلعب». قال: فعيش العاشق وعيش الأسير الموثق، ويعيش الخلي عيش المسيب المطلق. والعاشق كما قيل: «طليق برأي العين وهو أسير، عليل على قطب الهلاك يدور، وميت يرى في صورة الحي غاديًا». أنا كأنه ميت، ليس حي، وليس له حتى النشور، حتى النشور نشور. أخو غمرات ضاع فيهن قلبه، فليس له حتى الممات حضور، أنا قد مات أطلقه لاه مع الناس، ولا الناس معه، ما ينظر ولا يسمع، ولا أيضًا كذلك يذكر إلا محبوبه. قال: الرابع: أنه يشتغل به عن مصالح دينه ودنياه، فليس شيء أضيع لمصالح الدين والدنيا من عشق الصور. أما مصالح الدين فإنها منوطة بلم شعث قلبه وإقباله على الله، وعشق الصور أعظم شيء تشعيثًا وتشتيتًا له. أنا حتى الصلاة، أنا يذكر بعض هؤلاء ممن تابع من هذا ورجع من مسألة العشق، قال: حتى الصلاة ما نستطيع أن يصلي، ما حتى الصلاة ما يستطيع أن يصلي. فحتى بلغ أنه إذا اتصل به هذا المحبوب، حتى أنه يفتح الجوال حتى في الصلاة، حتى وهو في صلاة، معناه يقابل رب العالمين سبحانه وتعالى. فتجد أنه يفتح الجوال ويضع السماعة في أذنه حتى يسمع كلام هذا المحبوب والعياذ بالله. قال: وأما مصالح الدنيا، معناه: حتى قد يضيع عليه الصلوات، وقد أيضًا يلعب عليه في الصلاة، معناه أيش من صلاة يصلي وهو يستمع لكلام هذا الشخص. قال: وأما مصالح الدنيا فهي تابعة في الحقيقة لمصالح الدين، فمن انفرطت عليه مصالح دينه، وضاعت عليه مصالح دنياه أضيع وأضيع. قال: الخامس: إن آفات الدنيا والآخرة أسرع إلى عشاق الصور من النار في يابس الحطب، أنا بسرعة تسرع إليهم آفات الدنيا والآخرة، من الأمراض وكذا، معناه: هذه آفات الدنيا، وآفات الآخرة من موت القلب. قالوا: سبب ذلك أن القلب كلما قرب من العشق وقوي اتصاله به، بعد من الله، فأبعد القلوب من الله قلوب عشاق الصور. والأدهى والأمر أن أنك تجد من هو منتسب للعلم يرى جواز مثل هذا، مثل بعض الظاهرية، مثل بعض الظاهرية ابتلي بهذا وأنه جائز. قالوا: ما في دليل على التحريم، وفتنوا به، حتى أن بعض كبرائهم كان كان يأخذ الساعات وهو شارد، ما يدري من عنده ومن يكلمه، وهو من أهل العلم الكبار، أنا من مذهب الظاهرية، لكن ابتلاه الله عز وجل بعشق الصور حتى مات، وقلبه يتحسر على معشوقه، وهو رجل عالم، لكن ابتلاه الله عز وجل. قال: لم يدع ذا يمكنه إيصاله إليه إلا أصله، فما الظن بقلب تمكن منه عدوه، وأحرص الخلق على غيه وفساده، وبعد منه وليه، ومن لا سعادة ولا فلاح ولا سرور إلا بقربه وولايته. سيذكر المؤلف رحمه الله بعض ممن انتسب للعلم من ابتلي بهذا في آخر كلامه رحمه الله. قال: السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوي سلطانه، أفسد الذهن وأحدث الوساوس، وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم، فلا ينتفعون بها. ومعنى يضرب العلماء مثالًا: مجنون ليلى، إن صحت هذه القصة، إن صحت قصة مجنون ليلى، وهي ليست بعيدة، أنا لا يستبعد الإنسان مثل هذا، بل حصلت حتى في وقتنا هذا، كم من رجل جن بسبب العشق وهام على وجهه، أيضًا بسبب العشق، بل بعضهم مات، أصاب معنا جاءه الموت ما استطاع أن يتحمل بسبب أيضًا فراق معشوقه أو غيره. وهذا كله حصل كثير من من يعشق النساء المردان، أصيب بجنون، صار مجنونًا يمشي في الشوارع بسبب هذا الأداء، فليس ببعيد كما قلنا. قال: وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها، بل بعضها يشاهد بالعيان. وأشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميز عن سائر الحيوانات، إذا أدم عقله التحق بالحيوان البهيم، ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله. وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضر به إلا العشق، وبما زاد جنونه على جنون غيره، كما قيل: «جننت بمن تهوى فقلت لهم، العشق أعظم مما بالمجانين». أنا حتى أعظم من المجانين. قال: «العشق لا يفيق، أو قال العشق لا يستفيق الدهر صاحبه، وإنما يصرع المجنون في الحين، أما المجنون يصرع، لكن هذا ما يستفيق أبدًا، يظل في جنونه». طيب شاء الله تعالى نكتفي بهذا.