التعليق على الجواب الكافي 171

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 171، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أضرار العشق على الحواس وآثاره

ذكر ابن القيم أن العشق يفسد الحواس إما إفسادا معنويا أو صوريا، ويسبب تغيرات في رؤية المحبوب. كما أن شدة الرغبة تكون غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على حقيقته.

أقسام الناس وآثار العشق على القلب والجسد

يناقش المقطع أربعة أقسام من الناس بناءً على معرفتهم لطرق الحق والباطل، ويبين مخاطر العشق وآثاره السلبية على القلب والجسد. الإفراط في المحبة يمكن أن يؤدي إلى تعطيل القوى النفسية والحيوانية.

مقامات العاشق ومراتب العشق وتحذيراته

يشرح الإمام ابن القيم مقامات العاشق الثلاثة ويحذر من كتمان العشق وتفشيته بين الناس، ويبين أن ذلك قد يؤدي إلى ظلم المعشوق وأهله.

ظاهرة تصديق الأقوال الكاذبة

يذكر المقطع مقولة حول تصديق الأقوال حيث يكذب شخص واحد ويصدق تسعمائة وتسعة وتسعون شخص قولاً معيناً، ويُظهر مدى سهولة تصديق الناس للكلام دون التحقق منه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، ذكر ابن القيم رحمه الله أضرار هذا المرض الخطير، وهو العشق، وهو مرض من الأمراض التي يسيطر الشيطان على أصحابه، ويصير من قتله. كما قال «لما محمد في أهل العلم، وكم من قتيل لإبليس قد هدوه، وهؤلاء قتل إبليس والعياذ بالله». فقال: السابع، أي ضرر سابع، أنه ربما أفسد الحواس أو بعضها، إما إفسادا معنويا أو صوريا. أما الفساد المعنوي، فهو تابع لفساد القلب، فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان، فيرى القبيح حسنا منه ومن معشوقه. وهذا صحيح وحقيقة، أن قد يكون الإنسان عنده دين ويعرف الحلال والحرام، وقد يفعل مع معشوقه ما لو رأى أحدا يفعله لأنكر عليه، لكنه يفعله مع هذا المعشوق. قال: كما في الحديث المرفوع «عن حسبك الشيء أو حبك الشيء يعمي ويصم». وهذا الحديث وإن كان معناه صحيح، لكنه من ناحية الإسناد لا يصح. وقد ذكره الشيخ الألباني في الضعيفة. قال: فهو يعمل عين القلب عن رؤية مساوئ المحبوب وعيوبه، فلا ترى العين ذلك، بل يرى كل شيء في محبوبه حسن. قال: ويصم أذنه عن الإصغاء إلى العذل فيه، حتى لو قيل له أنه يفعل كذا ويفعل كذا، كأنه لم يسمع. قال: فلا تسمع الأذن ذلك، والرغبات تستر العيوب. قال: فالراغب في شيء لا يرى عيوبه، حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه. ولهذا كان العلماء يقولون في مسألة أن الإنسان من كثرة محبته للشخص فلا يدرك عيوبه. قالوا: إذا أردت أن تعرف عيوب شيخك، فاطلب العلم عند غيره، حتى تعرف عيوبه. وهكذا المحب لا ينكشف الغبار عنه، ولا يعرف عيوب محبوبه إلا إذا رغب عنه، وإذا تركه. فمن ثم بعد ذلك تأتي العيوب، كما يقال: «وعين الرضا عن كل عيب كليلة، وعين السخط تبدي المساوئ». قال: فالرغبات تستر العيوب، فالراغب في شيء لا يرى عيوبه، حتى إذا زالت رغبته فيه أبصر عيوبه. فشدة الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على ما هو عليه. كما قيل: «هويتك إذا عيني عليها غشاوة، فلما انجلت قطعت نفسي ألومها». يقول: هويتك إذا عيني عليها غشاوة، كانت عيني لما هويتك وأحببتك كانت عليها غشاوة، فلما انجلت هذه وذهبت، قطعت نفسي ألومها. كيف أحب مثل هذا؟ وعنده كل هذه الأشياء التي عنده لم ترى في وقت محبته. فلهذا قال: إن هذا من العيوب العظيمة التي هي من أضرار هذا العشق. قال: والداخل في شيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه، ولا يرى عيوبه إلا من دخل فيه ثم خرج منه. ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خيرا من الذين ولدوا في الإسلام. قال عمر رضي الله عنه: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا ولد في الإسلام من لا يعرف الجاهلية». إذا ولد في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، فهذا إذا كان ما عرف الجاهلية، ولد في الإسلام، ما عرف عيوب الجاهلية. فلهذا ما تقوى عنده القوة التي تمنعه من ارتكاب هذه الأمور. وأما من يعرف الجاهلية وضررها وآثارها، فيكون عنده الإسلام أقوى. ولهذا غالبا من يدخل الإسلام من دول الكفر ويسلم، يكون إسلامه أقوى من غيره ممن ولد على الإسلام. هذا غالبا، وليس مضطردا. يكون إسلامه غالبا أقوى من من تربى على الإسلام أو ولد في الإسلام، لأنه عرف الشر وعرف بعد ذلك الخير. لهذا ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في قول الله عز وجل ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، ذكر رحمه الله في كتاب «بدائع الفوائد» أن الناس في هذه الآية على أربعة أقسام. قال: وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين. وقال: إن الناس في هذه الآية على أربعة أقسام. من الناس من يعرف سبيل المجرمين بالتفصيل، ويعرف سبيل المؤمنين أيضا بالتفصيل. وهذا هم العلماء العاملون، يعرفون طرق الضلالة ويعرفون طرق الهداية، فيعرفون الناس طرق الهداية ويحذرون الناس من طرق الضلالة. والقسم الثاني: من يعرف طرق الضلالة بالتفصيل، ولا يعرف طرق الهداية إلا مجملا. فهذا غالبا قد يقع في شيء من الشبهات أو الشهوات، لأنه ما تبرس في العلم بدين الله جل وعلا. فلهذا فهو يعرف طرق الباطل، لكنه ما يعرف طرق الحق، وإنما يعرفها مجملا. والقسم الثالث: من يعرف طرق الحق بالتفصيل، ويعرف طرق الباطل مجملا. يعرف طرق الباطل مجملا، ما يعرف تفصيلها ولا الأمور التي تؤدي إليها. وهذا أيضا يخاف عليه في الطريق، أن تأتيه شبهات أو شهوات فتضله عن الطريق. والقسم الرابع: هو الذي لا يعرف طرق الضلال إلا مجملا، ولا يعرف طرق الحق إلا مجملا. وهذا غالبا أنه يخطئ الطريق، إما أنه يعبد الله عز وجل بعبادة غير صحيحة، أو أنه يضل بالشهوات وغيرها. فأعظم الناس في هذه الطرق من كان يعرف طرق أهل الحق، ويعرف طرق أهل الباطل، فيأتي طرق أهل الحق فيسلكها، ويدع طرق أهل الباطل، وكذلك يحذر منها. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، قال: وَأَمَّا فَسَادُ الْحَوَاسِ ظَاهِرًا، فَإِنَّهُ يُمْرِضُ الْبَدَنَ وَيُنْهِكُهُ، وربما أدى إلى تلف. كما هو المعروف من أخبار من قتلهم العشق، سيأتي. كما قلنا، سيذكر الإمام ابن القيم بعض الأمثلة على ذلك هناك، أو ناس قتلهم هذا العشق، منهم من قتله العشق الحرام، ومنهم من قتله العشق الحلال. العشق الحلال مراد به عشق الزوجة، لكن أحيانا، وإن كان عشق حلال، لكن الغلو فيه يؤدي إلى مفاسد. قال: وقد رفع إلى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد نحل حتى عاد جلدا على عظم. فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق. فجعل ابن عباس يستعيذ بالله من العشق عامة يومه. وهذا الأثر كان فيه ضعف في سنده، لكن معناه صحيح. قال: الثامن، أن العشق كما تقدم، والإفراط في المحبة بحيث يستولي المعشوق على القلب من العاشق، حتى لا يخلو من تخيله وذكره والتفكير فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه. فعند ذلك تشتغل النفس عن استخدام القوة الحيوانية والنفسانية، فتتعطل تلك القوة، فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعسر دواؤه ويتعذر. فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فيعجز البدن عن صلاحه. حتى أنه يتغير حتى حاله، وتتغير أخلاقه، ولا يلتفت إلى الناس. قد يفعل أشياء كان قبل هذا الأمر وقبل أن يدخل هذا في قلبه، قد لا يستطيع أن يفعلها. لكن لما كان قد تشبع بهذا العشق، فإنه لا ينظر إلى الناس، ولا يستحي أيضا من الله ولا من خلقه. فلهذا تتغير قواه النفسية والحيوانية، أو القوة الحيوانية والنفسانية. مراد بالشهوة. وكذلك تظهر عليه حتى في أخلاقه الظاهرة. قال: كما قيل: «الحب أول ما يكون لجاجة يأتي بها وتسوقه الأقدار، حتى إذا خاض الفتى لجج الهوى، جاءت أمور لا تطاق». قال: والعشق مبادئه سهلة حلوة. أول العشق حلو محبا، وأوسطه هم وشغل، وآخره عطب وقتل، إن لم تتداركه عناية من الله. كما قيل: «وعش خاليا فالحب أوله عنى، وأوسطه سقم، وآخره قتل». وهذا حقيقة، أوله سهل حلو، يلتذ به العبد، وأنه وجد من يواصله. ثم بعد ذلك إذا استمر فيه وغرق فيه، جاءه الهم وجاءه شغل القلب وجاءه المرض. ثم في آخره إما أن يخرجه عن دين الله عز وجل والعياذ بالله، أو يخرجه عن الطاعة، يكون عاصيا بعيدا عن الله وبعيدا عن ذكر الله، أو أنه يموت بسبب هذا العشق. وحصل كما سيأتي إن شاء الله لكثير من الناس. قال: وقال آخر: «تولع بالعشق حتى عشق، فلما استقل به لم يطق. أي رأى لجة ظنها موجة، فلما تمكن منها غرق». اللجة هو المكان العميق الذي يكون في البحر، معنى تكون حفرة في البحر. فهذه سمى لجة. فقال: ظنها موجة موجة عادية، فدخل فيها، فهي لجة عظيمة لا يستطيع أن يخرج منها. قال: فلما تمكن منها غرق. قال: والذنب منه، فهو الجاني على نفسه. وقد قعد تحت المثل السائر: «يداك أو كستا وفوك نفخ». هذا مثال يضرب لمن سبب على نفسه المشاكل، وأتى على نفسه بهذه الأمور. فسببه أنت، «يداك أو كستا وفوك نفخ». معنى أنت الذي نفخت النار حتى صارت لهبا وأحرقت نفسك. فهذا المراد. ويداك أو كستا، أي هي التي سببت لك هذه المشاغل. قال رحمه الله: مقامات العاشق والعاشق له ثلاثة مقامات: مقام ابتداء، ومقام التوسط، ومقام انتهاء. فأما مقام ابتداء، قالوا: يجب عليه فيه مدافعته بكل ما يقدر عليه، إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذرا قدرا وشرعا. فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه، وهذا مقام التوسط والانتهاء. هذا الآن يحكي الإمام ابن القيم ما يفعله العاشق في عشقه. فأولا يأتي وقت الاجتهاد، كيف يصل إلى محبوبه؟ إذا وقع في قلبه محبة امرأة أو غيره، فتجد أنه أولا يبدأ بالطرق التي يصل إليه، يصل إلى هذا المحبوب. كيف يصل إليه؟ فتجده يدفع كل ما يملكه أو كل ما يستطيع أن يفعله لأجل أن يصل إلى هذا المحبوب. فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه، وهذا مقام التوسط. والسفر والانتهاء، معنى بعد ذلك يأتي الهم والغم، ويأتي المرض، ويأتي غيره من هذه الأشياء. فتجده يفكر في ذلك المحبوب. كما تقدم ذكر الإمام قصة ذلك الرجل الذي جاءتهم امرأة، وقالت له: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ كان حمام يغتسل فيه الناس، ما حار، وكان بابه يشبه باب هذا الرجل، وكان قريبا منهم. فسألته: أين باب حمام منجاب؟ فقال: هذا، وأشار إلى بيته. فدخلت المرأة تريد تظن أنه حمام، هذا الحمام الذي يغتسل فيه. فما أحست بنفسها إلا وهي وسط داره، فعرفت. فعرفت أن الرجل كادها. فلما لم تجد ما تدفع عن نفسها، أظهرت له أنها راضية بهذا المقام. فلما اطمأن منها، قالت له: ألا تأتي لنا بشيء حتى نتسمر به؟ فهذا الرجل لما رأى رضاها، نسى حتى الباب، وذهب يأتي بشيء يتسلون به وتسمرون به. فوجدت الباب مفتوحا وخرجت. فلما جاء لم يجدها، وقد هام قلبه. فكان يبحث عنها في الشوارع ويهيم ويقول: «ورب قائلة يوما وقد تعبت، أين الطريق إلى حمام منجاب؟». حتى ذات يوم ردت عليه جارية بأنه لو أغلق بابه لكان رأى ذلك. أو كذا. فالمهم أنه هام على نفسه حتى مات بعدها. معنى صار قلبه معلق بهذه المرأة، فجاءه الغم والهم، حتى كان يمشي في الشوارع ويهذي. ثم بعد ذلك قتل بسبب هذا الأمر. معنى مات وهو يقول هذا الشعر: «رب قائلة يوما وقد تعبت، أين الطريق إلى حمام منجاب؟». أنه يقولون: قل لا إله إلا الله، وهو يأتي بهذا الشعر. قال رحمه الله: فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلا سفر إلى محبوبه، وهذا مقام التوسط والانتهاء. فعليه كتمان ذلك، وأن لا يفشيه إلى الخلق، ولا يشمت بمحبوبه، ولا يهتكه بين الناس، فيجمع بين الشرك والظلم. معنى الظلم أنه يتكلم على إنسان، قد يكون هذا الإنسان بريء، لم يفعل معه شيء، أو المرأة هذه لم تقابله أبدا، ولم أيضا تتصل به بشيء، وهو يذكرها في كل شعر أو في كل كذا. كما يفعل بعض الشعراء قديما. قال: فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم. ربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله. وسيأتي معنا أيضا سيذكر الإمام ابن القيم قصة رجل من العرب اسمه عتبة بن المنذر، ووصله ومحبته لمرأة حتى تزوجها. فكان الناس يتكلمون، وهي لم تره أبدا عن هذه المرأة، لم تره ورعاها، لكنها لم تره، لكن تسمع أنه كان يتغزل بها في بعض الشعر. فسيأتي إن شاء الله. ثم قال رحمه الله: وربما كان أعظم ضررا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله. فإنه يعرض المعشوق بهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه، وإقسامهم إلى مصدق ومكذب. وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة. ولهذا تجد الكلام سهل، تكلم يقول: تلك المرأة فلان، أو مثلا عشيقة فلان، وهي تفعل كذا وكذا. بسرعة يتكلم، وهو لا يرى الحقيقة، لكن يسمع كلام الناس أن فلان يذكر فلان. وهذا من أشد الأمور التي ينتهك فيها عرض المسلم. قال: وإذا قيل: فلان فعل بفلان أو بفلان، كذبه واحد وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون.