شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 18

الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الاستعاذة وحكم صرفها لغير الله

الاستعاذة هي طلب الالتجاء والاعتصام من الله، وهي عبادة لا يجوز صرفها لغير الله. الاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك.

أدلة عدم جواز الاستعاذة بغير الله والفرق بين الإصابة والضرر

يناقش حكم الاستعاذة بغير الله تعالى، ويستدل بآية قرآنية وحديث نبوي على عدم جوازها، ويبين الفرق بين الإصابة والضرر في سياق الاستعاذة بكلمات الله التامات.

أهمية اليقين في الدعاء وتحذير من الشرك

يشرح حديث خولة بنت حكيم ويبين أهمية اليقين في الدعاء، ويحذر من الشرك بالله، ويوضح أن حصول النفع الدنيوي لا يعني عدم الشرك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من الشرك الاستعاذة بغير الله، وقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. هذا الباب باب الاستعاذة بغير الله، والمراد بالاستعاذة هو طلب العود، وطلب العود، والعود المراد به الالتجاء والاعتصام، فاستعاذة معناه طلب اللجأ والاعتصام من الله عز وجل من ذلك الشر الذي استعاذ منه، فاستعاذة هو الاعتصام بالله. لهذا جاء في الحديث: «فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به»، أي فليلجأ إليه، فقول الإنسان «أعوذ بالله» أي يلتجئ إلى الله واعتصم بالله، «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» أي أن العبد يلتجئ إلى الله عز وجل لأجل شر هذا الشيطان الرجيم. غالبا الاستعاذة هي الالتجاء في دفع شر، الالتجاء والاعتصام في دفع شر، وإذا كانت عندها ضرورة تسمى استغاثة، كما سيأتي، لكن الاستعاذة هو الالتجاء لدفع شر، وإذا كان لجلب خير يسمى لياذ، يسمى لياذ. هذا عياذ، ولهذا جاء في الشعر المتنبي أنه قال في وصفه لبعض الملوك، وهو ابن عمي الهمداني: «أنت الذي أعوذ به فيما أحاذره أو قال ألوذ به فيما أؤمله وأعوذ به فيما أحاذره»، ما كان أؤمله من الخير ألوذ به، ألوذ معنى أن ألتجئ إليك، وكذلك أستعين بك وألتجئ إليك في دفع الشر. فالاستعاذة هي اعتصام بالله لدفع شر الأشرار أو كيد الفجار أو غيره، وشر الشيطان، فلهذا فهي عبادة، الاستعاذة عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله. لا يجوز للإنسان أن يلتجئ في دفع شر معنى أن يلتجئ بقلبه إلى إنسان لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، لكن يجوز أن يلتجئ إليه في شيء يستطيعه. فلهذا فالاستعاذة الشركية هي الاستعاذة بغير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله، وتكون من الحي، معنى الاستعاذة الجائزة تكون من الحي الحاضر القادر، مثل الاستغاثة، فيجوز أن يستغيث بحي حاضر قادر. أما إذا انتفى أحد هذه الشروط الثلاثة فيدخل العبد في الشرك، فإن كان ليس حيا فهو ميت، معنى أنه غائب لا يجوز له أن يدعوه من دون الله ويستغيث به أيضا، كذلك إذا كان غائبا فمن باب أولى، وكذلك الشرط الثالث أن يكون قادرا، فأما إذا كان لا يقدر عليه الإنسان ولا يقدر على ذلك إلا الله فهو من إعطاء المخلوق خصوصية هي للخالق. فمثلا لو قال الإنسان «أستعين بفلان من الشيطان»، من الذي يصرف كيد الشيطان ويصرف شر الشيطان هو الله، ليس هناك أحد يقدر على ذلك، فالالتجاء إلى غير الله عز وجل في هذا معنى أنه يلتجئ إلى غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. فلهذا فلابد من هذه الثلاثة الأمور الذي يدعى من دون الله أو يستغاث به أو يستعاذ به لابد أن يكون حي حاضر قادر. واتفق العلماء كما قال شيخ الإسلام وغيره على أن الاستعاذة عبادة، ولهذا استدل الإمام أحمد رحمه الله في مسألة خلق القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال أعوذ بكلمات الله التامات»، فتعوذ بأي شيء؟ بكلمات الله، فلو كانت كلمات الله مخلوقة لما تعوذ بها النبي عليه الصلاة والسلام. هذا الدعاء «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» هذا قد جاء عن جمع من الصحابة، سواء كان في أذكار المساء أو سواء كان في أذكار المنزل إذا نزل الإنسان منزلا مثلا مسافرا وخرج إلى مكان بالسيارة يريد أن يأكل يريد أن يصلي يريد أي حاجة، عند خروجه يستعيذ ويقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلقه». كما سيأتي في حديث خولة، فهذا القول هو «أعوذ بكلمات الله التامات» استدل به الإمام أحمد على أن كلمات الله هي الله، معنى من الله ليست مخلوقة، لأنه قال لو كانت مخلوقة لما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة بها. وقال الإمام محمد: لأنه لا يستعاذ بمخلوق، لا يجوز أن يستعاذ بمخلوق، وهذا يدلك على أن ما قرره شيخ الإسلام وقرره أيضا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وغيره من أئمة الإسلام أنه صحيح، وقال به الأئمة وأنه لا يجوز أن يستعاذ بغير الله عز وجل فيما لا يقدر عليه إلا الله. فلا يقول الشخص «أعود بالله» أو يقول «أعود بفلان» من كذا أو من الشيطان الرجيم مثلا، هذا لا يجوز. وكما سيأتي في الآية قوله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، ذكر السدي وجاء عن مجاهد وعن عكرمة أن أهل الجاهلية كان إذا دخل أحدهم الوادي إذا دخلوا واديا يقولون: «نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه»، يستعيذون بمن بسيد الوادي لأن الجن كانوا يأذونهم، فيستعيذون بمن بصاحبهم، يقولون: «نعود بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه». فقال الله عز وجل: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، معنى يؤذونهم أكثر ويخوفونهم أكثر، لماذا؟ حتى يستغيثوا ويستعيذوا بسيدهم بهذا الجن، فقال الله عز وجل: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، زادوهم خوفا، زادوهم أيضا أذى، آذوهم أكثر من أول. لكن الله عز وجل أبدلنا بهذا الشرك أبدلنا بعبادة عظيمة، يقول الإنسان إذا نزل شيئا من هذه الأماكن: «أعود بكلمات الله التامات من شر ما خلق». فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، زادوهم خوفا وزادوهم أذى. قالوا عن قول خولة بنت حكيم رضي الله عنها: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك»، رواه مسلم. فهذا أيضا من الاعتصامات التي اعتصم بها العبد من ربه إلى ربه جل وعلا إذا نزل منزلا، ومعناه كما قلنا نزل منزلا يكون في سفر، نزل مكانا يريد أن يجلس فيه أو مكان واد أو مكان من هذه الأشياء، إذا نزل منزلا يقول: «أعود بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، قال: «لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك». وهنا قال: انتبهوا، معنى بعض الناس يفهم خطأ، هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لم يضره شيء»، ولم يقل: «لم يصبه شيء»، معنى انتبهوا، معنى بعضهم مثلا يقول لما يسمع قول «أعود» مثلا، من قال لما قال ذاك الرجل كما في صحيح مسلم: «يا رسول الله ما رأيت من عقرب لدغتني البارحة»، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما لو قلت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق حين تمسي لم يضرك شيء»، أو «لم يضره ذلك». وقال أيضا في حديث عثمان: «من قال إذا أصبح باسم الله الذي لا يضره مع شيء في الأرض ولا في السماء لم يضره شيء يومه ذلك حتى يمسي، وإذا قالها مساء لم يضره شيء حتى يصبح». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يضره شيء»، ولم يقل: «لم يصبه شيء»، فرق بين الإصابة وبين الضرر على الإنسان، أحيانا يقول كيف أنا قلت «أعود بكلمات الله التامات» ولدغني عقرب، كيف هذا؟ نقول له: هذا العقرب ما سيضره ما دام أنك قلت «أعود بكلمات الله التامات» حين تمسي، ما يضرك أبدا، لكن ممكن تجد حر اللدغة هذا ممكن تجده، لكن الضرر الذي يحصل وهو السموم التي تحصل من هذا العقرب ما ستجدها، ما ستجد هذه السموم التي تحصل من العقرب أو من الحية، لكن الإصابة ممكن، أذى من الإصابة يذهب بعد فترة، لا. فلهذا كما قلنا لم يقل نبي صلى الله عليه وسلم: «لم يصبه شيء»، وإنما قال: «لم يضره»، فقال: «من نزل منزلا»، جاء في بعض الحديث: «لم يصبه شيء»، وجاء في بعض الحديث مثل هذا الحديث الذي بين أيدينا قال: «لم يضره شيء»، لم يضره شيء، ممكن أنه يصاب لكنه لا يضره. وهذا يحتاج إلى يقين عند العبد أنه مهما حصل لا يضره شيء أبدا، حتى لو جاءه سبع، حتى لو جاءه أسد أو غيره أو نمر وهو قد قال هذا الدعاء فإنه لا يضره. ولهذا تسمعون في القصص هي قصص صحيحة عن السلف، وإن كانت على غير المعتاد لكنها الله عز وجل هو المسير لهذه الوحوش، وهو قادر على أن يعطل فعلها. معنا العلا بن عبد الرحمن، وسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثبت عنهم أنهم جعلوا الأسد يريهم الطريق، حتى سفينة ركب في الأسد إذا ما يركب في حمار ركب في أسد وبر في الطريق. وأيضا بعضهم يأتي كما جاء عن فطر أو غير أحد السلف كان يصلي في الوادي فجاء الأسد حتى هذا الذي يروي قال: أنا خفت وطلعت في الشجرة وجاء الأسد وهو يحوم حول هذا الرجل وهو يصلي، فلما سلم قال له: «اذهب إلى رزق آخر يسوقه الله إليك»، قال: فذهب الأسد وله زئير، معنا يزئر وذهب، معنا الله عز وجل هو الذي حماه. فلهذا كما قلنا أن اليقين له دور في هذه الأمور أن الإنسان يوقن أن هذا لما قال هذا الدعاء أنه ما سيضره شيء لو مثلا فعل مثلا إبرا وكذا هذا من باب فقط التأكد، وإلا غالبا ما سيصاب شيء، وهذا قد حصل الكثير من الإخوة لدغ بعقرب ومنهم من لدغ بحية لم يضره، يعني ما ذهب لا عمل أبرا ولا عمل شيء ذهب من نفسه. قال عن خولة بنت حكيم: ذكر هذا الحديث، قال فيه مسائل: الأولى تفسير آية الجن، وهي قوله جل وعلا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾، وأنهم لم يضرهم ذلك الاستعاذة أو أنه ضرهم الاستعاذة بالجن، وإنكار الله عز وجل عليهم دل على أنه لا يجوز أن يستغاث بغير الله، وإنما الذي يحمي من هذه الأمور هو الله جل وعلا. قال الثاني كونه من الشرك لأنه صرف لغير الله. الثالث الاستدلال على ذلك بالحديث حديث خولة بنت حكيم، لأن العلماء يستدلون بها على أن كلمات الله غير مخلوقة، يقصد الإمام أحمد، قالوا لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، هذا كلام لإمام أحمد رحمه الله وشيخ الإسلام ابن تيمية، استدل لإمام أحمد وشيخ الإسلام على أن هذا شرك بكلام الإمام أحمد، فقال يقول أحمد: استدل على الذين يقولون بأن القرآن مخلوق، فقال: كيف يستعاذ بكلمات الله؟ فلو كانت كلمات الله مخلوقة لما أجيز الاستعاذة بها. قال الرابعة فضيلة هذا الدعاء مع اقتصاره «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» لم يضره شيء. الخامسة أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك، وهذه مسألة عظيمة يغلط فيها كثير من الناس، معنا قد يحصل له نفع، قد يحصل له نفع باستغاثته بالجن، استغاثته مثلا بالأولياء بالأموات، بل حتى بالأصنام، فإنه قد يحصل له منفعة مثلا بما طلبه، وهذا إغواء من الله عز وجل لهؤلاء واستدراج لهم، يعطيهم ويمدهم في طغيانهم الذي هم فيه. فلهذا فليس إذا حصل مثلا نفع معنا بعضهم يستغيث بغير الله فينقذ من ذلك المكان فيقول: الولي هو الذي أنقذني، وهذا أيضا من الباطل ومن نسبة الأمور إلى غيره، الولي لا يستطيع نفع نفسه كيف ينفع غيره؟ لكن هؤلاء عقولهم تعطلت. فلهذا ذهبوا يستغيثون ويستعيذون بغير الله جل وعلا، الخامسة قال: أن كون شيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من الشرك، فبعضهم في الطيرة مثلا والاستقسام بالأزلام يحصل لهم نفع ويدفع عنهم ضر أحيانا، لكن هذا لا يدل على تصحيح ما فعلوا، لا يدل على تصحيح ما فعلوا.