الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 92، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الفجر داعياً للمستضعفين ومستنصراً على قبائل مضر، ثم ترك هذا القنوت بعد نزول آية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾. وردت الرواية بأسانيد متعددة عن أبي هريرة عبر الزهري وسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن.
يشرح المقطع مشروعية قنوت النوازل في صلاة الفجر عند نزول المصائب ويحدد نوعيه المشروعين: قنوت النوازل وقنوت الوتر. ثم يناقش حديث أنس في دوام القنوت مبيناً ضعفه لضعف رواته وأن القول بمشروعية القنوت اليومي في الفجر بدعة عند الجمهور.
يبين المقطع جواز الدعاء العام على الكافرين وعدم جواز لعن الكافر المعين لاحتمال إسلامه وحسن خاتمته مستدلاً بالآية الكريمة. كما يؤكد تحريم لعن المسلم وسبه مستشهداً بأحاديث تعتبر لعن المؤمن كقتله وتصف المؤمن بعدم كونه لعاناً.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام المحدثين، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، رحمه الله، في صحيحه: حدثني أبو الطاهر، وهو أحمد بن عمرو بن السرح المصري القرشي، مشهور بابن السرح، وهو ثقة. قال: وحرملة بن يحيى، وهو التجيبي، أبو حفص المصري، قال فيه الذهبي: صدوق، كان من أوعية العلم، وهو من أعلم الناس بحديث مصر ومن وفد إليها. قال: أخبرنا ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب المصري، أبو محمد، قال فيه الحافظ: ثقة، حافظ، عابد. قال: أخبرني يونس بن يزيد الأيلي، ابن أبي النجاد، متزوج عند الزهري، طيب، بارك الله فيك، خير، يونس بن يزيد متزوج بابنة الزهري، ما شاء الله، أحسنت. يونس بن يزيد عن ابن شهاب، ويونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق، ويونس بن عبيد عن الحسن البصري. نعم، إذن يونس هذا، يونس بن يزيد هنا عندنا، يونس بن يزيد عن ابن شهاب، ويونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق، يعني يروي عن أبي إسحاق السبيعي، ويونس بن عبيد يروي عن الحسن البصري. قال: عن ابن شهاب، وهو الزهري، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، الإمام الحافظ. قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وهو المخزومي، أبو محمد القرشي، سيد التابعين، أحد الأعلام، سيد التابعين، ثقة، حجة، فقيه، رفيع الذكر، رأس في العلم والعمل. هكذا قال إمام المحدثين، الذهبي، رحمه الله، في سعيد بن المسيب. قال: وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو أيضا قرشي، ولم يسمع من أبيه، كما قال ابن عبد البر، رحمه الله. قال: أنهما سمعا أبا هريرة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حين يفرغ من صلاة الفجر، من القراءة، ويكبر، ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، ثم يقول وهو قائم: «اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيانا، ورعلا، وذكوان، وعصية، عصوا الله ورسوله». ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمر بن الناقد، قالا: حدثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، إلى قوله: «واجعلها عليهم كسني يوسف»، ولم يذكر ما بعده. قال: وحدثنا محمد بن مهران الرازي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي، هو عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام في زمانه، والأوزاعي نسبة إلى أوزاع، وهي منطقة في دمشق، وظهر أنها بيروت. قال: قال عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت بعد الركعة في صلاة شهرا، إذا قال: سمع الله لمن حمده، يقول في قنوته: «اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، اللهم أنجِ سلمة بن هشام، اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». قال أبو هريرة: ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الدعاء بعده، قلت: أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك الدعاء لهم، قال: فقيل: وما تراهم قد قدموا؟ قال: وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا حسين بن محمد، قال: حدثنا شيبان، وهو بن عبد الرحمن التميمي، قال: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما هو يصلي العشاء، إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: «اللهم أنجِ عياش بن أبي ربيعة»، ثم ذكر بمثل حديث الأوزاعي إلى قوله: «كسني يوسف»، ولم يذكر ما بعده. نعم، هذا الحديث، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، في قنوت النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الفجر، قنوت النوازل. فهذا الحديث فيه مشروعية القنوت والدعاء في صلاة الفجر إذا نزلت بالمسلمين نازلة، يعني أصابتهم كارثة أو مصيبة من تسلط عدو، أو انتشار مرض أو وباء، أو حصول قحط شديد، أو مجاعة، أو نحو ذلك من الأمور والمصائب التي تنزل بالمسلمين. فإذا حصل مثل ذلك، جاز للمسلمين أن يقنتوا في الصلاة، ويدعوا الله عز وجل برفع هذا البلاء وهذه المصيبة، وهذا يسمى بقنوت النوازل، يسمى بقنوت النوازل. ويكون هذا القنوت بعد الرفع من الركوع في الركعة الأخيرة، بعد أن يرفع الإمام رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة، وقبل أن يسجد، يدعو بعد أن يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ثم يدعو ويقنت قنوت النوازل. ويكون القنوت في النوازل بحسب الحادثة والنازلة، فيدعو بما يناسب هذه النازلة: إن كان حرب وقتال، فيدعو الله عز وجل أن يرفع عنهم ما أصابهم من هذه الحرب، أن ينصرهم على أعدائهم، وأن يحقن دماء المسلمين، ونحو ذلك. وإن كان مرض ووباء، يسأل الله جل وعلا أن يرفع هذا الوباء، وهكذا على حسب النازلة. فله أن يقنت في صلاة الفجر، وكذلك أيضا في بقية الصلوات، كما سيأتي معنا في الأحاديث التي بعد هذا الحديث. لكن في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة الفجر، وبعض الروايات أنه قنت أيضا في صلاة العشاء، وهذا جائز، أن يقنت قنوت النوازل يعني في صلاة الفجر، أو صلاة الفجر والعشاء، أو في جميع الصلوات، فكل ذلك مشروع، كل ذلك مشروع. وهذا القنوت في الصلاة هو قنوت النوازل، هو أحد أنواع القنوت المشروعة في الصلاة. فالقنوت المشروع في الصلاة هو قنوت النوازل، وقنوت الوتر، قنوت الوتر الذي علم فيه النبي عليه الصلاة والسلام الحسن بن علي الدعاء المشهور: «اللهم اهدني فيمن هديت» إلى آخره، فهذا أيضا مما يشرع أن يقنت به في قنوت صلاة الوتر. فهذا قنوتان: قنوت النوازل، وقنوت الوتر. أما القنوت في صلاة الفجر في سائر الأيام، في سائر الأيام، فهذا استحبه الشافعية، واستدلوا بحديث أنس عند عبد الرزاق في مصنفه، وهكذا أيضا أخرجه الحاكم والدارقطني: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الحياة، وفي رواية: حتى فارق الدنيا، فسدلوا بهذا الحديث على أنه يشرع القنوت على سبيل الدوام في صلاة الفجر. وهذا الحديث ضعيف، لا يصح، هذا الحديث ضعيف، لا يصح. ففيه أبو جعفر الرازي، وهو ضعيف جدا، هو ضعيف جدا، قيل فيه: منكر الحديث. وأيضا مدار الحديث من جميع طرقه على عمر بن عبيد المعتزلي، عمر بن عبيد المعتزلي، وهو معلوم ما عليه من سوء المعتقد، ومثله لا يستشهد بحديثه. فالحديث لا يصح، الحديث لا يصح. وعلى هذا فلا ينسب على الصحيح هذا القول إلى الإمام الشافعي، لا ينسب له، لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وهذا الحديث لم يصح، هذا الحديث لم يصح. إذن لا يكون هذا مذهبه على الصحيح، وإن كان على هذا القول عامة الشافعية، بل عندهم إذا تركه الإمام أو نسيه يسجد للسهو، وهذا على يعني اعتمادهم على هذا الحديث، واعتقادهم أن القنوت يعني أمرا لازما. وإلا فالصحيح أن القنوت لا يشرع، كما هو يعني مذهب الحنابلة والحنفية، وجمهور أهل العلم، على أنه لا يشرع القنوت في صلاة الفجر على سبيل الدوام. بل الصحيح أن فعل ذلك يعتبر من البدع، يعتبر من البدع، لأنه لم يثبت في حديث صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام. فتخصيص هذه العبادة وهو القنوت في وقت معين، وفي زمن معين، والالتزام بذلك، هذا يعتبر من المحدثات. فلا يشرع القنوت في الصلاة إلا قنوت النوازل، وقنوت الوتر. وفي هذا الحديث قنوت النبي عليه الصلاة والسلام، فدعا لجماعة من المسلمين أن ينجيهم الله سبحانه وتعالى، قنوتا يعني دعا دعاء خاصا، ودعاء عاما: «اللهم أنجِ الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين»، هذا عام، وما قبله خاص. وهذا يجوز إذا احتيج المقام إلى التخصيص، من يحتاج للدعاء له بأن يذكر اسمه في قنوت النوازل، فهذا جائز، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء. ثم دعا على أقوام من الكفار: «اللهم اشدد وطأتك على مضر»، وطأتك يعني بأسك ومؤاخذتك وعقابك، على مضر، وهي قبيلة من قبائل العرب معروفة. وهكذا أيضا قال: «واجعلها عليهم كسني يوسف»، كسني يوسف يعني: اجعل عليهم سنوات شديدة القحط، وقليلة المطر، وشديدة الجوع، كما حصل في زمن يوسف عليه السلام، حين أصابهم، أو أصاب الناس في زمنهم، أصابهم من القحط وقلة الغيث والمطر. ثم لعن النبي صلى الله عليه وسلم بعض قبائل العرب: «اللهم العن لحيانا، ورعلا، وذكوان، وعصية، عصوا الله ورسوله». ثم ترك النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لما نزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. والدعاء على الكفار إذا كان على جهة العموم، فهذا جائز: «اللهم العن الكافرين»، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، هذا جائز. «اللهم العن الكافرين، اللهم العن الظالمين، اللهم العن الفاسقين»، فمثل هذا جائز. أما لعن الكافر المعين، لعن الكافر المعين، ففي هذا خلاف بين أهل العلم، وصحيح أنه لا يجوز، والدليل هو هذا الحديث، جاء في بعض رواياته في مسند الإمام أحمد، أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على أعيان من الكفار، كالحارث بن هشام، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾، فكف النبي عليه الصلاة والسلام عن الدعاء عليهم، ومن الله سبحانه وتعالى عليهم بالإسلام. فاستدل أهل العلم بهذا الحديث، ونزول هذه الآية، على أنه لا يلعن الكافر المعين. لماذا؟ لأن اللعن هو الطرد من رحمة الله. لما تقول لشخص وتلعنه: «لعنك الله»، أو «عليك لعنة الله»، أي: أنت مطرود من رحمة الله، وما أدراك أنه مطرود من رحمة الله؟ ورحمة الله واسعة، قد يمن الله عز وجل عليه بالإسلام، قد يمن الله عز وجل عليه بالإسلام، فيسلم ويستقيم، ويحسن حاله، ويكون مآله من أهل الجنة. فأنت لا تدري من الذي يختم له، هذا الإنسان في حال موته، وكذلك في آخر أمره. فلذلك لا تلعن الكافر، وإن كان كافرا، فلا تخصه باللعن. لكن لعن لعنا عاما: «لعنة الله على الكافرين، لعنة الله على اليهود والنصارى»، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فهذا اللعن العام لا بأس. وأما اللعن الخاص، فلا. وأما بالنسبة للمسلم، فمعلوم أنه لا يجوز، لا يجوز لعن المسلم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، كما في الصحيحين. وقال عليه الصلاة والسلام: «لعن المؤمن كقتله»، لعن المؤمن كقتله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء»، فالمسلم لا يكون لعانا. وقال: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة». والمسلم يحرص على أنه يعني يطهر لسانه من اللعن، يطهر لسانه من اللعن، لا يكون لعانا، لا يكون لعانا سبابا، ويجعل لسانه يعني طيبا، لسانا طيبا ذاكرا لله سبحانه وتعالى، ويحذر يعني من لعن وسب أحدا من المسلمين. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. وإن شاء الله في الأسبوع القادم، السبت القادم، بإذن الله، سنقرأ في صحيح مسلم، من كتاب الصيام، بكتاب الصيام، لأجل مراجعة ومذاكرة شيء من أحكام الصيام، مع مناسبة قرب قيام، يعني من قدوم رمضان، بإذن الله جل وعلا. طيب، إلى هنا، والله تعالى أعلم.