الدرس في كتاب المناسك 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تحريم صيد الحرم سواء للمحرم أو الحلال، مع اختلاف آراء الفقهاء حول صيد الماء داخل الحرم. يُستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدل على تحريم قتل صيد الحرم.
يُحرم صيد البر والماء في الحرم على المحرم، ويجوز أكل الصيد إذا لم يصده بنفسه. كما يُحرم قطع شجر الحرم وحشيشه الأخضر إلا ما يحتاجه الناس.
النبي صلى الله عليه وسلم حرم صيد المدينة وأوضح حدود حرمها، ولا جزاء على من قتل صيدا فيها. أباح العلماء أخذ الحشيش للعلف وآلة الحرث في مكة والمدينة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى العلامة البهوتي: باب صيد الحرم. قال: يحرم صيده على المحرم والحلال، وحكم صيده كصيد المحرم. الآن هذا الباب جعله في صيد الحرم، وصيد الحرم المراد به الذي يصاد في الحرم، في الحرم حرم مكة. وسيأتي أيضا أنه سيذكر المدينة. وحرم مكة وحرم الله عز وجل أن يصاد في الحرم، أنا مكة، ومنى، عرفة، حدود الحرم. والآن قد وضعوا له علامات، فهذه البقعة لا يجوز فيها أن يصطاد الإنسان. جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري، حديث ابن عباس، لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تحريم مكة، فذكر عليه الصلاة والسلام أن الله حرم مكة، فلا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمنشد، فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر؟ قال: إلا الإذخر. ولا يقطع شجرها، فقال ابن عباس: إلا الإذخر يا رسول الله؟ قال: إلا الإذخر، فإنه لقينهم وقبورهم. فهذا الحديث بيّن فيه النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا ينفر صيد الحرم، لا ينفر صيد الحرم. وهذا من باب ما يقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر الأدنى وأراد ما هو أعلى، فالتنفير لا يجوز، فما بالك بالقتل؟ فإنه لا شك أعظم. وهذا باتفاق أهل العلم على أن هذا الحديث يدل على تحريم قتل صيد الحرم، على تحريم قتل صيد الحرم، سواء كان لمحرم أو غير محرم. هنا يختلف الحكم في غير الحرم، لا يجوز صيد المحرم إذا أحرم بالمناسك، لا يجوز بعد ذلك صيد. لكن هنا في الحرم لا يجوز صيد، سواء كان للمحرم أو للحلال، سواء كان المحرم أو الحلال، لا يجوز له أن يصيد في الحرم. وهل هذا صيد البر فقط، أو صيد بر وبحر؟ هل في الحرم بحر، يعني المياه التي تقع أحيانا من الأمطار تكثر، فيأتي فيها الصيد أن يتربى فيها صيد؟ فهل يجوز لأحد أن يصطاد هذا الصيد الذي يأتي في هذه المياه؟ فالجمهور سكتوا عن صيد الماء، ولهذا قال المؤلف هنا: يحرم صيده على المحرم والحلال، وحكم صيده كصيد المحرم. وحكم صيده كصيد المحرم، معنى المحرم: أي شيء الذي يحرم عليه صيد البر. وأما صيد الماء أو البحر فقد حل له. وهل هنا الحكم نفسه؟ فقالوا: نعم، الحكم نفسه يحرم عليه صيد البر فقط. وأما إذا وجد صيد في المياه فيجوز أن يصطاد. وفي رواية على الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه: أنه يرى حتى صيد الماء، حتى صيد الماء، لعموم الحديث، لعموم الحديث: ولا ينفر صيدها. وهذا لعله أولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر ما هو الصيد، فلهذا الأخذ بالعموم هنا أولى. وأما قولهم: قياس صيد الحرم على صيد المحرم، فهو قياس بعيد؛ لأنه قياس بعيد، لأن صيد الحرم فيه أشياء زائدة عن صيد المحرم. مثل ما قلنا: أن صيد المحرم يجوز له أن ينفر الصيد، ينفره مثلا، يبعده، يجوز له ذلك. لكن المحرم لا يجوز له ذلك، لا يجوز له أن ينفر الصيد، على سبيل المثال يركض خلفه، يخيفه. حتى يقال: ذكر ابن أبي شيبة رحمه الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يمشي، فجاءت حمامة، فبرحت قرب يده، فهو ما كان معنى ما استشعر بها، أو كأنه نسى، أو أنه ما يدري أي شيء الذي برحها، فمعنى حرك يده، ففرت هذه الحمامة وطلعت فوق الحرم أو فوق السطح، فجاء شيء من هذه النسور أو الصقور وأخذها وأكلها، فأخرج عمر شاة على ذلك؛ لأنه رأى أنه المتسبب في نفر هذا الصيد. فلهذا فصيد الحرم أشد حرمة من صيد البر الذي يصاده المحرم، فلهذا لا يقاس به. فيدخل صيد الماء أيضا، ما كان في الماء من صيد أيضا لا يصيده المحرم. لكن هل يأكله؟ نعم يأكله، يأكله إذا لم يصد له. حتى اللحم كما ذكرنا الذي يأتي اللحم، سواء كان لحم بهيمة الأنعام أو حتى لحم صيد صيد بر، مثلا جاء إنسان بضب وهو حلال وباعها في مكة، باع لحمها، أبسط ما في شيء، لو باعها نفسها هي ما في شيء. قال: ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر. يحرم قطع شجره، الشجر كما قال العلماء: الذي يحرم قطعه في الحرم هو ما طلع ونبت بدون تدخل للإنسان، بدون تدخل للإنسان. وأما ما ينبته الإنسان ويزرعه الإنسان فهذا ليس داخل في هذا الباب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يقطع شجرها ولا يختلى خلاها. فالشجر هنا المتعلق بالمدينة الذي نبت وحده، الذي ينبت وحده دون تدخل الإنسان. أما إذا كان هو الذي زرعها فهذه له، له أن يقطعها؛ لأنه الذي زرعها، أو زرعت مثل النخيل وغيرها، يجوز له أن يقطعها. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يختلى خلاها»، المراد الخلا هنا العشب الرطب الأخضر. ما قال المؤلف هنا: وحشيشه الأخضرين، أنا الحشيش الأخضر الرطب، وكذلك الزرع الأخضر الرطب هنا، هذا لا يجوز أن يختلى، لا يجوز أن يقطع. لكن لو يبس لا بأس أن يقطع، لو يبس لا بأس أن يقطع؛ لماذا؟ لأنه لا فائدة منه. وأيضا كذلك ما كان مما يحتاجه الناس من الأشجار، فإنه يجوز أن تقطع إذا كان يحتاجها الناس. وهذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إلا الإذخر؛ لأن الناس يحتاجون للإذخر. ويدخل في ذلك مثلا الأراك، يدخل في ذلك الأراك، يجوز أن يقطع الأراك، مع أنها شجرة من الشجر الذي يطلع بنفسه وينبت بنفسه، لكنه يجوز كما قال العلماء: يجوز أن يأخذ أيضا السنا المكي، ويوجد كثيرا في مكة، السنا معروف، حشب من المسهلات؛ لأنه يستخدم في تسهيل البطن وأشياء كثيرة. قد جاء في الحديث: «عليكم بالسنا والسنوت»، السنا هذا معروف، والسنوت قيل: أنه السمن مع العسل، وقيل: السمن نفسه، وقيل: العسل يسمى سنوت. وقال بعضهم: أنها عشبة تسمى سنوت، لكن المشهور: أنه إما السمن مع العسل أو العسل وحده أو السمن وحده. وأما السنا معروف: السنا هو هذا العشب الذي يستخدم لهذا، فهو في مكة موجود، فأجاز العلماء قطع مثل هذا؛ لأن الناس يحتاجونه، كذلك السواك وغيرها مما يحتاجه الناس، فلهذا لا يحرم قطع شجره وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر. قال: ويحرم صيد المدينة، ولا جزاء. جاء في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام تحريم صيد المدينة، ثم جاء حديث جابر وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المدينة حرام». حديث علي أيضا: «حرام بين عير إلى ثور، لا يصاد صيدها ولا يقطع خلاؤها»، أنا لا يصاد صيد المدينة. وجاء أيضا حديث سعد: أنه من صاد صيدا أو خبط شجرا في المدينة، فيأخذ سلب، أنه يأخذ سلاحه. وهذا الحديث مما استدل به العلماء: أنه لا جزاء على من صاد أو فعل شيئا في المدينة مما حرمه الله. فصيد المدينة يحرم، لكن بعضهم وضع إشكالا: كيف النبي عليه الصلاة والسلام يقول لأخي أنس الصغير، ابن أبي طلحة، كان يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» والنغير هذا طائر، أنه كيف يكون عند هذا الطفل يلعب به، والصيد لا يجوز أن يصاد مثل هذه الطيور؟ فالعلماء رحمهم الله أجابوا على هذا الحديث بإجابات كثيرة، فمنهم من قال: لعل ذلك أجيء به من خارج الحرم، وهذا جائز. ومنهم من قال: أن الصغير كان يربيه ويلعب به، وليس ذلك محرما، وليس ذلك محرما، وإنما المحرم هو القتل. ومنهم من قال غير هذه الأجوبة، ولكن لا يشكل؛ لأن هذا كما يقول العلماء: حادثة عين لا عموم لها، فلهذا فهي لها احتمالات، فلا يترك المحكم والواضح لعلة شيء محتمل. قال: يباح الحشيش للعلف وآلة الحرث ونحوه، أن سواء كان في مكة أو في المدينة، يجوز أن يأخذ العلف من ذلك للأغنام؛ لأنه يجوز أن يحتاج إلى مثل هذه الأمور. قال: وحرمها ما بين عير إلى ثور، أي حرم المدينة. وعير جبل في المدينة معروف، لكن اختلف في ثور، فبعض الشراح يقول: أن ثورا ليس مشهورا في المدينة، بل حتى أن بعضهم، أي بعض أهل العلم، خطأ بعض الرواة أنه رواه خطأ، لعله بين عير وحد، وهذا ليس صحيحا. وقد ذكر بعض أهل مكة: أن ثورا هذا جبل صغير يقرب وحد، أن يقرب جبل وحد، جبل صغير يقال له ثور، وليس المراد الثور الذي في مكة، جبل الثور الذي في مكة معروف جبل كبير. فلهذا ظن بعضهم، بعض الرواة أو بعض شراح الحديث: أن الراوي أخطأ في هذا الحديث، فأراد أن يقول: وحد، قال: ثور. وهذا التفسير ليس صحيحا، بل كما ذكر بعض أهل المدينة: أن هناك جبل صغير يقال له ثور، وهو قرب وحد، وهو حدود المدينة. فما بين عير وثور حرم المدينة، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام: «المدينة حرم من بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حدثا أو آوى فيها محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفا ولا عدلا». والصرف هو الفريضة، والعدل هو النافلة. قال: وحرمها ما بين عير إلى ثور، فهذا خلاصة ما ذكره المؤلفون في صيد الحرم، سواء كان حرم مكة أو حرم المدينة. وأما كما قلنا: مسألة الشجر والخبط، ففيها سلب، كما جاء عن سعد بن أبي وقاص، وهو رواية عن أحمد: أن يسلم سلاحه، إذا كان معه سلاح يأخذ سلاحه، إذا كان خبط شجر مكة أو كذلك قطع.