كلمة الشيخ أبو همام عبدالله باسعد

المحاضرة بعنوان كلمة الشيخ أبو همام عبدالله باسعد، والتي كانت بمسجد عثمان بن عفان بمنطقة روكب يوم الجمعة 8 شوال 1444هـ الموافق 28 أبريل 2023م ألقاها منوع

أهمية إخلاص النية في الأعمال الصالحة

يستعرض المحور الأساس الشرعي لإخلاص النية لله وحده في الطاعات، مستدلاً بالقرآن والسنة وأقوال السلف، محذراً من الرياء وطلب الدنيا بالعمل الصالح، ومبيناً أن تصفية النية هي جوهر العبادة المقبولة عند الله.

إخلاص النية في طلب العلم: الوصايا والنماذج العملية

يركز المحور على ضرورة تطهير النية عند طلب العلم من الأغراض الدنيوية والشهرة، مستشهداً بوصية إسرائيل بن يونس لطلبة العلم، وتجربة الإمام أبي يوسف الدالة على أثر النية الصادقة في العلو والقبول، وافتضاح من نوى الرياء.

حقيقة الإخلاص وتخليص القلب من الأغراض

يبين المحور عظمة الإخلاص عند الله، وأن السلف لم يزكوا أنفسهم بل سألوا الله القبول، معرفاً الإخلاص بأنه تخليص القلب من الشوائب، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ كشرط لقبول العمل.

ثمرة الإخلاص في الدنيا والآخرة وخاتمة الدرس

يختم المحور بذكر أثر الإخلاص في الأعمال العظيمة ك الصلاة والصيام والعلم، مستشهداً بقول إسرائيل بن يونس في فوز المخلص بشرف الدارين وخسران المرائي، مختتماً بالدعاء بالمغفرة والرحمة واتباع أحسن القول.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا على ما منا وأنعم، جل وعلا بأن جمعنا في هذا المسجد المبارك في هذا اللقاء والاجتماع والتناصح الذي يكون في هذه المجالس، كما قد سمعتم من كلمات أو من الكلمات السابقة؛ فيها النصح، وفيها كذلك التوجيه، وفيها ما ينتفع به العبد في دينه، فتكمله لهذه النصائح. فموضوعي في هذا المقام: هو أن العبد يحرص على تصفية نيته في الأعمال الصالحة، يحرص على أن يصفي نيته في الأعمال الصالحة. فإن الله عز وجل أمر بالإخلاص، كما قال جل وعلا: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾، وهو تصفية النية. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه». فانظر يا أخي إلى إخلاص النية لله جل وعلا، فإن تصفية النية من شوائبها أمر مهم في الأعمال الصالحة. فربنا جل وعلا لما ذكر الدنيا وما يراد بها قال: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾، أي: يعطيهم الله عز وجل من هذه الدنيا لأنهم أرادوها ولم يريدوا الآخرة. وهذه الآية كما قال ابن عباس وغيره نزلت في الأعمال الصالحة التي يراد بها غير الله، أن يعمل عملًا صالحًا ولا يريده لله، وإنما له أغراض، وله أيضًا كذلك تبعات. فقال الله عز وجل: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. قرأ هذه الآية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فبكى بكاءً شديدًا؛ لأنه علم أن هذه الآية المراد بها تخليص الأعمال الصالحة من شوائب النية، تخليص الأعمال الصالحة من شوائب النية. ولهذا كان السلف رحمة الله عليهم يحرصون على هذا المقام، وينصحون في هذا المقام أشد النصيحة. وكان سفيان الثوري أبو عبد الله الإمام يقول: «ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي، ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي». وهكذا جاء الإمام أحمد رحمه الله وقال: «إنها تتفلت علي». كانوا يجمعون نيتهم ويخلصونها ويخرجونها من الشوائب، شوائب الأعراض؛ لأن النية في العمل غالبًا ما تحمل أغراضًا وأعراضًا، فينبغي للمسلم أنه يحرص على أن يخرج هذه الأعراض. ولهذا ذكر الإمام أبو بكر الخطيب في كتابه الفذ، وكتابه العظيم «الجامع لأخلاق الراوي والسامع» في أول الآداب، في آداب النية أو الإخلاص، أثرًا عن إسرائيل. فذكر عن عبد العزيز بن أبي رجاء المروزي قال: «أتينا إسرائيل بن أبي إسحاق، إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو حافظ من حفاظ الحديث، وعالم من علماء المسلمين». فقال: «فجئنا إلى عبد العزيز» أو قال: «إلى إسرائيل، فقال لنا: من أين أنتم؟ قلنا: من مرو. قال: من مرو أو من خراسان؟ إن استطعتم أن لا يكون أحد... إن استطعتم أن لا يكون أحد يسمع أحد أفضل منكم أو مما سمعتم ففعلوا، فإن هذا العلم من طلبه لله، فإن هذا العلم من طلبه لله شرفًا وسعدًا في الدنيا والآخرة، فإن هذا العلم من طلبه لله شرفًا وسعدًا في الدنيا والآخرة، ومن لم يطلبه لله خسر الدنيا والآخرة». وأحذركم، هكذا يقول رحمه الله: «وأحذركم من نيل الأعراب، وكذلك الأخذ بالأغراض، أو الأخذ بما يكون من الأعواض عن العوض الذي يكون عن معناه، يريد بهذا العلم العوض، ولا يريد الإخلاص، وإنما يريد المال بأخذ الأعواض، فإنه قد جاء الوعيد في ذلك، جاء الوعيد في ذلك». يقصد قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به الدنيا، لم يرح رائحة الجنة». وأيضًا جاء عن جماعة من الصحابة، حسّنه الشيخ الألباني، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من تعلم العلم ليفاخر به العلماء، أو قال ليباهي به العلماء، ويماري به السفهاء، ويصرف به قلوب الناس إليه، ويصرف به قلوب الناس لن يريد الشهرة، قال: فله النار، فله النار». فلهذا عباد الله، فتخليص النية من هذه الشوائب مهمة جدًا. يقول الإمام أبو يوسف رحمة الله عليه، القاضي الحنفي، صاحب أبي حنيفة: «يا قوم، أريدوا بأعمالكم وجه الله، يا قوم، أريدوا بأعمالكم وجه الله، فإني ما جلست مجلسًا نويت فيه التواضع إلا كنت أعلاهم، إلا كنت أعلى القوم، وما جلست مجلسًا نويت فيه أن أكون أعلاهم إلا افتضحت فيه، إلا افتضحت فيه». انظر إلى النية، وهذا معناه خبرة علماء. يقول: إن الواجب على العبد أنه يخلص نيته، لا يأتي بنية فيها شوب، لا يأتي بنية فيها أغراض في أعماله الصالحة، بل يحاول أن يخلص هذه الأغراض. فقال: «ما جلست مجلسًا نويت فيه التواضع، أكون ساكن التواضع، بعيد معنى ما أطلب الشهرة، ولا أيضًا كذلك أتزلف، ولا كذا، قال: إلا تعالي، إلا كنت أعلى القوم، رفعه الله عز وجل». قالوا: «ما جلست مجلسًا أطلب فيه العلو إلا افتضحت»، معناه: يأتي شيئًا يخطئ فيه ويغلط فيه، ولا يتحصل على مقصده. فلهذا فتخليص النية أمرها عظيم عند الله، وكما كان الفقهاء يقولون: «النية أبلغ من العمل، النية أبلغ من العمل». وكانوا يتواضعون في نياتهم. لا ينبغي... لا ينبغي للإنسان يقتر، يقول: «أنا أعمل لله»، فليس كذلك، وإنما يطلب من الله عز وجل القبول، وأنه هذه الأعمال التي أعملها لله عز وجل. فأقصد أنه يطلب أنها لله عملها. ولهذا جاء في حديث الثلاثة: «كان أحدهم يقول: إن كنت عملته لك يا رب فافرج عنا». ولهذا كان العلماء يقولون: «طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله». وقال هشام الدستوائي: «ما أقول قط أني يومًا ذهبت وأطلب العلم لله، أنا ما أستطيع أن أقول هذا الكلام، ما أستطيع أن أقول أني طلبت العلم، ذهبت للمسجد الفلاني أو الشيخ الفلاني أطلب العلم لله محضًا مخلصًا لله، ما يستطيع الإنسان». وأهل الفقه في هذه النيات يقولون هذا. يقول الوليد بن مسلم: «سألت مالكًا، وسألت ابن جريج، وسألت الليث بن سعد، وغيرهم: هل طلبتم العلم لله؟ لم يكن أحد منهم قال: إني طلبت العلم لله، له وله». قال: «لما ذكر كلام هشام الدستوائي في قوله: ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يومًا لطلب العلم لله، قال الذهبي: ولا أنا، قال الذهبي: ولا أنا». لكن يسألون الله عز وجل القبول. ولهذا صح عن مجاهد، وكذلك عن جماعة من السلف، أنهم كانوا يقولون: «طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله». فمن طلب العلم قاده العلم، كما قال مجاهد: «قاده العلم إلى الإخلاص وإلى النية». فلهذا يجتهد العبد أن يخلص نيته في الأعمال الصالحة، ويخرجها ويخلصها من الشوائب. فالإخلاص هو تخليص النية، وتخليص القلب من الأغراض والأعراض التي تحتوي الأعمال، حتى تكون الأعمال خالصة لله جل وعلا. فإن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾، أي: من فعله تقوى لله عز وجل. ولهذا جاء عن أبي الدرداء، وعن علي، وعن غيرهم، أنهم كانوا يقولون... أنهم كانوا يقولون بمعنى كلامهم: «إننا لا نقول أننا عملنا لله جل وعلا، فإننا نخاف أن لا نكون عملنا لله، فإن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾، إنما يتقبل الله من المتقين». فلهذا فالمسلم يحرص على إخلاص العمل لله جل وعلا، وخاصة الأعمال العظيمة كالصلاة والصيام والعلم، يخلص نيته لله عز وجل، فإن الله عز وجل يوفقه ويرفعه في الدنيا والآخرة، كما قال الإمام إسرائيل بن يونس كما ذكرنا: «من طلبه لله شرفًا وسعدًا في الدنيا والآخرة، ومن طلبه لغير الله خسر الدنيا والآخرة». فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا، وأن يرحمنا، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه. والحمد لله رب العالمين. أحسنه، أحسنه، شكرًا.