شرح كتاب التوحيد 177

شرح كتاب التوحيد 177

الدرس في شرح كتاب التوحيد 177، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

عمارة المساجد ودلالتها على الإيمان

يتناول شرح الآية الكريمة التي تبين أن عمارة المساجد تكون من المؤمنين بالله واليوم الآخر، ويشرح معنى عمارة المساجد الحسية والمعنوية. الأجر العظيم يعود على من يساهم في بناء المساجد.

صفات عمار المساجد وخصائصهم

يذكر العلماء أن عمارة المساجد تكون بمساهمات متعددة، ويشترط في عمارها الإيمان بالله واليوم الآخر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وخشية الله وحده. هؤلاء يوفقون إلى عمارة المساجد ويجعلهم الإيمان باليوم الآخر يعملون الصالحات.

تتمة الكلام عن صفات عمار المساجد

عمار المساجد هم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ولم يخشوا إلا الله، وهم من تعلقت قلوبهم بالصلاة ويحرصون على أدائها في جماعة المسلمين. الخشية هي خوف مع علم من تخشاه، وهي أخص من الخوف.

ختام الدرس بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن الدعاء بأن ينفع الله قائل الكلام بما قاله، والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يُعد هذا ختامًا للكلام السابق ويُظهر التضرع إلى الله والالتزام بالسنن النبوية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال وقوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآت الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية القرآنية، وفي معرض كلامه على مقام الخوف من الله، وأراد بذلك رحمه الله تعالى أن يبين وأن يدلل على مقام الخوف والخشية، فذكر هذه الآية، وهي التي فيها بيان لهذا المقام. فاستدل بقوله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله﴾، عمارة المساجد من العبادات الجليلة والقربات العظيمة التي يتقرب بها المسلم إلى الله جل في علا. وعمارة المساجد كما قال العلماء تكون على أحد معنيين: إما عمارة حسية، وذلك بما يكون من تشييد المساجد ببنائها وتكبيرها وتوسيعها أو تجديدها، كل ذلك يدخل في عمارة المساجد. يسميها العلماء بالعمارة الحسية. وإن الجزاء من جنس العمل، قال عليه الصلاة والسلام: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة». وبغض النظر عن حجم المسجد، فإن صغر المسجد فلك أجر، وإن كبر فلك الأجر، وكل على قدر نفقته. ويدخل في بناء المساجد كما قال العلماء ولو بشيء تدفعه. قال العلماء: الأمر ليس كذلك، بل لو أن هناك عدة من المساهمين ساهموا في بناء مسجد ما، فلكل واحد منهم أجر، بدليل ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: «من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاه»، مفحص قطاه: عش طائر، أي من بنى لله مسجدًا ولو كعش طائر، بنى الله له بيتًا في الجنة. استشكل بعض الناس كيف يكون مسجد يبنى على حجم وقدري عش طائر؟ قال العلماء: هذا يتصور إذا كان هناك عدة مساهمين، كل ساهم في بناء مسجد بحيث لو قسمت الحصص لكانت حصة كل شريك جزء يسير من المسجد، مع ذلك فلهم الأجر. فأرباب الأموال نعم ما يقومون به من تشييد بيوت الله وعمارة المساجد من أصحاب الصلوات والحلقات، فنعم ما يقومون به من عمارة المساجد العمارة المعنوية. إلا أن هذه العمارة للمساجد لا يوفق لها كل أحد، وها أنتم ترون في بيوت الله جل وعلا هل تجد أن الناس كلهم في بيوت الله؟ لا تجد الخواص، تجد القلة، تجد النخبة، تجد طائفة من المسلمين من يوفق إلى عمارة بيوت الله. ولهذا أشار ربنا في هذه الآية القرآنية إلى أصناف الناس الذين من اتصفوا بهذه الصفات، فإنهم يوفقون إلى عمارة البيوت، إلى عمارة المساجد. فذكر ربنا من شروط هؤلاء ومن صفاتهم قال: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآت الزكاة ولم يخش إلا الله﴾. ذكر جل وعلا خمس الصفات لعمار المساجد، الصفة الأولى: من آمن بالله، أن يكون من أهل التوحيد، أن يكون موحدًا لله. هؤلاء الذين خلصت أعمالهم لله، هؤلاء هم الذين يوفقون إلى عمارة المساجد. من آمن بالله واليوم الآخر، الإيمان بالبعث والنشور، الإيمان باليوم الآخر، العبد كلما تحقق عنده الإيمان باليوم الآخر كان ذلك من أعظم الدوافع إلى العمل الصالح. ومن أعظم الأعمال أن يعمر مساجد الله، ما الذي جعل عمار المساجد في المساجد الرغبة فيما عند الله، وهو ما يجدونه يوم القيامة من الفضل والجزاء والثواب؟ هذا الذي يدفعهم دفعًا إلى أن يمكثوا في بيوت الله صلاة وذكرًا وعلما وتسبيحًا وتكبيرًا وتحميدًا، هذا الذي هو ما كان من قوة إيمانهم باليوم الآخر يدفعهم إلى العمارة. من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة، سواء كانت الصلاة المفروضة المكتوبة أو الصلاة النافلة، فإن رواد المساجد هم ممن قد تعلقت قلوبهم بالصلاة. من كان مصليًا تجد أنه يعمر المساجد، بإمكان أن يصلي في محله، بإمكان أن يصلي في بيته، إلا أن نفسه تأبى ذلك إلا أن يصليها في جماعة المسلمين حيث ينادى بها فيأتي إلى بيوت الله ويصلي. وآت الزكاة، ومن كان من أهل الزكاة ومن أهل الأموال، فإن الله جل وعلا يقبل بقلبه إلى عمارة المساجد من ينفق ماله في سبيل الله وفي دفعها للمستحقين والمحتاجين. إذا كان هذا مع خلق الله يأتي بزكاة ويعطيها للفقراء يعطيها للمحتاجين، إذا كان هذا فعله وتصرفه مع البشر، فكيف إذا علم أن بيتًا من بيوت الله محتاج إلى عمارة؟ هل سيبخل؟ لا والله ما سيبخل. ثم قال ربنا: ﴿ولم يخش إلا الله﴾، الخشية نوع من أنواع الخوف، وهذا الشاهد من الآية أي أن من عمار المساجد من كان من أهل الخوف من الله. فالخوف يتفرع منه الخشية، وكما يقول العلماء: الخشية أخص من الخوف. فالخوف يكون من الألفزع والخوف من العقوبة من الضرر من أي أذى، إلا أن الخشية فهو خوف لا من العقوبة لا من الفعل وإنما من الفاعل. كما يقول العلماء: إذا قيل أن فلانًا من الناس هدد بعقوبة أن فلانًا سيعاقبك، فإذا كان هذا الذي توعد بالعقوبة ننظر إلى خوفه، فإذا اضطرب وفزع من العقوبة يقال: أنت خائف، وإذا رأيناه أنه اضطرب وفزع من صاحب العقوبة أنت تخشاه، أنت تخشاه. فالخشية أخص من الخوف. ولهذا يقول العلماء: الخشية هو خوف مع علم من تخشاه، أن تعرف منذي سيصدر عليك العقوبة فتخشاه. فالخشية عبارة عن خوف لصاحب العقوبة. ولهذا قال ربنا عز وجل في صفات أهل الإيمان: «يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب»، جعل الخوف من الحساب وجعل الخشية لله. أقول قولي هذا وأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.