الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 78، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يجب تخصيص الهمة للعمل الحالي لأنه وظيفة الوقت، والتطلع للمستقبل يضعف العزيمة ويضر بإتقان الحاضر. الالتزام بالعمل الراهن يعد إعداداً وقوة للعمل اللاحق كما تدل الآيات القرآنية.
تنص القاعدة على تركيز الجهد والفكر على العمل الحالي دون التشتت بأعمال أخرى قبل إتمامه. تشتت الهمم يؤدي إلى عدم إدراك أي من الأعمال كما توضح الآيات.
ينبغي تخصيص أوقات محددة لكل علم أو عبادة دون مزاحمة أعمال أخرى، لأن تفرغ القلب والجوارح لعمل واحد سبب النجاح والترقي. التشتت بين الفنون يؤدي إلى عدم الاستمرار وعدم التحصيل.
تشوق النفس إلى أعمال غير الحالية يدل على أن أوان تلك الأعمال لم يحن بعد. الوقت المناسب لكل عمل يأتي في وقته المحدد.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فهيا إلى ما يترتب عليها من عمل صالح، ومن جهة النعم إلى النظر إلى تجزئتها، وهذه القاعدة الجليلة دل عليها القرآن في آيات عجيبة، وهي من أعظم ما يدل على حكمة الله، ومن أعظم ما يربي العاملين إلى خير في دين ودنيا. فإن العامل إذا كان مشتغلاً بعمله الذي هو وظيفته ووقته، فإن قصر فكره وظاهره وباطنه عليه نجح وتم بحسب حاله. فإن نظر وتشوقت نفسه إلى أعمال أخرى لم يحن وقتها بعد، فترت عزيمته، وانحلت همته، وصار نظره إلى الأعمال الأخرى ينقص من إتقان عمله الحاضر وجمع الهمة عليه. ثم إذا جاءت وظيفة العمل الآخر جاءه وقد ضعفت همته وقل نشاطه، وربما كان الثاني متوقفاً على الأول في حصوله أو تكملة، فيفوت الأول والثاني. بخلاف من جمع قلبه وقالبه، وصار أكبر همه القيام بعمله الذي هو وظيفة وقته، فإنه إذا جاء العمل الآخر فإذا هو قد استعد له بقوة ونشاط وتلقاه بالشوق، وصار قيامه بالأول معونة على قيامه بالثاني. ومن هذا قوله تعالى مصرحاً بهذا المعنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾. تنظر كيف حالهم، تنظر كيف حالهم، تنظر كيف حالهم، وأنتم وهم مأمورون بكف أيديهم. فلما جاء العمل الثاني، دعوة ونظر، هذا كيف حالهم، تنظر كيف حالهم، وتشمل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. لأن فيه تكملة للعمل الأول، وتكملة من الله، وتمرنا على العمل الثاني. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية. فالله أرشد العباد أن يجعلوا أعمالهم، وأن يقوموا بالعمل الحاضر ووظيفته، ثم إذا جاء العمل الآخر صار وظيفة ذلك الوقت، واجتمعت تلك الهمة والعزيمة عليه، وصار القيام بالعمل الأول، وهذا معنى بالقرآن كثير. طيب، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فهذه القاعدة اجتمعت على ثلاثة أمور: الأمر الأول، ما أرشد الله عز وجل عباده في كتابه من جهة العمل الذي هو فيه العبد. فمن دخل في عمل من الأعمال، سواء كانت دينية أو حتى دنيوية، فأرشد الله عز وجل في مثل هذا العمل إلى قصر الهمة والنظر والتفكير إلى الحالة الحاضرة التي هم فيها. أي معنى الحالة الحاضرة؟ يعني يكرس جهوده ويبذل جهوده في هذا العمل الذي هو فيه، ولا يلتفت إلى عمل آخر. أي معنى هذا الكلام؟ مثلاً على سبيل المثال: أنت في طلبك للعلم معك خطة وبرنامج، جئت مثلاً إلى مركز من المراكز أولاً من أجل أن تحفظ القرآن، على سبيل المثال تتفرغ لذلك وتتقن القرآن، فاجعل جميع جهدك وتفكيرك ووقتك في هذا المقصد وفي هذا العمل، لا تنتقل إلى غيره إلا بعد أن تكمله. هذا على سبيل المثال في العلم. مثلاً في العبادة: جعلت همتك من بعد الساعة الثالثة ليلاً أن يكون في قيام الليل، فإذا جاء هذا الوقت احرص على هذا العمل، لا تلتفت إلى غيره، ولو في طلب العلم، طالما أنك قد أخذت على نفسك خطة وعهداً وبرنامجاً يومياً، فلا تشتغل بغير هذا العمل، كن في هذا الوقت ابن هذا العمل لا ابن غيره. واضح هذا الآن؟ هذا في العبادة. في أمور الدنيا مثلاً على سبيل المثال: حتى في أمور الدنيا أنت الآن تريد أن تعمل في مشروع مال في وظيفة في كذا من أجل أن تتزوج، طيب، فتجعل ما تكسبه من مال في هذا الأمر، فلا تقول: لا، أولاً سأشتري سيارة، أو أولاً سأشتري بيت، أو نحو ذلك، لا تذهب إلى أمر آخر، هذا الأمر الآخر سيأتي فيما بعد، أولاً تكرس جهدك في العمل الذي تريد إنجازه وتريد كذلك الحصول عليه. واضح؟ فهذا معنى هذه القاعدة، ولها أدلة في القرآن وقد مثل لها. وهذه القاعدة الجليلة دل عليها القرآن في آيات عديدة وذكر بعضها، وهي من أعظم ما يدل على حكمة الله، لأن الله عز وجل يعلم من خلق، يعلم أن الإنسان إذا شعب أفكاره وإذا عدد أعماله لا يدرك لا الأول ولا الآخر. لو تريد في وقت واحد تطلب العلم وتحفظ القرآن وتأخذ الفقه وتقوم الليل، لا يمكن لك هذا، صح؟ لكن قسم وقتك، اجعل لكل وقت عمل، ولا تزاحم الأعمال في هذا الوقت، اجعلها في هذا العمل، خصص لك ساعة قراءة التفسير، خلاص، اجعل همك في هذا الوقت، لا تشتغل بغيره، هذا الوقت جعلته للفقه، لدرسي كذا، لدرسي كذا، لا تشغل نفسك بغيره، اجعل وقتك في هذا العمل لا تتجاوزه ولا تزاحمه بعمل آخر. فهذا معنى قوله: وهي من أعظم ما يدل على حكمة الله، ومن أعظم ما يرقى العاملين في خير ديني ودنيوي. اجمعنا: يرقى، معنى يرقى: أن الاشتغال بعمل ما في وقت ما سبب لنيل هذا المقصود والحصول عليه، فيترقى. جعل ستة أشهر لحفظ القرآن، أنهى حفظ القرآن، ترقى. وما ترقى؟ ترقى. الآن يريد تفسير القرآن، جعل سنة كاملة في تفسير القرآن، أنهى المرور على تفسير القرآن، ترقى أو ما ترقى؟ ترقى في العلم. طيب، جعل ثلاثة أشهر ستة أشهر لعلم العقيدة والتوحيد، أكمل ما يسر الله له من هذه الكتب، ترقى أو ما ترقى؟ ترقى. هكذا يترقى في العلوم إذا جعل لكل عمل وقتاً لا يزاحمه بعمل. بعض الناس تجده يتنقل: يومين في الفقه، ثلاثة أيام في العقيدة، أربع أيام في النحو، يدخل هذا الدرس ويخرج، ويدخل هنا ويخرج هنا، قام الليل أسبوعاً وترك شهراً، ما يستمر على أعمال معينة، فهذا لا يترقى، هذا لا يترقى. واضح هذا الآن؟ فمن اتخذ هذه الطريقة القرآنية فإنه يترقى في العلوم وفي خير الدنيا والآخرة، كما ذكر المعلم: قال: فإن العامل إذا كان مشتغلاً بعمله الذي هو وظيفته أو وظيفة وقته، فإن قصر فكره، ما معنى قصره؟ معنى قصره يعني قصر فكره بمعنى تحدد فكره، كان فكره هذا فقط في هذا العمل، قصر فكره بمعنى تحدد فكره في هذا العمل فقط دون غيره. واضح؟ فإن قصر فكره وظاهره وباطنه، يعني أقبل على هذا العمل بكليته بعقله بقلبه بجوارحه بفكره، إن صب على هذا العمل صباً، هذا معنى قوله: فإن قصر فكره وظاهره وباطنه عليه نجح، هذا سبب النجاح، وتم بحسب حاله، يعني تم له هذا العمل. وإن نظر وتشوقت نفسه إلى أعمال أخرى، يعني لم يقتصر على هذا العمل، إنما تشوق بمعنى نظر إلى أعمال أخرى، نظر إلى أعمال أخرى لم يحن وقتها بعد، يعني ليس الوقت وقتها الآن، لم يحن يعني لم يأت الوقت المناسب لها، ف