الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 114، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن بعض المسلمين تشبهوا بالنصارى في عاداتهم مثل زيارة القبور وتبخيرها ونحر الذبائح، ويعتبر هذه الممارسات من البدع والضلالات. كما ينتقد بعض الممارسات الأخرى مثل استخدام البخور المرقي والصور السحرية على الأبواب لدرء الأذى.
ينتقد الشيخ بعض الممارسات التي يفعلها الناس في بعض الطقوس والعادات، مثل تزيين الأولاد وإخراج النفقات وتعظيم القبور، ويعتبرها مخالفة للدين الإسلامي ومأخوذة من أديان أخرى. ويشير إلى أن هذه الممارسات تتعارض مع تعاليم الإسلام وتعتبر بدعة.
ينتقد الشيخ بعض الممارسات لدى الصوفية والشيعة والنصارى، مثل ابتداع القصص والخرافات وتأليف الكرامات والقصص الخيالية حول بعض الأشخاص، ويبين أن هذه الممارسات تشبه ما كان يفعله النصارى في تعظيم المسيح عليه السلام.
يصف المقطع طقوس النصارى في صومهم حيث يمتنعون عن أكل ما يخرج من الحيوان، ويشير إلى أنهم يصبوغون البيض لأولادهم في العيد ويأكلون ما يخرج من الحيوان في ذلك اليوم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بعض الضلالات عند النصارى وكذلك عند اليهود، قال: من مذهب النصارى أن الشرائع تنسخ، ينسخها أحد العلماء أو أحد الأحبار والرهبان، لهم أن ينسخوا من حكم الشرع. ولهذا كثرت فيهم البدع والأشياء التي ليست من شرع الله جل وعلا. واليهود ينكرون النسخ، ينكرون النسخ، لكنهم يغيرون في الأحكام، لكن يقولون: هو من عند الله؛ لأنهم عندهم علم، بخلاف النصارى بجهلهم وضلالهم يأتون بمثل هذه الأمور. قال: ثم بعدما ذكر بعض الأشياء الباطلة في أديانهم، قال: وإنما عددت أشياء من منكرات دينهم؛ لما رأيت طوائف المسلمين قد ابتلي ببعضها، وجهلت، وجهل كثير منهم أنها من دين النصارى. الملعون هو وأهله. قد بلغني أيضا أنهم يخرجون في الخميس الذي قبل ذلك، أو يوم السبت، أو غير ذلك، إلى القبور، يبخرونها. وكذلك ينحرون في هذه الأوقات. وهذه عادات النصارى. كما ذكر الشيخ: أن عندهم أسبوعا يسمى أسبوع العيد، يذهبون إلى القبور، ويسمون مثلا يذهبون السبت، ويسمونها ليلة النور، أو سبت النور، وغيرها من الخرافات التي كان يفعلها النصارى. وأخذها بعض أهل التصوف، وجعلوها دينا يدان به، فيذهبون إلى القبور، ويبخرونها. معنا يجعلون أسبوعا، أو شهرا، هذا شهر للزيارات عندنا هنا، يجعلون أسبوعا للزيارات. الزيارات هذه القبور يبخرونها، ويفعلون فيها أشياء كثيرة، بعضها شرك بالله. قالوا: كذلك ينحرون في هذه الأوقات، وهم يعتقدون أن في البخور بركة، ودفع أذى، وراء كونه طيبا، ويعدونه من القرابين، مثل الذباحة. أن هذا البخور يتبركون به، ويزفونه بدحاس، يضربونه كأنه ناقوس صغير. يعني يزفونه الزف، هذه كلمة عربية استعملها الناس إلى الآن. المراد بالزف هو الحمل السريع، يعني يحملون شيئا، ويمشون سريعا، فيقولون: زفة العروس، أو زفة العروس، والزفاف هو حملها، والمشي بها بسرعة. فأقبلوا إليه يزفون، يزفون، معنى أنهم يحملون أشياء معهم، ويسرعون إلى بيت لوط عليه السلام. قالوا: يزفونه بنحاس، معنى يحملونها بنحاس، ويسرعون، يضربونه كأنه ناقوس صغير. وبكلام مصنف، يعني يأتون بكلام، ويأخذون معنى، يأخذون هذا البخور، يجعلون مثلا مجامر تبخر، ويحملونها، ويسرعون في المشي، ويضربون على شيء مثل الناقوس، ويصلبون على أبواب بيوتهم، إلى غير ذلك من الأمور المنكرة. والآن تجد بعض العادات التي يأخذها بعض المسلمين من هذه الأمور. كذلك كان المجوس يأخذون النار، ويمشون، وأيضا يزفون بها، تعظيما لهذه النار. وقد حصلت عندنا هنا في هذه البلاد، في البلاد المجاورة، أنهم يفعلون مثل هذه، أخذوا هذه العادة عن بعض المجوس، فيأخذون نارا، ويرقصون حول هذه النار. قالوا: إنما ذكرت ما رأيت كثير من المسلمين يفعلونه، وأصله مأخوذ عن النصارى، حتى إنه كان في مدة الخميس تبقى الأسواق مملوءة من أصوات هذه النواقيس الصغار، وكلام الرقاة من المنجمين وغيرهم، بكلام أكثره باطل، وفيه ما هو محرم وكفر. وقد ألقي إلى جماهير العامة، وجمعهم، إلا من شاء الله. وكذلك تجد في الزيارات الشركية، يخرجون الناس، ويأتون بأشعار، ويأتون بأشياء يظنون أن هذا خير، أو أن هذا من العادات، وهي أصلا من عادات أهل الكفر، من النصارى. وأخذها أولا أهل التصوف، قال: وعني بالعامة هنا كل من لا يعلم حقيقة الإسلام. فإن كثيرا ممن ينتسب إلى فقه أو دين قد شارك في ذلك، بل بعضهم، حتى ممن يشار إليه بالفقه، ألقي إليه هذا البخور المرقي، ينتفع ببركته. المرقي: معنى الذي قرأ فيه من العين والسحر والأدواء والهوام. ويصورون في أوراق صور الحيات العقار، ويلصقونها في بيوتهم، زعما أن تلك الصور -الملعون فاعلها- التي لا تدخل الملائكة بيتا هو فيه، تمنع الهوام. وهو ضرب من طلاسم الصابئة، يعني يرسمون حيات وعقارب، ويلصقونها على الأبواب، أو على المداخن، يظنون ويعتقدون أن هذه تمنع الهوام وغيرها. قال: ثم كثير منهم -على ما بلغني- يصلب باب البيت، يصلب: معنى يجعل الصلبان فيه، معنى يصنع عليه الصليب، أو على شكل الصليب. قال: ويخرج خلق عظيم في الخميس المتقدم على هذا الخميس، يبخرون المقابر، ويسمون هذا المتأخر القميس الكبير، وهو عند الله القميس المهين الحقير، هو وأهله، ومن يعظمه. فإن كل ما عظم ما عظم بالباطل، مكان أو زمان، أو حجر، أو شجر، أو بنية، يجب قصد إهانته، كما تهان الأوثان المعبودة. وإن كانت لولا عبادتها لكانت خسائر الأحجار. أن هذه الأصنام والأوثان الواجب على المسلم أن يهينها، وهذا من طاعة الله عز وجل، ومن التبرؤ بها، والكفر أيضا بها. وأما تعظيمها فهو دين المشركين. قالوا: ما يفعله الناس من المنكرات، أنهم يوظفون على الأكرة وضائف أكثرها كرها. معنى الأكرة: الأكرة جمع أكار، وهو المزارع ونحوه. معنى يكرونهم: يجعلونهم يعملون بالقوة. قال: أنهم يوظفون على الأكرة وضائف أكثرها كرها، من الغنم والدجاج واللبن والبيض، فيجتمع فيها تحريمان: أكل مال المسلم على مثل السحت الذي يأخذونه على الناس، أو هذه الأموال التي يأخذونها على الناس، مثل ما يفعل الحوثيون الآن، فيقولون: مجهود حربي، يأخذون أموال الناس. فأولا أيضا يأكلون أموال أهل الإسلام، أو أموال المسلمين، بحجة أن عندهم عيدا، فيأخذون من الغنم والدجاج واللبن والبيض؛ لأجل أن يأكلوه في تلك المشاهد وغيرها. قال: فيجتمع فيها تحريمان: أكل مال المسلم، أو المعاهد بغير حق، وإقامة شعار النصارى، وهو تعظيم القبور، ويجعلونه ميقاتا لإخراج الوكلاء على المزارع، ويطبخون فيه، ويصبغون فيه البيض، وينفقون فيه النفقات الواسعة، ويزينون أولادهم، إلى غير ذلك من الأمور التي يقشعر منها قلب المؤمن الذي لم يمت قلبه، بل يعرف المعروف، وينكر المنكر. وسبحان الله، هذه الأشياء إلى الآن يفعلونها، من أخذ النفقات وغيرها، في مثل هذه الزيارات. وأيضا تزيين الأولاد، ويلبسونهم أحسن اللبس، ويجعلونها مثل العيد، يجعلونها مثل العيد. قالوا: خلق كثير منهم يضعون ثيابهم تحت السماء، رجاء لبركة مرور مريم عليها. وهذا عادة النصارى، وفعلها بعض المسلمين؛ لأن يقول الشيخ: أن بعض المسلمين يفعل هذه الأفعال. قال: فهل يستريب من في قلبه أدنى حياة من الإيمان أن شريعة جاءت بما قدمنا بعضهم من مخالفة اليهود والنصارى، لا يرضى من شرعها ببعض هذه القبائح، يعني أن يأخذون هذه الأشياء عندهم، هذا الدين التمسك بعادات يظنونها عادات، وهي مأخوذة من أديان أخرى، من أديان النصارى والمجوس وغيرهما. قالوا: يفعلون ما هو أعظم من ذلك، يطلون أبواب بيوتهم ودوابهم بالخلوق والمغرة وغير ذلك. أن الخلوق هو الطيب المخلوط، والمغرة لون ليس بناصع الخمرة، أو مثل الطين الأحمر. قالوا: غير ذلك، وذلك من أعظم المنكرات عند الله. فالله تعالى يكفينا شر المبتدع، وبالله التوفيق. معنى يعتقدون في هذه الأشياء. قالوا: أفل ذلك كله إنما هو اغتصاص أعياد الكفار بأمر جديد، أو مشابهتهم في بعض أموره. يوضح ذلك أن الأسبوع الذي يقع في آخر صومهم يعظمونه جدا، ويسمونه خميسة الخميس الكبير، وجمعته الجمعة الكبيرة، ويجتهدون في التعبد فيه ما لا يجتهدون في غيره. ولأن مذاهب هؤلاء أهل التصوف الباطنية والروافض أصلا مذاهب دخيلة على الإسلام؛ فلهذا فهم يدخلون أشياء ليست من دين الإسلام، ويبثونها على العامة كأنها من الدين. فلهذا يفعلون مثل هذه الأشياء، مثل مثل ما يسمون بالختاميات عندنا، يعملونه في أواخر شهر رمضان، فهو أيضا بمنزلة هذه الأشياء؛ لأنها جاءت من عند النصارى أو المجوس، فيأخذون الأتراك -والأتراك يعني جمع تريك، هذا فانوس يولع- وكان قديما يأخذون فوانيس، فوانيس يعني له شيء زجاج هكذا، ويعملون فتيلة فيه داخل، ثم يشعل، فيأتي به ضوء، ويأخذون هذه الفوانيس، ويحركون بها، ويرقصون بها. وهذا أيضا من دين النصارى غالبا، أو من دين المجوس. قالوا: لأحد الذي هو أول أسبوع يصطنعون فيه عيدا يسمونه الشعانين. هكذا نقل بعضهم عنهم. الشعانين هذه عيد النصارى. ونقل بعضهم عنهم أن الشعانين هو أول أحد في صومه، يخرجون فيه بورق الزيتون نحوه، ويزعمون أن ذلك مشابهة لما جرى للمسيح عليه السلام حين دخل إلى بيت المقدس راكبا أتانا مع جحشها، فأمر بالمعروف، نهى عن المنكر، فثار عليه غوغاء الناس، وكان اليهود قد وكلوا قوما معهم عصي يضربونه بها، فأورقت تلك العصي، وسجد أولئك للمسيح. أورقت: معنى صارت ورقا، معنى صارت ورقا، وهي عصيان صارت ورقا، وكل عصاة صارت ورقا. وهذه من خرافات النصارى. قال: فعيد الشعانين والعان، تجد الصوفية دينهم مثل دين النصارى كله كذب وخرافات، ويبتكرون القصص. وهذا كان دين النصارى عندهم كله قصص عن القسيس الفلاني، والراهب الفلاني، فيجعلون له قصصا حتى يعظمونه. وهكذا يفعلون أهل التصوف، يأتون بقصص من الخيال، وينسبونها إلى فلان، دون أن يسندون هذه القصص، أو يسندونها إلى أناس مجهولين، فيقولون: حدث فلان، أو ذكر فلان، يذكرون اسما. مثل الشيعة، الشيعة لو قرأت مثلا في كتبهم، تجد هذه أسانيدهم أناس ليسوا موجودين في الواقع، معنى حتى ألف بعضهم كتابا سماه وسائل الشيعة، وترجم للأشخاص الذين يذكرونهم صاحب الكافي وغيره من كتب الشيعة، فذكر وسائل الشيعة على أنهم يترجم لرجال الشيعة، وكله تراجم كذب. يعني كيف أناس مثلا ينشرون علما، ولا يوجد لهم أثر في كتب الرجال والعلماء من أهل الحديث ومن أهل التاريخ، حرصوا على أن يأتوا بكل من عرف عنه علم، بكل من عرف عنه علم أو فقه، فتجد تراجم كثيرة، ليس فقط في تراجم أهل الحديث، بل في تراجم أهل النحو، أهل العربية، وأهل التفسير وغيرهم، وأهل الفقه أيضا، طبقات الفقهاء. لكن تجد هؤلاء الرجال ما يذكرون لا في هذه الكتب، ولا في كتب الحديث، فمن أين جاءوا بهم؟ فيأتي صاحب وسائل الشيعة ويترجم لهم ترجمة، وكأنهم أناس موجودون، وعرفوا بالعلم، وكذا، وكل ما يذكره ليس عن أساني، وإنما يبتكره، أن يأتي بترجمة من عنده، ولا يذكر مراجع، مثلا أن هذا ذكره فلان في كذا، إلا إذا ذكر في شيء من الكتب المشهورة، تجد أنه يذكرها. وهذا كله لإكمال كذب. وهكذا يفعل الصوفية، الصوفية أيضا أهل القبور الذين تعلقت قلوبهم بالقبور، يذكرون قصصا خيالية لأجل أن يعظم هذا الشخص، أن يعظم هذا الشخص. فحتى مرة جاء أحد هؤلاء أهل التصوف إلى مسجد في الشحر يسمى مسجد الشيخ فضل، فما يدري، يأتي بفضائل هذا الشخص صاحب المسجد، فقال: كان هذا الشيخ فضل يقرأ البخاري عشرة آلاف مرة، قرأ البخاري عشرة آلاف مرة، وكأنه الظاهر أخرجها من كيسه. فالمهم أن مثل هذه الأشياء يفعلون، مثل هذه الكرامات أحيانا يأتون بكرامات في أحيان الموت وغيره، كلها كذب؛ لأجل أن يزين هذا الشخص، ثم يعظم عند الجهال. وهذا كان دين النصارى. قال: فعيد الشعانين مشابه لذلك الأمر، وهو الذي سمي في شروط عمر وكتب الفقه ألا يظهروه في دار الإسلام، ويسمون هذا العيد، وكل مخرج يخرجونه إلى الصحراء بعوثا، يعني يسمون هذا بعوثا. فالباعوث اسم جنس بما يظهر به الدين، كعيد الفطر والنحر، يعني الباعوث مثل الشعائر، الشعائر الدين، فهم يسمونه بعوثا. قال: فما يحكونه عن المسيح -صلوات الله عليه وسلام- من المعجزات هو في حيز الإمكان، لا نكذبهم فيه لإمكانه، ولا نصدقهم لجهل مفسريهم. وأما موافقتهم في التعبد أو في التعيد، فإحياء دين أحدثوه، أو دين نسخه الله. حتى لو مثلا هذه العيد ثابتة، فهي عيد، فهو عيد دين قد نسخه الله. ثم يوم الخميس الذي يسمونه الخميس الكبير، يزعمون أن في مثله نزلت المائدة التي ذكرها الله في القرآن، حيث قال عيسى بن مريم: ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين﴾. قالوا: فيوم الخميس هو يوم عيد المائدة، هذه المائدة التي أنزلها الله عز وجل على عيسى بن مريم. قالوا: يوم الأحد يسمونه عيد الفائدة، وهي عيد النور، والعيد الكبير. ولما كان عيدا صاروا يصنعون لأولادهم البيض المصبوغ، ونحوه؛ لأنهم فيه يأكلون ما يخرج من الحيوان من لحم ولبن وبيض، لا يأكلون إلا ما يخرج من الحيوان. وأما النباتات ما يأكلونها. قال: صومهم هو عن الحيوان، وما يخرج منه، وإنما يأكلون في صومهم الحب، وما يصنع منه من زيت وشيرج ونحو ذلك. الشيرج: معنى المراد به زيت السمسم، طيب. فهذه بعض الأشياء التي تذكر عن هؤلاء، أو ذكرها الشيخ عن النصارى. وسيذكر أيضا بعض الأشياء التي تبين هذا، فإن شاء الله تعالى ندركها في درس قادم، إن شاء الله.