ما يستقبل به رمضان 4

الدرس في ما يستقبل به رمضان 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التوطئة وأهمية العلم الشرعي قبل رمضان

يُشدد على أهمية التزود بالعلم الشرعي قبل رمضان لضمان صحة العبادات وتجنب الأخطاء. العلم شرط لصلاح الدين وعبادة الله بشكل صحيح.

أحكام رمضان والصيام وضرورة التزود بالعلم

يجب على المسلمين الاستعداد لرمضان بالتزود بالعلم بأحكامه لضمان صحة صيامهم وتجنب الأخطاء الشائعة. العلم يصحح العبادات ويمنع البدع والمخالفات.

فضل مجالس العلم وختام الدروس بالدعاء والصلاة على النبي

يؤكد على أهمية حضور مجالس العلم واغتنامها خاصة في رمضان، ويختم بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله فيما نحن بذكره وصدده في مثل هذه الأوقات من ذكر ما ينبغي أن يستقبل به رمضان، أشرنا من أنواع الاستقبال ما يكون من الحمد والشكر والثناء على الله جل في علاه، ثم ما كان من الفرح والبهجة والسرور. وأيضًا مما أذكره في هذا المقام، وهو مما يستقبل به رمضان، ما يكون من التزود بالعلم الشرعي. رمضان، إخواني في الله، هو شهرٌ مليءٌ بالمسائل والأحكام من أوله إلى آخره، فيه مسائل الصيام، فيه مسائل القيام، فيه مسائل الاعتكاف، فيه مسائل زكاة الفطر، وغير ذلك من المسائل. فمن الخطأ المبين أن يمر عليك، يا عبد الله، هذا الشهر الكريم بمسائله وتفصيلاته وفروعه وأنت جاهل به. ولهذا كان من أعظم ما ينبغي أن يستقبل به رمضان أن نتزود من العلم الشرعي، أن نتزود بالتفقه في الدين في مسائل هذا الشهر الكريم، بمعرفة أركانه وواجباته وشروطه وضوابطه ونوافله ومستحباته ومفطراته ونواقضه. هذا الذي ينبغي، فإن العلم، إخواني في الله، يكون فيه صلاح رمضان، ليس فقط صلاح رمضان، بل كذلكم الدين كله، صلاح الدين كله يكمن في العلم. فلا ينبغي لأحد منا أن يتعبد الله بطاعة ولا بعبادة إلا وقد تسلح بالعلم. ولهذا، بواب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، فقال: باب العلم قبل القول والعمل. العلم قبل أن تتكلم، قبل أن تعمل، قبل الأقوال والأعمال والأفعال والأحوال، عليك بالعلم. العلم قبل كل شيء، لأنك تدخل ثم تتعلم هذا خطأ، وإنما قال الإمام البخاري: باب العلم قبل القول والعمل، لأن به يكون صلاح الدين. لأن صلاح الدين عبارة عن أقوال وأعمال وأفعال، ولهذا من أراد أن يتعبد الله بعقيدة صحيحة فعليه أن يتسلح بالعلم، كما قال الله: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، بدأ ربنا بالعلم، ثم اعتقد. تعلم حتى تأتي بهذه الكلمة الصحيحة على معناها الذي يريده الله جل في علاه. كذلك سيرك إلى الله، وما منا من أحد إلا وهو يسير إلى الله، هل تسير بجهالة؟ هل تسير بعماية؟ لا، تسير بعلم، كما قال ربنا عز وجل: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾، كلنا نسير إلى الله، لكن لابد أن هذا الطريق ينور بنور العلم، على بصيرة. قال المفسرون: أي على علم. وهكذا قل في باب الطاعات والعبادات، لابد أن هذا الباب يكون مليئا بالعلم. روى الإمام البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم يوما من الأيام صلى بأصحابه، لكن ما الذي فعل؟ صعد على منبره، وصل بهم إماما، فلما انتهى من صلاته، علل لما فعله، فقال: «يا أيها الناس إنما فعلت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي». العلم تعمد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يكون بارزا للناس، ظاهرا أمامهم، يرون القراءة والقيام والركوع والاعتدال، حتى يعرفون كيف كان يصلي، فيتمثلون بصالاته. فكانت هذه طريقة من طرق إيصال العلم للناس. فالشاهد، إخواني في الله، فإننا في باب الطاعة والعبادة لابد أن نتسلح بالعلم. وهكذا رمضان، رمضان ينبغي من الآن أن نستقبله بالتزود في التفقه فيه وفي أحكامه. وإن من فضائل التزود، إخواني في الله، بأحكام رمضان أن ذلكم يثمر أولا هو أعظم ما يكون من ثمارات العلم بأحكامه الصيام، أنك تضمن صحة رمضان، هذا أهم شيء، أنك تضمن صحة هذا الشهر، لا أن يدخل ويخرج وما شعرت، يا عبد الله، إلا وتأتيك الفتاوى بأن صيامك باطل، لم يصح. فإن من أعظم ما تحفظ به العبادات والطاعات العلم. تأمل ما جاء في الصحيحين عندما دخل ذلكم الرجل إلى المسجد، فقام وصلى، فأراد أن ينضم إلى حلقته عليه الصلاة والسلام، فسلم، فأرد عليه نبينا السلام، ثم علق، فقال: «ارجع، ارجع فصلي، فإنك لم تصلي». فرجع الرجل وأعاد الصلاة، لكنها مثل الأولى، فرجع إلى رسول الله، فكان نفس الكلام: «ارجع فصلي، فإنك لم تصلي». فرجع الرجل وأعاد صلاة مرة الثالثة، فأراد أن ينضم وأن يجلس، فإذا بنبينا عليه الصلاة والسلام يقول له: «ارجع، ارجع فصلي، فإنك لم تصلي». علم الرجل حينها أن في صلاته خطأ، وفي صلاته خلل، وأن صلاته مردود عليه، ما قبلت. فكيف المخرج؟ ما هناك إلا العلم. فقال الرجل: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، ما أحسن إلا هذا. فعلمني. العلم هو الذي تصحح به العبادات والطاعات. قال: فعلمني. فعلمه نبينا الصلاة، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، وقرأ ما تيسر معك من القرآن». الحديث كما في الصحيحين. الشاهد أن مما تضمن به الطاعات والعبادات العلم. فإذا أردت، يا عبد الله، أن تضمن صحة صيام رمضان، وما كان من أحكامه، عليك أن تتسلح بالعلم. وإلا، كما سمعت، كم من أناس لو ربما يفعل أشياء تخرم عليه الصيام، فيضطر إلى أن يقضي تلكم الأيام مرة أخرى. كذلكم قس من ثمرات العلم لأحكام الصيام أنه يعلمك الخطأ من الصواب. كم من الناس بل لربما يدخل في رمضان ويدخل في أخطاء، لربما كان هذا الخطأ مكلف عليه، يكلف عليه مالا، يكلف عليه جهدا. والله ما أمره بهذا. كحال من فتح على نفسه باب الوسوسة بما يسمى بالجهر بالنية، بالجهر بالنية، يرى أن النية ما تنعقد إلا بلفظ مسموع، وأحيانا بلفظ جماعي في المساجد بعد المغرب أو بعد العشاء. أو ذاك الذي يلقن أولاده النية وهم قبل أن يناموا، بل ربما أيقظهم من النوم: قوموا، نويت ما نويت، قوموا. ومن الذي أمرك بهذا؟ أهذا مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو دلت عليه شريعة؟ هذا من البدع المحدثات، يرهق نفسه سنوات طوال على هذا الباب، وما أنزل الله به من سلطان. وهكذا قس الكثير، ربما ذاك الذي يتعب نفسه بإخراج الريق دائما وأبدا، يدفل ويدفل ويدفل، ظنا منه أن بلع الريق هذا يؤدي إلى الفطر. وقد قام إجماع العلماء على أن بلع الريق ليس من المفطرات، لكن ما الذي أودى بالناس إلى أن أتعبوا أنفسهم؟ الجهل. وهكذا، يا عبد الله، كم نذكر ونحكي من كثير من المسائل. وذاك الذي قد لربما جعل الله في بيته من أفراد أسرته من كبر سنه حتى وصل إلى درجة الخرف، أصبح لا يعقل، لا يشعر، لا يدري، لربما في عز الظهيرة وهو في رمضان يطالب بأكل، يطالب بأكل. فإذا من هم حوله، لجهلهم، لربما منعوه من الأكل، منعوه من الشرب، ظنا منهم أن هذا سيفطر. هذا ليس عليه صوم أصلا، هذا ليس عليه صوم، أن ذهب عقله، حاله يعامل كمعاملة المجنون، ليس عليه حساب، ولا عقاب، ولا قضاء، ولا فدية، ولا شيء. وهكذا، يا عبد الله، قس الكثير من المسائل تمر على بعض الناس، والذي أوضعهم فيها أنهم جهلوا الحكم بها. كذلك من ثمار العلم بأحكام الصيام، يا عبد الله، أنها طاعة وعبادة. طاعة وعبادة لو قلنا مثلا كما يفعل بعض الناس الذي يترفع عن مجالس العلم بحجة أنه قد قرأ وأنه قد نظر وأنه قد علم وأنه قد تفقه في أحكام الصيام، فهو في غنى عن هذه المجالس. يا عبد الله، دعك من مسألة التفقه، اجعلها من باب التعبد لله. مجالس العلم تقام قبل رمضان، رمضان، وفي أيام رمضان، اجلس، اجلس يا عبد الله، فقط اجلس فيها. لربما هذه الفوائد أنت قد سمعت بها. اجلس ليس من باب التفقه، ولكن من باب التعبد. «ما من قوم جلسوا مجلسا في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسون فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». هذه الفضائل، يا عبد الله، تنالها متى؟ في خلال العام، لا في خلال شهر، لا في خلال أسبوع، في خلال مجلس واحد كهذا المجلس مما نعتقده. وهذا مما ينبغي على كل مسلم من المسلم أن يعتقد بصحة ما أخبر به نبينا الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أن هذا حاصل في مثل هذه المجالس. استحفنا الملائكة، ويذكرنا الله فيمن عنده، في الملأ الأعلى. فهذه طاعة، وأنت في رمضان، يا عبد الله، في مقام التتبع للأعمال الصالحات. والله مما يؤسف لأن تجد أن الكثير من الناس في أيام رمضان يبحث يمنى ويسرى عن العمل الصالح، يبحث ويتحرى من هي الأعمال. وعنده مجالس العلم تقام بجواره، ولو أنه جلس وصبر، لك أنا خيرا له. تأتيك هذه الفضائل، ومن فضائلها كما قال ربنا جل وعلا: «هم القوم لا يشقى بهم جليسهم»، يغفر لك ذنبك. فضل آخر: «قوموا مغفورا لكم»، قد بدلت سيئاتكم حسنات. إذا كان هذه فضائل المجالس العلم في سائر الأيام، فكيف يكون حالها في رمضان؟ فأجرها يتضاعف، كما دلت عليها الأدلة الكثيرة. ما من أجر يذكر على عمل صالح، فإنه في رمضان يتضاعف. فتجد أن الناس في عزوف، وليت أنهم يذهبوا وينصرفوا إلى أمور مما أباحها الله، بل ربما ينشغل أحد بما حرم الله، أو في أشياء مكروهة، على القيل والقال، وعلى اللعب، وعلى الكلام، ويضيع مثل هذه المجالس العلمية. فالعلم، يا عبد الله، لا تفرط فيه، لا قبل رمضان، ولا في أثناء رمضان، ولا بعد رمضان. قوام الدين على العلم. ولهذا كان من أعظم ما تطلب منه الزيادة، الزيادة في العلم. قال ربنا: «وقل ربي زدني علما». زدني علما، كلما زدت علما، كلما زدت رفعة عند ربك، يا عبد الله. فالشاهد، إخواني في الله، أن من أعظم ما يستقبل به رمضان، وهو أننا نتسلح بالعلم، وخاصة في معرفة أحكامه وتفاصيله، وذلك بالإقبال على ما ذكره العلماء، ومعرفة ما كان عليه رسول الأنام عليه الصلاة والسلام في فعله، خاصة في أيام رمضان. حين، يا عبد الله، ستعلم ما الذي ينبغي أن يكون عليك من الطاعات، ومن العبادات، ومن الفرائض والواجبات، وبه تضمن صحة هذا الصيام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.