الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 123، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
غزوة تبوك كانت آخر غزوة للنبي صلى الله عليه وسلم، حدثت في السنة التاسعة للهجرة. سميت بغزوة العسرة بسبب الظروف الصعبة التي صاحبتها.
استعد المسلمون للجهاد وتبرعوا بالأموال لتمويل الجيش، بينما تخلف المنافقون. برزت تضحيات الصحابة في تجهيز الجيش مثل عثمان وعمر وأبي بكر.
واجه المسلمون تحديات كبيرة في تبوك، ولكن نصرهم الله بمعجزات مثل نزول المطر وتفجير عين الماء. أمر النبي بعدم الاستسقاء من آبار ثمود.
ينتهي المقطع بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي وآله وصحبه، رغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الناظم رحمه الله تعالى: ثم تبوك قد غزى في التاسعة وهد مزجد الضرار رافعة هذا البيت من الأبيات التي يشير فيها الناظم رحمه الله تعالى إلى حوادث السنة التاسعة من الهجرة. وأشار رحمه الله تعالى إلى حادثتين: الحادثة الأولى غزوة تبوك، في قوله: ثم تبوك قد غزى في التاسعة، والمسألة الثانية ما كان من هدمه لمسجد ضرار، وهد مزجد الضرار رافعة. ونبتدئ في هذا اليوم بإذن الله ما يتعلق بأهم حوادث غزوة تبوك، إذ أن لها من المسائل والأحداث والحوادث شيء كثير. ففي قول الناظم رحمه الله تعالى: ثم تبوك قد غزى في التاسعة، أي أن وقوع غزوة تبوك كان في السنة التاسعة، تحديدا في رجب، واشتهرت هذه الغزوة بهذا الاسم: غزوة تبوك. وقد جاء ذلكم التنصيص في كثير من النصوص الشرعية، ومن ذلكم ما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث معاذ بن جبل، قال: «إنكم ستأتون غدا بإذن الله عين تبوك». وتبوك يا منطقة لا زالت معلومة معروفة إلى الآن، وهي تقع في شمال الجزيرة، إلى جهة بلاد الشام، تبعد بينها وبين المدينة ما يقارب المئة كيلو من المدينة النبوية إلى تلكم البقعة. فهي تقع في جهة الشمالية من الجزيرة العربية، فهي للشام أقرب، وتقع في طرف الشام. إذن، هذا من مسميات الغزوة، تسمى بغزوة تبوك، سميت للموقع والمحل التي تمت فيها الغزوة. وسميت كذلك بغزوة العسرة أو بغزوة جيش العسرة. وهذه التسمية كذلكم قد جاء بها التنصيص، كما روى ذلكم الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، أنه أخبر أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الحملان، وذلك في جيش العسرة، غزوة تبوك. فكان هذا مما علم عن اسم الغزوة بأنها تسمى كذلك بجيش العسرة. وسميت هذه الغزوة بجيش العسرة للملابسات والظروف التي احتفت بهذه الغزوة، إذ أنها وافقت ظروفا صعبة خاصة من شدة الحرارة، فكان الحر شديدا، وكذلك ما كان من حال الأرض من القحط والجدب والجفاف، وأيضا ما كان من بعد المسافة إلى جهة أطراف الشام. مع هذه المعاناة وما سيأتي معنا من قلة النفقة، كل ذلك هذه العوامل تكالبت على هذه الغزوة، فسمي هذا الجيش بجيش العسرة، أي أن التجهيز له تعسر. وهنا تأتي مسألة، بعد معرفتنا للتسمية، نأتي مسألة وهي: ما سبب هذه الغزوة؟ اختلف العلماء من أهل التفسير، من أهل السير والغزوات والمغازي في سبب هذه الغزوة. لماذا انطلق نبينا إلى تلكم الجهات البعيدة؟ من تلكم الروايات ما يذكره بعض المؤرخين أن اليهود أرادوا أن يغرروا برسول الله، ووجه التغرير أنهم كانوا يدفعون برسول الله إلى جهة الشام: «اذهب يا محمد إليها، اذهب إلى بلاد الشام، فهي بلاد فيها أرض المحشر وأرض المنشر، وفيها الأنبياء، وفيها مسار النبيين، وهي الأرض المباركة المقدسة». وكان الغرض من اليهود من هذا الصنيع أنهم أرادوا أن رسول الله يلتقي بمملكة الرومان، يلتقي بمملكة الرومان، لعلم اليهود أنه لا طاقة لمحمد بهم، فأرادوا أن يغرروا به: «اذهب، اذهب هناك، اذهب، اذهب، أظهروا أنهم أرادوا الخير، وهم إنما أرادوا الشر». أرادوا أن يواجه رسول الله بهذه المملكة العظيمة. هكذا جاء في بعض الروايات، لكن الحديث بهذا الصدد الضعيف لا يصح. السبب الثاني مما ذكره جماعة من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن هرقل أصبح يجمع الجيوش من بلاد الروم، ومن الغساسنة، ومن القبائل العربية الذين هم تحت لوائه، وأنه جمع الجموع الغفيرة استعدادا لغزو بلاد الإسلام، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك. هذا كذلك من الأسباب الشهيرة. وقيل أن من الأسباب في ذلك هو في الحقيقة إنما للآيات القرآنية التي فيها يأمر فيها ربنا نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتجهز لقتال أهل الكتاب، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. هذه الآية كما قال فيها الإمام المفسر ابن كثير رحمه الله تعالى: فيها الأمر قاتلوا، أي أنك يا محمد قد انتهيت من الجزيرة الآن، انتقل إلى أهل الكتاب. فهذا القول لعله من أوجه الأقوال في سببية غزوة تبوك، الامتثال لأمر الله، وما أنزله الله في القرآن من التوجه لقتال أهل الكتاب، لأن اليهود قد انتهوا، قد مرت معنا المراحل في قتال رسول الله لبني قريظة وبني النضير وبني قينقاع، فانتهى من هذه الجيوب من اليهود، فبقي النصارى أن يتوجه إليهم إلى ديارهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، أو يدخلوا في دعوة التوحيد. وأشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس وحث ورغب، مع أنه من عادته عليه الصلاة والسلام أنه في غزواته كان يوري، يوري بمعنى أنهم لا يظهرون حقيقة المحل الذي سيذهبون إليه، حتى يعمي الأخبار على الجواسيس، ولا أحد يعرف حقيقة الغزوة إلى أين سيذهب، يوري عليه الصلاة والسلام، إلا هذه الغزوة، إلا هذه الغزوة فقد صرحها، صرح بها وبين أن وجهته إلى تبوك، إلى بلاد الشام. لماذا صرح؟ لضرورة الاستعداد، إذ أن هذا المقام سيطول، والمكان بعيد، والمخاوف كثيرة، والمهالك عديدة من الضمأ والجوع، فأراد منهم من أراد أن ينهض معه أن يستعد بما يستطيع عليه. ولهذا ما وقع عليه الصلاة والسلام. وكانت هذه الغزوة كما قال العلماء، بل كما قال الصحابة: هي آخر غزوة غزاها عليه الصلاة والسلام، هي غزوة تبوك، كما جاء ذلك في الصحيحين. وكما قلنا: بدأ الناس بالاستعداد من أعظم الاستعداد، ما كان من الاستعداد بالأنفس، بالذهاب بأنفسهم. نادى المنادي في أنحاء الجزيرة عن نية رسول الله وقصده للتوجه، فتحركت القبائل تتجه إلى صوب المدينة حتى يكون الانطلاقة. فجاءت قبائل من جهينة، ومن أسلم، ومن خزاعة، ومن هنا ومن هنا، ومن هنا، تجمعت الجماعة، الجماعات والقبائل إلى حضن المدينة. وما كان من أهل المدينة من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الذين جندوا أنفسهم في الصف الأول. وهكذا، بمقابل هذا التجند من أهل الإسلام، ظهر كذلكم الصور الصادقة للإيمان. جاء من جاء الذي ما عنده قدرة على الذهاب، ما عنده قدرة، لكن أراد أن يذهب. كما قلنا: الذهاب بعيد، لابد الذي يذهب عنده من المؤنة، من السلاح، من الطعام، من المركوب الذي يستعين به مسافات طويلة، طويلة جدا. فجاء من جاء من أهل الإيمان والصدق، يترجون رسول الله أن يأخذهم معه، إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ما وجد لهم شيئا، فاعتذر عن أخذهم، فرجعوا وهم يبكون، حتى سماهم العلماء بالبكائين. بكوا، بكوا، إذ أنهم لم يستطيعوا أن يمضوا قدما مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذلك لعظيم إيمانهم، والصدق، إذعانهم، ومحبة صحبتهم لرسول الله، حتى في هذه الغزوة العسيرة العظيمة، ما أرادوا أن يتخلفوا عنه. هذه المظاهر إخواني في الله، من تتابع أهل الإيمان، يقابلها ما كان من أهل النفاق، من أهل الشقاق، من الضعفة. فقد جاء من جاء يعتذر إلى رسول الله بغير عذر حقيقي، وإنما يتذرع بالتخلف. فجاء من كان من ضعاف الإيمان، ومن أهل النفاق، يريد أن يتخلف، فأذن لهم نبينا بالتخلف، وكانوا نحو من ثمانين رجلا. إلا أن ممن تخلف: نعم، أناس تخلفوا، هؤلاء الثلاثة لم يكن لهم عذر، لكنهم صدقوا الحديث مع رسول الله، وأخبر رسول الله أن تخلفهم بلا عذر، بخلاف أهل النفاق الذين كذبوا، وما صدقوا الله ورسوله في حديثهم، وإنما الثلاثة الذي جاء أمرهم في القرآن، والذي تاب الله عز وجل عليهم، بما كان من صدقهم في حديثهم، وإظهارهم لحسن توبتهم، أن الله عز وجل تاب عليهم. وهم الثلاثة: كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، هؤلاء، هذا ما يتعلق إخواني في الله في أهل الإيمان، وما كان من أهل النفاق من تخلفهم. بل إن أهل النفاق كذلك أخذوا، ليس فقط قعدوا خلف رسول الله، وإنما يثبطوا من عندهم، حتى قال قائلهم: «لا تنفروا في الحر». «وأن تروحوا حر شديد». وآخر يقول: «يا رسول الله، أذن لي، ولا تفتني»، أي: أذن لي بالتخلف، ولا تفتني بالذهاب إلى بني الأصفر. هناك النساء الذين ما استطاعوا أن يتمالكوا أنفسهم، إذا وجدوا، إذا صادفوا أحدهم، يتذرع بهذه الذرائع. فكان أهل النفاق يأتون بهذه الأعذار الكاذبة، الواهية، وكل ذلك قصد التخلف، فأعطاهم نبينا ما أراد، مع أن الله قال: ﴿عفا الله عنك لما أذنت لهم﴾، لما أذنت لهم. وبالمقابل، لم يقتصر إقبال أهل الإسلام على الغزو بأنفسهم، بل كذلك بأموالهم، لأن هذا الجيش التحرك يحتاج إلى عدة، يحتاج إلى مال، يحتاج إلى مركوب، يحتاج إلى زاد، يحتاج إلى سلاح، وهكذا، كما تسمعون، بما يسمى بالمجهود الحربي، أخذ الأموال من الناس، لأن الحروب تستنزف الأموال. هنا ندب نبينا صلى الله عليه وسلم كذلك بدفع الأموال، فانبرأ أهل الإيمان وأهل الإسلام إلى التبرع والنفق بصدقاتهم وأموالهم. وكان أول من بدأ: الصديق رضي الله تعالى عنه، أتى بمال، «ما هذا يا أبا بكر؟» قال: «هذا مالي كله». «للّه دره، كل ماله جعله بين يدي رسوله». قال: «وماذا تركت لأهلك؟» قال: «الله ورسوله، تركت هذا الذي عندي». عظم اليقين والتوكل على الله. وهكذا جاء عمر بنصف ماله رضي الله تعالى عنه. وجاء عثمان بالأموال الكثيرة، التي ما تبرع بها أحد في ذلك اليوم كما تبرع بها هو رضي الله تعالى عنه. أتى بثلاثمائة بعير، بما عليها من الرواحل، إذ أنه أعد مئتي راحلة بعير، أعدها للشام تجارة، فلما سمع بهذا الجيش، بجيش العسرة، غير الوجه، وجعلها نفقا، بما فيها لله ورسوله، مئتي، ثم أضاف مئة، فأصبحت ثلاثمائة، ودفع ألف دينار ذهب. وهذه تصل الآن في زمن المعاصر إلى الملايين الكثيرة، كلها جعلها في حجر رسول الله لتجهيز الجيش. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قلب هذا المال بيديه، قال: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم». بل قال عليه الصلاة والسلام: «جهز جيش العسرة، فله الجنة». وكان من أعظم من أقام هذا الجيش: عثمان رضي الله تعالى عنه، بكثرة نفقته، بالمركوب والمال الذي بذله. وهكذا تتابع الناس، جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من الذهب، وجاء العباس بمال كثير. حتى أن النساء، حتى أن النساء أتينا بالذي قدرن عليه، ذاك بالخاتم، ذاك بالخاتم، وذاك بالسلسال، وذاك بالقراريض، وكل يدفع الذي عنده. بل حتى كان من الفقراء من يأتي بالتمر، من يأتي بالتمر، ذاك يأتي بالمد، ذاك يأتي بمدين، ذاك يأتي بصاع. ويأتي هؤلاء كل يستطيع على أن يبذل الذي يستطيع عليه. ﴿واتقوا الله ما استطعتم﴾. لكن بالمقابل، كان أهل النفاق الذين تركوا الجهاد، كذلك تركوا بالمقابل النفقة. ما الذي فعلوه؟ مع بخلهم، التنقص، فكان يلمزون أهل الإسلام في الصدقات. فإذا وجدوا أن أحدا من أهل الإسلام بذل المال الكثير، نبزوه، قالوا: «ما أراد إلا الرياء والسمعة». وإذا جاء أحد بالمال القليل، من الفقراء والمساكين، قالوا: «انظر، إن ما يفعل الله بصدقة هذا، وما عسى أن تفعل، هذه صدقة بجيش؟». فكانوا يستهزئون ويسخرون منهم، سخر الله منهم، ولهم عذاب أليم. الشاهد إخواني في الله، إذا هذه التضحيات من أهل الإسلام بأنفسهم وأموالهم، تكون الجيش، إذ قوامه ثلاثون ألف مقاتل، وهذا الجيش يعد من أكبر الجيوش التي تكونت في زمنه عليه الصلاة والسلام. وخرج بهم، وذلك كما قلنا: في يوم الخميس من شهر رجب، في السنة التاسعة للهجرة، انطلق نبينا صلى الله عليه وسلم إلى جهة تبوك، في رحلته عليه الصلاة والسلام. وقعت الكثير من الحوادث، وليس المقام مقام سردها وذكرها لطولها، والمقام لا يتسع، لكن حسب إخواني في الله الإشارة على بعض هذه الحوادث، ولو بإلماحة يسيرة، حتى تكون على إطلاع، على إطلاع ببعض حوادث غزوة تبوك. مما قد مضى على الصحابة أنهم مع ذهابهم، طبعا كما قلنا: الجيش جيش عسرة، كان التعب فيهم، التعب فيهم، حتى ذكر الصحابة، ذكر العلماء: على أن المركوب كان ناقص، مع هذه الأموال التي بذلت، ولكن عدد كثير، ثلاثون ألفا، حتى أن الصحابة الذين ذهبوا في الجهاد كان ثمانية عشر رجلا يتعقبون بعيرا واحدا. تخيل منظر بعير واحد، وعليه ثمانية عشر رجلا يصعد له هذا ساعة يرتاح، ثم ينزل، ثم الواحد ساعة، ثم ينزل، ساعة الواحد، لكثرة الناس. وهؤلاء من أهل الصدق والإيمان، ممن خرج مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، مع قلة الفاقة، مع قلة النفقة، الذي أصابهم في طريقهم الحر، وأصيب بالضمأ الشديد. حتى أن بعضهم كما جاء في بعض روايات: أنه لربما ما وجدوا من الأكل إلا أوراق الشجر، إلا أوراق الشجر، كانوا يأكلونها في الطريق، حتى تقرحت شفاههم من المرارة، لكن الجوع غلب عليهم في طريقهم إلى الغزوة. ولهذا أمر عليه الصلاة والسلام حينما جاءه الصديق، وطلب منه أن يستسقي للناس، فحينها رفع رسول الله كفيه إلى الله، واستسقى ربه عز وجل، فسقاهم الله جل وعلا مطرا غزيرا. حتى أنهم ارتووا، وأيضا أخذوا حاجتهم من الماء في القرب. وكان هذا الماء من الأعاجيب، أن من خرج عن نطاق الجيش لم يجد الماء، ما كان الماء إلا أنه نزل في مخيم الجيش، وهذا من إنعام الله عز وجل وتأييده لأهل الإسلام، واستجاب لدعاء رسوله عليه الصلاة والسلام. كذلكم مما صار في طريق غزوة تبوك أن القوم مروا على بلاد حجر، وهي أهل ثمود، الذين عذبهم الله عز وجل، إذ أن المرور إلى تبوك يكون بالمرور من هذه البلدة. فلما مر نبينا على هذه البلدة، أمر أصحابه أن يسرعوا في المشي، أن يسرعوا في المشي، لأن هذا الموطن كان موطن عذاب، عذب الله عز وجل أهل ثمود. فأمرهم بالإسراع بالمشي، وأنهم لا يستسقوا من آبارها، إلا أن أناسا سقوا من آبار هذه المنطقة، فأمر نبينا صلى الله عليه وسلم من استسقى أن يريق الماء، وأخبر أيضا أن منهم من عجن بهذا الماء، فأمر نبينا أن لا يؤكل، وأن هذا العجن يرمى. وفي رواية: أن يعقد على الإبل والدواب، وليأكله البشر، وذلك لأن هذا المكان قد وقع فيه هذا البلاء. وأن الإنسان إذا مر على بلدة قد وقع فيها العذاب، فليس هذا محل استقرار، ولا إمهال، وإنما الإسراع والخروج منه بأسرع ما يمكنه أن يسرع. كذلك مما وقع في طريقهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «إنكم ستأتون غدا عين تبوك، فمن أتاها، فإذا أتيتموها فلا تمسوها حتى آتي». أخبارهم أن في الصباح سيصلون إلى عين عين ما، وأنكم إذا وجدتم هذه العين، لا أحد يدن منها، أو يأخذ منها شيء، حتى آتي. فلما وصل إليها عليه الصلاة والسلام، وقد سبق برجلين سبقا بالشرب والأخذ من هذه العين، وكان الماء قليل جدا، وكان الماء ينبض قليلا، فغضب نبينا من هذين الذين سبقا بالشرب والأخذ من هذه العين، وقال في حقهما ما قال عليه الصلاة والسلام. ثم أخذ الناس حال أن يجمعوا من الماء شيئا، حتى تجمع ما تجمع من الماء. فغسل عليه الصلاة والسلام من هذا الماء وجه ويديه، ثم أعاد الماء إلى العين، فإذا بالعين أصبحت عينا معينا، وأصبحت عينا تجري من بركته عليه الصلاة والسلام. كذلك مما وقع أن النبي لما وصل إلى تبوك، أخبر أصحابه بأن الليل ستهب عليكم ريح شديد، ستهب عليكم ريح شديد، فلا يقومن أحد، ومن كان له بعير فليعقله، أي: يربطه بوثاق لشدة الريح. وكان الأمر كما كان، وكما قال عليه الصلاة والسلام، وذهبت ريح شديد. وهذا على من أعلام نبوة عليه الصلاة والسلام. إلا أن رجلا قام، فما إن قام مع مهب الريح، حتى أن ريحا أخذته إلى مكان سحيق لشدتها. وبهذا استفاد العلماء إلى ضرورة الطاعة والانصياع لأمر الله وأمر رسوله، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم. وكذلك مما صار إخواني في الله في غزوة تبوك، وهذا الذي نختم به المقام: أن النبي لما وصل إلى تبوك، علمت تلكم الجيوش التي استعدت من أهل الروم إلى قتال رسول الله عليه الصلاة والسلام، بأن جيش الإسلام قد أصبح عند الحدود، فحينها قذف الله الرعب في قلوبهم، فتفرقوا في بلدانهم وأوطانهم، ومنهم الراجع إلى بلاده، وتفرق تلكم الجيوش. وما استطاعوا أن يواجهوا نبينا عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك نصرا مؤزرا محققا لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ليس فقط في أن الكفار من النصارى انهزموا أمام رسول الله، وجبنوا من ملاقاته، بل ما كان من صدى هذا الانسحاب أمام المسلمين، أنه أعطى بأن أهل الإسلام قوة لا يستهن لها. فأصبح نبينا صلى الله عليه وسلم في عقل هذه الديار، ديار النصارى، لأن بلاد الشام هي موطن النصارى، وكلهم كانوا يدينون بدين النصارى، وخاصة من القبائل العربية، من القبائل العربية. فحينها بسط نبينا يده على هذه المنطقة، فحينها أتى من أتى من هذه القبائل، وكل يعطي الطاعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فكان من جاء: يقال له: يوحنى، وهو صاحب أيلة، ابن رؤبة، أتى وأعطى الجزية لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا أصحاب منطقة أو أهل الجرباء من النصارى، أتوا لرسول الله وأعطوه الجزية، أن يبقيهم على ما هم، وأن يكون تحت راية أهل الإسلام. وهكذا قام أهل ميناء، وهم من النصارى، وصالحوا رسول الله على أنه يعطيه ربع الثمار. وأيضا أمر نبينا صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وكان معه في الجيش، أن يذهب إلى أكيدر، أكيدر، أي: حاكم دومة الجندل، وأرسله نبينا بأربعمائة فارس، قال: «اذهب إليه، ستجده يصيد البقر، اذهب إليه». وكان ليلا، وكان في ليلة مقمرة. وكان الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام، خرج خالد ومعه هذه الكتيبة، فإذا بهذا الحاكم أكيدر دومة الجندل، وهو مع بعض حراسه في نزهة ليلية، يصطادون البقر الوحشي. فحاصره المسلمون، وألقوا القبض عليه، وأتي به إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. وحينها طلب أكيدر إطلاق السراح، فطلب منه نبينا صلى الله عليه وسلم أن يدفع مقابل أن يحقن دمه، فدفع الأموال الكثيرة. فمما ذكره المؤرخون: أنه دفع ما يقارب ألفي بعير، وثمانمائة رأس من الغنم، وأربعمائة رمح، وأربعمائة جرع، هذا كله لك مقابل أن يطلق سراحك، وأن تعطى لك الجزية. فوافق نبينا صلى الله عليه وسلم، فسلم هذا كله للمسلمين، آلاف مؤلفة من الغنائم، حصلها نبينا. ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، وذلك في شهر رمضان، خرج في رجب، ورجع في رمضان. قال علماء: إنه استمر البقاء في هذه المنطقة في تبوك ما يقارب عشرين يوما عليه الصلاة والسلام، ومع الذهاب والإياب يكون نحوا من شهر. وكان ذلك من المعارك التي كانت فيها من النفع العظيم للإسلام والمسلمين، وما حققه نبينا في أرض الواقع من فرض الهيبة للخلافة الإسلامية، ومن انصياع الكثير من القبائل العربية، وكثير منهم ماذا أخذ يوالي أهل الإسلام بعد أن كان يوالي بلاد الرومان. هذا إخواني في الله بعض ما يذكر في هذه الغزوة، غزوة تبوك، من مسائل، وفيها كذلك كثير مسائل، لكن يراجع الكتب المفصلة التي تحدثت عن هذه الغزوة بالتفصيل. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.