شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 19

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 19

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعارض الجرح والتعديل وأحكام الترجيح بينهما

يشرح الفصل الثاني من الكتاب صور تعارض الجرح والتعديل من إمامين أو أكثر أو من إمام واحد، وقاعدة الجمهور بتقديم الجرح المفسر على التعديل مطلقاً مع استثناء حالتين تقدمان فيهما التعديل. ويضرب الأمثلة بتوثيق الإمام أحمد لثمامة بن أشرس وعبيد الله الأشجعي بعد معرفة سبب الجرح وزواله.

موقف ابن معين من جرح أحمد لعبيد الله الأشجعي وقضية تكذيب أبي داود لابنه

يوضح المقطع رد ابن معين لجرح الإمام أحمد لعبيد الله الأشجعي معتبراً إياه مجازة، فقبله البخاري وغيره ووثقوه. كما يناقش اتهام أبي داود لابنه أبي بكر بالكذب في صغره ثم ثبوت إمامته وحفظه المتقن لاحقاً.

تقديم التعديل على الجرح عند بطلان سببه أو ضعفه

يبيّن المقطع حالات يُقدَّم فيها التعديل على الجرح، كأن يبيّن المعدل خطأ سبب الجرح بالنقل أو الوهم، أو يكون سبب الجرح غير معتبر شرعاً كركوب البردون أو كثرة الكلام. ويؤكد أن الأصل في الجارح زيادة علم بحال الراوي الخفية، لكن إذا تبيّن خطؤه أو ضعف سببه رد جرحه وقبل تعديل المعدل.

خاتمة الدرس والإشارة إلى دراسات قادمة

يختتم المتحدث الدرس بالإشارة إلى وجود أقوال أخرى في المسألة سيتم تناولها في دراسات لاحقة، مع تكرار الشكر للحضور.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: الفصل الثاني: تعارض الجرح والتعديل. قال: لتعارض الجرح والتعديل صورتان: الأولى أن يكون تعارضهما بصدورهما من إمامين فأكثر، والثاني أن يتعارضا وقد صدرا من إمام واحد. فالصورة الأولى: أن يكون التعارض من إمامين فأكثر، هذا يقول: ثقة، وهذا يقول: ضعيف، وهذا يقول مثلاً: لا بأس به، وهذا يقول: ليس بقوي. تختلف عباراتهم في الجرح والتعديل، هذا نوع. والنوع الثاني: أن يتعارض من إمام واحد، قد صدرا من إمام واحد،حياناً يقول: ثقة، وحياناً يقول: ضعيف، أو نقل بعضهم عنه أنه ثقة، ونقل بعضهم أنه ضعيف. فالأول: قال: فإذا تعارض... قال: والمراد بالجرح هنا الجرح المفسر، وأيضاً حتى غير المفسر، لكن إذا كان تعديل مبهم وجرح مبهم فلا شك أن الجرح هو الذي يقدم إذا كان قاله رجل عالم عارف بأسباب الجرح والتعديل، فالصحيح أنه يأخذ قوله، خلافاً لابن الصلاح. ثم قال: فإذا تعارض الجرح المفسر مع التعديل بصدورهما من إمامين فأكثر، فمذهب الجمهور تقديم الجرح على التعديل مطلقاً. معناه: أن الجرح مقدم على التعديل مطلقاً، سواء زاد عدد المعدلين على عدد المجرحين أو نقص عنه أو تساويا. لكن يقول: استثنى الفقهاء من ذلك حالتين يقدم فيهما التعديل على الجرح المفسر، وأيضاً حتى في مسألة في المصطلح في علم الرجال أيضاً هاتان المسألتان مستثنيتان. بل وهناك أيضاً بعض العوارض التي تأتي -كما سيذكرها المؤلف رحمه الله- أن هناك عوارض أيضاً قد تقدم الجرح على التعديل، وهناك عوارض قد تقدم التعديل، معناه: بسبب هذه العوارض والأسباب قد تقدم، معناه يرجح فيها التعديل على الجرح أو العكس. طيب، هذه أو هاتان المسألتان: المسألة الأولى: قال: إذا عرفت السبب الذي ذكره الجارح فالرأي، لكنه تعب منه وحسنت حاله. قال الأول: إذا قال المعدل: عرفت السبب الذي ذكره الجارح، فالرأي، لكنه تعب منه وحسنت حاله. على خلاف في التعديل من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، يذكرون هذا إذا كان مثلاً الشخص عرف السبب الذي من أجله جرح هذا الشخص، والمعدل يقول: عرفت هذا السبب، لكنه نقل خطأ، مثلاً على سبيل المثال أنه أحياناً يكون في راوٍ بدعة، وبدعة هذه شديدة، أنا مثل هذا ما يقبل حديثه، مثلاً يكون جهمياً، وكذا، مثل ما حصل في ترجمة ثمامة بن أشرس. فثمامة بن أشرس كان جهمياً، وكان بمكة، وكان الحميدي يحذر منه، يحذر منه أشد التحذير، ثم انتقل إلى العراق وجلس مع الإمام أحمد، وكأنه ترك قول الجهم ورجع عن هذا المذهب. فذكر عند الإمام أحمد، فقال له: إن الحميدي يحذر منه. قالوا للإمام أحمد: الحميدي يحذر من ثمامة بن أشرس. فقال الإمام أحمد: رجل رأى رأياً ثم تركه، فما باله؟ كان يرى رأي الجهمية ثم ترك هذا الرأي. فالآن الإمام أحمد رد الجرح الذي يجرح به الحميدي، رد الجرح الذي يجرح به الحميدي، فقال: أعرف مثلاً أن هذا كذا، أو أن الحميدي يريد أن يضمه لأجل الجهمية، أنه جهمي، لكن قد تراجع عن هذا وتاب عن هذه البدعة. كذلك فيما حصل في كلام الإمام أحمد في عبيد الله الأشجعي، فإن قالوا لابن معين: أن أحمد لا يأخذ عن عبيد الله الأشجعي، وقال: إنه داعية إلى التشيع. فقال ابن معين: وكيف يأخذ أحمد من عبد الرزاق؟ والله لقد سمعت من عبد الرزاق كلمات أكثر مما سمعت من عبيد الله بن جحش، من عبيد الله الأشجعي. وجاءت رواية عن إمام أحمد أنه قالوا: فكيف بعبد الرزاق؟ قال: عبيد الله داعية. قال: عبيد الله بن جحش داعية، ولهذا لم يأخذ الإمام أحمد عن عبيد الله وحذر منه. بخلاف ابن معين، ابن معين رأى أن هذا الكلام معنى من أحمد فيه شيء من المجازاة، وأن عبيد الله بن الأشجعي ليس كعبد الرزاق، يعني كأنه يقول: إذا أراد أن يترك عبيد الله الأشجعي فليترك عبد الرزاق، فليترك عبد الرزاق. فلهذا فهنا من هذا الباب، كأن معنى ابن معين عرف لماذا جرح الإمام أحمد عبيد الله الأشجعي، فرد هذا الجرح. ولهذا عبيد الله الأشجعي قبله البخاري وجماعة، يرون عنه، والبخاري أكثر عنه في صحيحه، وهو ثقة عنده أكثر العلماء، ولم يعتبروا كلام الإمام أحمد فيه. فلذلك تجد أن علماء الحديث أيضاً يعملون بهذا. لكن هنا الإشكال أنه ذكر الكذب، ذكر الكذب، والكذب عند أهل الحديث أو عند بعضهم: من كذب مرة واحدة لا يقبل منه حديث. لكن قد ذكر الإمام البيهقي أن الإنسان قد يحصل منه شيء من الأوهام أو من الكذب في بداية الشباب، ثم لما يتوسع في العلم ويكبر يذهب ذلك كله. وجاء بهذا الكلام لما ذكر عن مطين، لما سئل عن محمد بن جرير الطبري، لما قالوا له: أن ابن أبي داود، عبد الله بن أبي داود، أو أبو بكر بن أبي داود يحدث، فقال: قد كفان أمره أبوه، قد كفان أمره أبوه، معناه أنه كذبه، قال: ابني، ابني أبو بكر كذب. ومن نظر إلى أبي بكر بن أبي داود يجد أن الكذب بعيد عنه، لكن كان حافظاً كبيراً وعنده الحفظ قوي جداً، وبسبب أيضاً أحياناً طيشه لأنه كان شاباً، فقد يحصل منه شيء من هذا الباب. فخاف أبو داود على ابنه من الأوهام وكذا، فقال: ابني كذب. لكن قال الإمام الذهبي: ولا شك في إمامة أبي بكر، وأنه حافظ كبير، وقد يحصل مثلاً، وإن حصل منه كذب فالظاهر أنه في خفته وشبابه، في خفته وشبابه. كان يذكر العلماء أن أبا بكر بن أبي داود كان في خفة وطيش في وقت صغر، حتى أنه كان يأتي إلى الأئمة الكبار كأبي زرعة، ومن كان نحوه، ويغرب عليهم بالأحاديث، يأتي لهم بأحاديث غريبة لم يعرفها أبو زرعة، فغضب أبو زرعة من ذلك، وقال: والله لا أشتكي عند أبيك، أنا أقول لأبيك هذا الكلام. فالظاهر كما ذكر الإمام المحدث رحمه الله أن أبا بكر بن أبي داود كان فيه شيء من الطيش والخلفة، فلهذا حصل منه ما حصل. وأحياناً التنافس الذي يحصل بين العلماء، التنافس الذي يحصل بين العلماء، ولهذا اتهمه بعضهم بالكلام على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أزواجه، وما فعله محمد بن جرير الطبري وغيره، وقصة مشهورة في الكتب. فالمهم، فالمهم شاهد هنا أن أبا بكر بن أبي داود كذبه أبوه، لكن أو كذبه أبوه، لكنه كما قلنا الظاهر أنه ما أراد الكذب الحقيقي، إما أن يحمل على الخطأ لأنه كان في لغة أهل مكة أو أهل الحجاز يطلق الكذب ويراد به الخطأ، أو أراد صرف الناس عنه، أو كما قال الإمام الذهبي: قد يحصل منه ذلك في وقت طيشه، لكنه بعد ذلك عرف الناس إمامته وحفظه، لما ذهب إلى سجستان لأجل زيارة أهله، فقال له: حدث، قال: والله ما جئت بكتبي، وقال له ابن أبي داود... ويقول: كتبك، أنت ما تحتاج إلى كتب وأنت بذلك الإمام. قال: فحدثهم بستين ألف حديث، أو قال بثلاثين ألف حديث، ثلاثين ألف حديث، ولم يخطئ إلا في ستة أحاديث، أنا ثلاثين ألف حديث معناها قرابة مسند الإمام، فحدثهم بثلاثين ألف حديث لم يخطئ إلا في ستة، ثلاثة منها هي خطأ في كتابه، أنا جاء بها صحيحة لكن هي خطأ في نفس الكتاب، وثلاثة وهم فيها، أنا الثلاثة في الثلاثين لا شيء، فأذعنوا بإمامته رحمه الله. فالمهم أن مثل هذا يصعب أن يقال أنه يرد حديثه ولا يقبل لأنه كذب، فلهذا يدل كلام الإمام الذهبي على أن الإنسان قد يكذب في أمر ما ثم بعد ذلك يتوب ويرجع، مثل ما حصل لبعض المحدثين من هذا العراق، كان بينه تنافس هو وآخر من المحدثين، فكذب عليه، ثم ندم وتاب إلى الله، فقبل الناس بعد ذلك حديثه. فهذا الأمر الأول الذي يسقط فيه أو يقدم التعديل على الجرح، أن المعدل يقول: أن هذا السبب الذي ذكره الجارح أنا أعرفه، وأنه سبب كذا وكذا،حياناً مثلاً يكون بالنقل، النقل يكون نقل إلى هذا المجرح خطأ، أنا نقل إلى هذا المجرح الذي جرح نقل إليه خطأ، فاعتمد هذا الجرح على ما نقل إليه، أو أنه أخطأ في الرجل، وهم في الرجل، يريد أن يتكلم في فلان فتكلم في آخر، فلهذا يأتي مثلاً المعدل يقول: فلان ما كان يعرف هذا الشخص، وإنما ظنه آخر، ظنه آخر. طيب، الأمر الثاني: قال: إذا نفى المعدل كلام الجارح بطريق معتبر يدل يقيناً على بطلان سبب الجرح، وكون الجارح واهماً فيما قاله، كما لو قال الجارح: إن فلاناً قتل فلاناً، يمكذ، فقال معدل: أنا رأيته حياً بعد ذلك اليوم. وهذا أيضاً يدخل فيه ما ذكرناه من أسباب الجرح، ومنها: النقل يكون خطأ، أو أحياناً يشتد العالم في الجرح، يشتد العالم في الجرح، فتجد أن العلماء أحياناً ما يقبلون هذا الجرح، لأنهم يرون أن هذا الجرح ليس بذاك الجرح الذي يجرح به الراوي، كما ينقلون عن شعبة أنه سئل عن الرجل، فقال: لما تركت حديثه؟ قال: رأيته يركض على بردون. فقالوا: أن هذا لا يجرح هذا الشخص، أنه يركض على بردون. كذلك زادان، حكى بن عتيبة سئل عن زادان، قال: تركت حديثه، فقالوا له: لم؟ قال: لأنه كان كثير الكلام. وهذا أيضاً سبب لا يرد حديث الشخص. فلذلك أيضاً كذلك الإمام شعبة بن الحجاج تكلم في أبي الزبير، ولم يترك هو أحد، لا قبل شعبة ولا بعد شعبة. وأما عبارة أيوب السختياني فقد اختلف الناس فيها، لما قال: وأبو الزبير هو أبو الزبير. أنا هل أراد التضعيف أم أراد أنه كان حافظاً؟ اختلف في عبارته، فلا يمكن أن يؤخذ من عبارة أيوب السختياني جرحاً ولا تعديلاً، لأنه قال: وأبو الزبير هو أبو الزبير. والأقرب أنها تعديل، والأقرب أنها تعديل لأنه كان حافظاً، حتى كان أصحاب جابر بن عبد الله يأتون بأبي الزبير لأجل يحفظ لهم حديث جابر، وهذا يدل على حفظه. ولهذا لعل أيوب قال هذه الكلمة من هذا الباب. فلذلك قال بعض العلماء: لم يتكلم على أبي الزبير إلا شعبة، فقال: أنه كان يرجح، أنا يزيد ولا يرجح، أنا يعطي، قال: رأيته يزيد ولا يرجح، معناه كأنه يبيع ما يرجح الميزان، يجعله متساوياً، وهذا أمر سهل، ليس هذا بواجب. وقال: رأيته افترى على رجل، أو بهذا المعنى، فقلت: اتق الله، تفتري على رجل المسلم؟ فقال: ما افتريت عليه. مع هذا الكلام إلا أن العلماء لم يترفوا حديث أبي الزبير، ولم يلتفتوا، ولم يعتبروا كلام شعبة بن الحجاج. فلذلك إذا عرف أن السبب الذي من أجله أقام العالم جرحه لهذا الشخص هو خطأ، يرد هذا، ويبين المعدل أنه خطأ. قال: وذلك... طيب، قال: وذلك لأن مع الجارح زيادة علم بخفي حال الراوي لم يطلع عليها المعدل، فالجارح مصدق للمعدل في الحال الظاهرة، ومبين لحال الراوي الخفية. فالآن الأصل أن الجارح عنده زيادة علم، لأن الأصل في الناس الستر وعدم الكلام فيهم، لكن إذا تكلم العالم بجرح فإنه قد علم شيئاً لم يعلمه المعدل، لم يعلمه المعدل، فيذكره. طيب، فهذا ما يذكر في هذا الباب. إن شاء الله تعالى أنواع، أو هناك أقوال أخرى في هذه المسألة نذكرها في دراسة قادمة. الله حق لك، شكراً لك، شكراً لك، شكراً لك، شكراً لك، شكراً لك.