التعليق على كتاب الداء والدواء 11

التعليق على كتاب الداء والدواء 11

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 11، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحذير الخطباء والوعاظ وعقوبة الغيبة ودعاء الثبات

استعرض الشيخ أحاديث من مسند الإمام أحمد تحذر الخطباء الذين يأمرون بالبر ولا يفعلون، مبيناً عقوبتهم بتقريض الشفاه بمقاريض من نار، وعقوبة المغتابين بأظفار من نحاس، واختتم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).

الدعاء بالثبات وتذكير بعاقبة الدنيا وسيرة البراء بن عازب

أكد المتحدث على ضرورة دعاء الثبات اقتداءً بالنبي والأولياء، وحذر من الاغترار بالدنيا بحديث أشد الناس بؤساً في الجنة، واستعرض سيرة الصحابي البراء بن عازب رضي الله عنه وصفة اللحد في الدفن ومشروعيته.

رحلة الروح بعد الموت: نعيم المؤمن وعذاب الكافر في القبر

فصل المقطع في حال الروح بعد الوفاة، فالمؤمل يبشر بملائكة بيض الوجوه وتصعد روحه لعليين ثم تعاد ليسأل فيثبت وينعم، أما الكافر فتُنتزع روحه بعنف وترد أبواب السماء وتكتب في سجين ثم تعاد ليعذب في قبره.

أهوال القبر وضروروة الاستعداد بالعمل الصالح

جمع المقطع أحاديث تصف أهوال القبر وضغته التي تشمل المؤمن والكافر مع التفرقة في الرحمة، وأكد أن النجاة بالعمل الصالح لا بالأماني، وذكر عقوبة شارب الخمر وعظة النبي بالاستعداد ليوم اللقاء.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع كتاب "الداء والدواء"، وهو أيضاً يسمى بـ "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"، لشيخ الإسلام الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وآخر ما تكلمنا عنه هو ما ذكره رحمه الله تعالى من أحاديث وآثار فيها الرد، وهكذا أيضاً الردع للجهال الذين يغترون برحمة الله عز وجل ومغفرته، ويجعلون ذلك سبباً في إصرارهم على المعاصي، وهكذا إصرارهم على الخطايا. فذكر رحمه الله تعالى أن كثيراً مما يعتمد عليه هؤلاء إنما هو كالمعاندة، قال: "ومن اعتمد على العفو مع الإصرار فهو كالمعاند". فالشخص الذي يقع في معصية الله عز وجل، وهكذا يقترف من الذنوب والخطايا ما يقترف، ينبغي أن يكون في قلبه خوف من الله عز وجل، ومن غضبه وعقابه. ثم ذكر رحمه الله تعالى تتمة هذه الأحاديث النبوية، وهكذا الآثار السلفية، ما يتعلق بهذا الفصل. قال رحمه الله تعالى: "قال: وفي مسنده" -أي مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني رحمه الله تعالى، إمام أهل السنة في عصره- "قال: وفي مسنده أيضاً من حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مررت ليلة أسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار)". تقرض شفاههم، ولكل إنسان شفتان: شفة عليا، وشفة سفلى. قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10]، يعني طريق الخير وطريق الشر. قال: (مررت ليلة أسري بي)، وكان الإسراء معجزة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بمكة، وكانت في السنة العاشرة من البعثة، كانت بعد موت أبي طالب عمه، وهكذا موت خديجة بنت خويلد زوجته عليه الصلاة والسلام، فسمي ذلك العام بعام الحزن. خرج إلى الطائف عليه الصلاة والسلام علّه يجد من يناصره ومن يساعده على تبليغ هذه الدعوة، فوجد أن أهل الطائف أسوأ وأقبح، واستقبلوه بما استقبلوه من الأذى والرمي بالحجارة، فكانت حادثة الإسراء والمعراج من الأمور المسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: (مررت ليلة أسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار)، فقلت: من هؤلاء؟ فقال: (هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، أفلا يعقلون). وهذا الحديث كما ذكر في مسند أحمد، وقد صححه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى، كما في "صحيح الترغيب والترهيب" وغيره. وهذا يا إخوان، هذا الوعيد في حق الخطباء، وهكذا الوعاظ، وهكذا المعلمين، نسأل الله العافية والسلامة، في حق من يأمر الناس بالبر ولا يأتيه، ومن ينهى الناس عن المنكر ويأتيه. انظروا هذا الوعيد الشديد، وقد مر معنا في حديث أسامة بن زيد في قصة الرجل الذي يؤتى به يوم القيامة فتندلق أقتاب بطنه، تخرج الأمعاء وغيرها، قال: (فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى)، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون متعجبين: يا فلان، أما كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ يعني: نحن دخلنا إلى النار بسبب معاصينا وجرائمنا وفواحشنا، لكن أنت ما الذي جاء بك إلى النار؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ كنت تخطبنا وتعظنا وتدرسنا وتأمرنا وتنهانا. ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: (بلى، كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه). وهذا يا إخوان، كما سبق، آفة يجب اجتنابها. فربنا عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]. وذم الله اليهود على ذلك، فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وربنا عز وجل قال فيهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 5]. وقد ذكر الله عن شعيب عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88]. لاحظوا: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه). أقول: يا جماعة، لا تفعلوا كذا، وآتي وأفعله. يا جماعة، اعملوا كذا، وأنا لا أعمله. قال رحمه الله تعالى: "قال: وفيه أيضاً" -أي في المسند للإمام أحمد- "من حديثه" -الضمير يعود إلى من؟ من حديثه، نعم، أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أحسنت-. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي، مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم). ومعنى (يخمشون): أي يجرحون وجوههم وصدورهم بماذا؟ بهذه الأظفار، ليست أظفاراً طبيعية عادية، وإنما هي أظفار من نحاس. قال: فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: أي جبريل: (هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم). وهذا الوعيد الشديد الوارد في هذا الحديث في حق من يقعون في أعراض الناس بالغيبة، وهكذا يتناولون أعراض المسلمين بألسنتهم. والحديث أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ولاحظوا يا إخوان، كيف أن الجزاء من جنس العمل، وكما يدين العبد يُدان، جزاءً وفاقاً. فهؤلاء لما كان عملهم في الدنيا الغيبة والوقيعة في أعراض الناس -﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12]-، أكل لحوم الإخوان وهم أموات. فلما كان هذا هو حالهم، السخرية والاستهزاء بالآخرين، كانت العقوبة من جنس العمل، فصارت لهم أظفار من نحاس، فيخمشون ويجرحون بها وجوههم وصدورهم. هذا كله عقوبة لهم، نسأل الله العافية والسلامة. قال: "وفيه أيضاً" -أي في مسند أحمد- "عنه" -أي عن أنس بن مالك-: قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك). آه يا إخوان، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يدعو بهذا الدعاء كثيراً، كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك). والقلب قيل سُمّي قلباً لكثرة ما يتقلب، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل. قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: (نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء، يقلبها كيف يشاء). وهذا الحديث أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وهكذا أيضاً صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ولاحظوا يا إخوان، هذا الدعاء العظيم الذي ينبغي أن نلهج به وأن نكثر منه. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله، وأحب خلق الله، وأعلم الناس بالله، وغيرها، ومع هذا يدعو بهذا الدعاء، فكيف بنا نحن اليوم يا إخوان، مع كثرة الفتن، ومع كثرة الشهوات، وكثرة كذلك الفتن التي تأخذ من تأخذ معها؟ فيا إخوان، ما أعظم التوفيق من الله عز وجل بالثبات على هذا الدين. ولهذا يا إخوان، كان من الأدعية الواردة في القرآن ما دعا به أولياء الله المتقون وعباد الرحمن من المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]. لاحظ هذا الدعاء العظيم: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب، إنك أنت الوهاب). قال رحمه الله تعالى: "قال: وفيه أيضاً عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: (ما لي لم أر ميكائيل ضاحكاً قط؟ ما لي لم أر ميكائيل ضاحكاً قط؟) قال: أي جبريل: (ما ضحك منذ خلقت النار، ميكائيل ما ضحك منذ خلقت النار)". وهذا الحديث كما ذكر في مسند أحمد، وصححه جماعة من أهل العلم، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وميكائيل، كما ذكروا عنه، أنه موكل بالأرزاق والأمطار. ميكائيل هذه وظيفته، هذه وظيفته. وهذا يدل على خوفه، الملائكة خاف، والأنبياء يخافون، فما بال هذا الإنسان يأمن؟ فما بال هذا الإنسان يأمن مكر الله وعذاب الله عز وجل؟ قال: "وفي صحيح مسلم عنه" -أي عن أنس-: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ). "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ" -و"أَنْعَمْ" هذه صيغة ماذا؟ "أَنْعَمْ" هذه صيغة تفضيل، يعني أكثر الناس تنعماً في الدنيا-، فماذا يفعل به يوم القيامة إذا كان من أهل النار؟ قال: (فيُصبغ في النار صبغة). ومعنى (يصبغ): أي يُغمس في النار غمصة، لا يمكث فيها، أولاً يُغمس في النار غمصة واحدة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، أي لم يمر بي نعيم ولا خير قط. أرأيتم متاع الدنيا يا إخوان؟ هذا هو متاعها، يُنسى بغمصة واحدة في النار، يقول: ما رأيت، ما مر بي خير ولا نعيم قط. قال: (وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا). ما معنى (بُؤْسًا)؟ ما معنى (بُؤْسًا)؟ ما معنى (بُؤْسًا) يا أبا أسامة؟ ذاك نعيماً، وهذا بُؤْساً يا أبا سعيد. (بُؤْسًا)، طيب، ما زلنا معك، بلاء، لا بأس، يعني بلاء وشدة، بلاء وشدة. انظروا يا إخوان، قال: (وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)، يعني مسلم مؤمن من أهل الجنة، قال: (فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً). ما معنى (فيُصبغ) يا أبا طاهر؟ (فيُصبغ)، أي يُغمس، قال: (فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً)، أحسنت، يغمس، قال: (صَبْغَةً، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ). وهذا يا إخوان، انظروا إلى هذا الخير الذي أصابه إذا دخل إلى الجنة. الدنيا هذه يا إخوان قصيرة جداً، الذي يتمتع بالحرام يتمتع في فترة وجيزة ومدة قصيرة، والذي يصبر على الفتن وعلى الابتلاءات من أجل الله عز وجل، ما هي إلا مدة يسيرة وفترة قصيرة، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46]، مدة يسيرة جداً، عشية: آخر النهار، أو ضحاها: يعني أول النهار، أول النهار. وهذا يا إخوان، وهذا يدل على أهمية الصبر على البلاء في الدنيا، ولا نبيع ديننا بماذا؟ بدنيانا. لا نبيع ديننا بدنيانا، وإنما نحافظ على هذا الدين. قال رحمه الله تعالى: "قال: وفي المسند من حديث البراء بن عازب". قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم... البراء بن عازب، كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "التقريب"، قال: صحابي ابن صحابي، صحابي ابن صحابي. والبراء بن عازب، أبو عمارة، وقيل أبو عمر، وقيل أبو الطفيل، وهو أنصاري أوسي حارثي، أي من بني الحارث من الأوس من الأنصار. لما تكلم عنه الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه "تاريخ الإسلام"، ذكر عنه أنه نزيل الكوفة. أين تقع الكوفة يا أبا إبراهيم؟ أين تقع الكوفة؟ أحسنت، بادية العراق. لاحظوا الصحابة، منهم من نزل بمصر، ومنهم من نزل بالكوفة، فالبصرة، فاليemen، فغيرها من البلدان، يحملون هذا الدين، منهم من مات بقبرص في البحر الأبيض المتوسط، وهكذا غيرهم. فذكر الذهبي عن البراء بن عازب أنه نزل الكوفة، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عنه. استصغر البراء في غزوة بدر، يعني سنه صغير، يريد أن يجاهد، لكنه رد لصغر سنه، وشهد غيرها من الغزوات مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والإمام أحمد رحمه الله تعالى ذكر هذا الحديث في مسنده، في مسند الكوفيين، لأن البراء بن عازب نزل بلاد الكوفة، نزل بلاد الكوفة، فكان حديثه في مسند الكوفيين. قال رحمه الله تعالى: "قال: وفي المسند من حديث البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار". قال: جنازة، ويقال جنازة، ويطلق الجنازة على أمرين اثنين، ما هما؟ مر معنا في كتاب الجنائز من "عمدة الأحكام": جنازة وجنازة، يطلق على أمرين، أحدهما: على الميت، يدخل شخص إلى عند أهل الميت فيقول: أين الجنازة؟ يقال: في هذه الغرفة، ويقصد به الميت. الأمر الثاني: الأول الميت، والثاني... والثاني، نعم يا محمد، أنت محمد، صح، محمد مراد، نعم تفضل يا مراد، أحسنت يا أبا حنيفة. الأمر الأول: الميت، والأمر الثاني يطلق... يطلق الجنازة أو الجنازة على أمرين: الأول الميت، والثاني... والثاني، والثاني، نعم يا أبا الحسن، نعم، ما يحمل عليه الميت، النعش الذي يحمل عليه الميت، يطلق عليه أيضاً ماذا؟ يطلق عليه جنازة. قال رحمه الله تعالى: "قال: وفي المسند من حديث البراء بن عازب، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، قال: فانتهينا إلى القبر ولما يُلحد". ما هو اللحد يا أبا ناظم؟ ما هو اللحد؟ ارفع صوتك، يعني يحفر في القبر، أين؟ في الوسط، في جانب القبر. اللحد هو ما يحفر في جانب أسفل القبر، أسفل القبر يحفر في جانبه، وهنا يوضع الميت، هنا يوضع الميت، ثم يؤتى باللبن فينصب عليه نصباً. وهناك الشق، والشق هو ما يحفر في أسفل القبر في الوسط، في وسط القبر حفرة، يوضع فيها الميت، ثم يوضع عليه اللبن وضعاً. واللحد أفضل، وهو الذي اختاره ربنا عز وجل لنبيه، وقد قال: (اللحد لنا، والشق لغيرنا). ومع أن كلاهما جائز، كلاهما جائز، في الأرض الرخوة التي تتساقط، هذه ما يصلح معها إلا الشق، لأنهم لو حفروا في جانب القبر ينهار، فيصنعون شقاً، بخلاف الأرض القوية المتماسكة، فيصلح معها اللحد. قال: (فانتهينا إلى القبر ولما يُلحد، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير). هذا يدل على السكينة والهدوء، ما كانوا يتحدثون في أمور الدنيا، ولكن يتأملون في هيبة المنظر، ويعتبرون بحال صاحب القبر، اليوم هم يشيعون، وغداً يُشيع الواحد منهم. قال: (كأن على رؤوسنا الطير). قال: (وهو، أو في يده عود، ينكت به الأرض، ينكت به في الأرض). فرفع رأسه، أي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (استعيذوا بالله من عذاب القبر)، مرتين أو ثلاثاً، أي قالها مرتين أو ثلاث مرات: (استعيذوا بالله من عذاب القبر). والاستعاذة يا إخوان هي طلب العوذ، أي طلب الاحتماء والالتجاء والاعتصام بالله عز وجل من عذاب القبر. قال: (مرتين أو ثلاثاً). ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة). والحنوط يا إخوان يطلق ويراد به المواد الطيبة، كالمسك والعنبر والكافور، وغيرها مما يوضع في أكفان الموتى وفي أجسامهم لتحفظها من الفساد والتلف مدة طويلة، يقال لها حنوط. قال: (حتى يجلس منهم مد البصر، مد البصر). قال: (ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي إلى روح وريحان، ومغفرة من الله ورضوان). قال: (فلا يزال يقول لها ذلك حتى تخرج، تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء)، أي من فم القربة، سريعة جداً وسهلة. قال: (فيأخذها، أي ملك الموت). قال: (فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، أي من أكفان الجنة، وفي ذلك الحنوط من حنوط الجنة). قال: (ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا). قال: (حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، أن يطلبون أن تفتح له أبواب السماء). قال: (فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى). قال: (فتعاد روحه إلى جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله عز وجل. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت). قال: (فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة). قال: (فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره). قال: (ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد). فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير. فيقول: (أنا عملك الصالح، أنا عملك الصالح). فيقول: (ربي أقم الساعة، ربي أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي). قال: (وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، معهم المسوح). قال: (فيجلسون منه مد البصر). ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: (اخرجي أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب). قال: (فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلل). والسفود، والسفود كما ذكر العلماء، عبارة عن عود من حديد، ويوضع فيه اللحم لكي يشوى، لكي يشوى به، لكي يشوى به. قال: (كما ينتزع السفود من الصوف المبلل)، أي أنه ينتزعها بشدة، أي أنه ينتزعها بشدة. قال: (فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح). والمسوح ذكروا أنه كساء يصنع من شعر، كساء يصنع من شعر، ويطلق أيضاً على أثواب الرهبان، يطلق عليها أنها مسوح. قال رحمه الله تعالى: "قال: حتى يجعلونها في تلك المسوح، قال: ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا". قال: (فيستفتح له، فلا يفتح له). قال: (فيستفتح له، فلا يفتح له). ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40]. قال: (فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى). قال: (فتطرح روحه طرحاً). ثم قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]. قال: (فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري). قال: (فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار). قال: (فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره). قال: (حتى تختلف فيه أضلاعه). قال: (ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك). فيقول: (أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد). فيقول: ومن أنت؟ قال: (فيقول: ومن أنت، فوجهك الوجه يجيء بالشر). فيقول: (أنا عملك الخبيث). فيقول: (ربي لا تقم الساعة). قال: (وفي لفظ لأحمد أيضاً: ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة). ومعنى (مرزبة): أي مطرق من حديد. قال: (وفي يده مرزبة، لو ضرب بها جبلاً كان تراباً، لو ضرب بها جبلاً كان تراباً). قال: (فيضربه ضربة فيصير تراباً، ثم يعيده الله عز وجل كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين). والثقلان هما الإنس والجن، هما الإنس والجن. قال: (قال البراء: ثم يفتح له باب من النار، ويمهد له من فرش النار). قال: (وفي المسند أيضاً عنه، قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ بصر بجماعة، أي من أصحابه، فقال: على ما مجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه. قال: ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي أسرع إليهم. قال: فبدر بين يدي أصحابه مُسرعاً، حتى انتهى إلى القبر، فجثى على ركبتيه، وجثى: أي بمعنى جلس على ركبتيه). قال: (فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع). قال: (فبكى حتى بل الثرى من دموعه). ثم أقبل علينا فقال: (أي إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا). قال: (أي إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا). والإعداد يا إخوان لا يكون إلا بالعمل الصالح، وليس بالأماني، ولا بالاغترار بما يظن العبد أنه يجده عند الله، ولم يعد العدة لذلك. ولهذا مر معنا في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، أن العمل يأتي صاحبه في صورة حسنة إذا كان العمل حسنة، ويأتيه في صورة سيئة إذا كان العمل سيئاً. ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123]، كما قال ربنا عز وجل. قال: "وفي المسند من حديث بريدة، قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فنادى ثلاث مرات: يا أيها الناس، تدرون ما مثلي ومثلكم؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: إنما مثلي ومثلكم كمثل قوم خافوا عدواً يأتيهم، فبعثوا رجلاً يتراءى لهم، أن ينظر لهم خبر العدو. قال: فأبصر العدو، فأقبل لينذرهم العدو، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، أي خشي أن العدو يهجم على الناس قبل أن يصل فيحذرهم من العدو الذي هو قريب منهم. قال: فأهوى بثوبه: أيها الناس، أيها الناس، أتيتم، أيها الناس، أتيتم، ثلاث مرات، ثلاث مرات". وهذا الحديث في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه. قال: ولهذا قال في بعض الروايات: قال: (فأنا النذير العريان، فأنا النذير العريان)، أي الذي من شدة سرعته ويخشى أن العدو يسبقه، يخلع ملابسه ويلوح بها للناس وينذرهم العدو الذي قد اقترب. قال: "وفي صحيح مسلم من حديث جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ مَا أَسْكَرَ حَرَامٌ، وَإِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا لِمَنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ). قيل: وما طينة الخبال؟ قال: (عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عَصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عَصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ)". وهذا في حق من شرب المسكر وتناول الخمر، ولم يتب إلى الله عز وجل منها. فمن شربها في الدنيا لم يشربها في الآخرة، وحق على الله أن يسقيه من طينة الخبال، إلا من تاب، فمن تاب تاب الله عليه. قال: "وفي المسند أيضاً من حديث أبي ذر رضي الله عنه، جندب بن جنادة الغفاري، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وأحد أفاضل المسلمين من الصحابة". قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ -يعني السماء- وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ -يعني الأرض- أَصْدَقَ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ مِنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله تعالى عنه). قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصَّعْدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). قال أبو ذر: والله لو دددت أني شجرة تُعضد، أي شجرة تُقطع. وهذا الحديث أخرجه أحمد، وهكذا أصحاب السنن: الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وحسن العلامة الألباني رحمه الله تعالى الحديث، وذكر أن القطعة الأخيرة منه مدرجة من كلام أبي هريرة، أو من كلام أبي ذر. قوله: (والله لو دددت أني شجرة تُعضد)، آهي من كلام أبي ذر، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. قال: "وفي المسند أيضاً من حديث حذيفة رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلما انتهينا إلى القبر، قعد على شأفته، أي على حافته. قال: فجعل يردد بصره فيه، ثم قال: (يَضْغَطُ الْمُؤْمِنُ فِيهِ ضَغْطَةً تَزُولُ مِنْهَا حَمَائِلُهُ، تَزُولُ مِنْهَا حَمَائِلُهُ، وَيَمْلَأُ عَلَى الْكَافِرِ نَارًا)". قال: (والحمائل: عروق الأنثيين، عروق الأنثيين، أي الخصيتين، أي الخصيتين). وضمة القبر يا إخوان، هذه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو نجا منها أحد لنجا منها... من ضمة القبر). هذه تضم المؤمن والكافر، ولو كان أحد ينجو منها لكان من... يا أبا نصر، لكان سعد بن معاذ، أحسن. لكن ضمة القبر للمؤمن ليست كضمته للكافر، فضمته للمؤمن ضمة مليئة بالرحمة والحنان والعطف. أرأيتم ضمة الأم صغيرها؟ كلما ضمة الأم أكثر، كلما ارتاح الابن أكثر. بخلاف ضمة القبر للكافر، فإنها ضمة شدة، ليس فيها رحمة، تتداخل أضلاعه بسببها، تتداخل أضلاعه بسببها. قال رحمه الله تعالى: "قال: وفي المسند أيضاً من حديث جابر، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ حين توفي، فلما صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع في قبره، وسوي عليه، سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسبحنا طويلاً، ثم كبر، فكبرنا. فقيل: يا رسول الله، لِمَ سبحت ثم كبرت؟ فقال: (لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ، حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ)". وهذا الحديث كما ذكر عند أحمد في مسنده، وهكذا عند ابن حبان، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، وذكر في روايته قال: (لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَمِّ -من ضمه أو ضغطه أو ضغطة- الْقَبْرِ لَنَجَا... لَنَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، أَحَدُ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، سَيِّدُ الْأَوْسِ، وَهُوَ الَّذِي اهْتَزَّ لَمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمَعَ هَذَا يَا إِخْوَانِ، إِنَّ لِلْقَبْرِ لَضَمَّةً، لَوْ نَجَا مِنْهَا أَحَدٌ لَنَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ). فهل يليق يا إخوان بعد هذا بالإنسان أن يتكل على حسن الظن، ويترك العمل، وينسى ضمة القبر وعذابه، أو نعيمه الذي يترتب على حسن العمل وفساده، كما مر معنا في حديث البراء بن عازب؟ قال: "وفي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً -ولاحظوا أهمية صلاح العمل، وليس مجرد الأماني والاغترار- قَالَتْ: قَدِّمُونِي، قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا، أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا، يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ