الدرس في حديث بدء الوحي فوائد وأحكام 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أعلن المحاضر عن دروس قادمة في دار الحديث بطيبة، ثم استأنف شرح حديث بدء الوحي متوقفًا عند قول ورقة بن نوفل للنبي ﷺ: «ما جاء أحد بمثل ما جئت إلا عُودي». استدل بآية ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ وبقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إن كل رسول جعل الله له أعداء يقعدون له على الطريق.
يبيّن المقطع أن الله بعث الأنبياء من أقوامهم ليُعرف صدقهم وأخلاقهم، وجعلهم من أشرف الأنساب ليُقبل قولهم. استشهد بنبي الله شعيب والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبسؤال هرقل عن نسب النبي تأكيدًا لهذه السنة الإلهية.
يوضح المقطع تسلسل اصطفاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وقريش، مؤكداً شرف نسبه ليكون حجة على قومه. يستعرض موقف كفار قريش الذين طلبوا طرد الضعفاء من أتباع النبي استكباراً، فأنزل الله آية تحذر النبي من طردهم وتؤكد كرامتهم بإيمانهم.
يؤكد المقطع أن الله منح النبي شرفاً عظيماً، وأن أعداءه يعادونه مع علمهم بصدقه. يشير إلى أن الدروس القادمة ستتناول أسباب تكذيب الكفار للأنبياء رغم صفاتهم العظيمة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، أيها الإخوة الكرام، حظكم الله تعالى. قبل أن نبدأ في الدرس، إن شاء الله تعالى، نعلن عن درس سيكون في دار الحديث بطيبة للشيخ الفاضل الحبيب إلى قلوبنا الشيخ بي هاشم جمال بن سرور، حفظه الله، وسيكون هذا الدرس في قصة ذي اليدين، وكذلك في أشراط الساعة، نصر الله عز وجل توفيق. وأيضًا هناك فُتحت بعض الدروس الصباحية، إذا كان مثلاً لنساء متفرغات صباحًا، فُتحت أيضًا بعض الدروس في طيبة، منها: مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام، وكذلك شروط الصلاة وأركانها وواجباتها لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمة الله عليه. أيها الإخوة، فنبدأ إن شاء الله تعالى، أو نستأنف ما كنا نشرحه من حديث بدء الوحي، من المسائل والأحكام التي في هذا الحديث العظيم. لما جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقفنا عند كلام ورقة بن نوفل رضي الله تعالى عنه، لما جاءه النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «ليتني كنت جَدَعًا إذ يخرجك قومك». قال: «أو مخرجي هم؟» قال: «نعم، ما جاء أحد بمثل ما جئت إلا عُودي». هذه العبارة يبين فيها ورقة بن نوفل عداء الناس لأنبياء الله عز وجل، وهذه الحقيقة مقررة في كتاب الله جل وعلا في آيات كثيرة. ومن هذه الآيات قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾. ما من نبي إلا وجعل الله عز وجل له أعداء، كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كشف الشبهات: «ما أرسل الله عز وجل رسولًا إلا جعل له أعداء قاعدين له على الطريق، يقعدون على الطريق، لا هم علوم وأسلحة، عندهم علوم وعندهم أسلحة، حتى يقاتلوا ويعادوا هذا النبي الكريم». فلذلك، من حكمة الله جل وعلا أن جعل لهؤلاء الأنبياء أعداءً وأناسًا يتربصون بهم الدوائر، وهم أنبياء الله عز وجل. بل قد يعرف هؤلاء أنهم من أنبياء الله، وفوق هذا أن الله عز وجل لا يبعث إلا أناسًا صادقين، وأيضًا لا يبعث إلا أناسًا من نفس القوم الذي يبعث فيهم، إلا نبي الله صلى الله عليه وعليه وسلم، بُعث في الناس عامًا، لكن أول ما بُعث بُعث في قومه، بُعث في قومه في قريش. وهكذا الأنبياء يُبعثون في أقوامهم. لما طلب بعض المشركين، طلبوا أن يكون الرسل ملائكة، عنوا أرادوا أن الرسل تكون فيهم ملائكة، فقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ﴾. حتى لو كان ملكًا سيكون رجلًا أيضًا في صورة رجل حتى يخاطبهم ويدعوهم من الله، فكيف سيأتي ملك ويدعو أناسًا وهم لا يرونه؟ فلذلك الله عز وجل من حكمته سبحانه وتعالى أن جعل الأنبياء من نفس الأقوام، نفس أقوام من يدعوهم هذا النبي الكريم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾، من أنفسهم يعرفون صدقه، ويعرفون أخلاقه، ويعرفون صفاته. فلذلك كما قال جعفر: «فأرسل الله عز وجل لنا رسولًا نعرف صدقه ونعرف أخلاقه». فالله عز وجل جعل هؤلاء الرسل من خيرة الناس، من خيرة الناس، وأيضًا كذلك جعل الله عز وجل هؤلاء الرسل من أشرف الناس، ومن أشرف الأنساب. معناه: لم يجعل الله عز وجل هؤلاء الرسل من أناس ضعفاء، أو أناس لا يعترف بهم بين الناس، بل جعلهم من أشرف القبائل وأشرف نسبًا في قومهم. ولهذا قوم شعيب قالوا لنبي الله شعيب عليه السلام: «لَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ». قال: «يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ؟» اتخذتموه وراءكم ظهريًا. فلذلك، أيها الإخوة الكرام، تجد أن هؤلاء الذين أرسل الله عز وجل، أو أرسلهم الله، أهل أخلاق وأهل صفاء، وأهل كذلك أنساب وشرفاء في قومهم. ولهذا قال هرقل، قال لأبي سفيان: «ما نسبه فيكم؟» قالوا: قال أبو سفيان: «هو فينا ذو نسب». فلما أجابه بعد ذلك قال: «وكذلك الأنبياء تُبعث في أنساب أقوامهم، في أنساب أقوامهم، في أشرف أقوامهم». والنبي عليه الصلاة والسلام بُعث من خير بيت، ومن أنسب العرب، من قريش، وأيضًا من بني هاشم. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله اصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريش، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». أو قال: «اصطفى من قريش هاشم». هاشم كان لقريش مثل الوالد، وهكذا قبله الآباء: قصي وغيره، وعبد مناف، ثم قصي، فكان السيادة في قريش لبني هاشم. فاصطفى الله عز وجل من قريش هاشم، قال: «واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار». هكذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام. فكان أشرف قومه عليه الصلاة والسلام، أو قومه أشرف القبائل من قريش، وقريش أشرف العرب لأنهم أهل الحرم، واصطفى الله عز وجل أيضًا من قريش بني هاشم، واصطفى نبي الله عليه الصلاة والسلام من بني هاشم. هكذا كانت تُبعث الأنبياء إلى أقوام، يُبعثون وهم أشرف الناس، حتى لا يكون ذريعة للرد، يقولون: «هذا ضعيف». تجد أن الأنبياء أول ما يتبعهم الضعفاء، فتجد السادة، سادة الناس، أو الكبراء، أو ذوي المال والجاه، يأنفون أن يكونوا مع هؤلاء ضعفاء. مثل ما ذكر الله عز وجل عن قوم نوح، فقال: لما قالوا له: «اطرد هؤلاء الذين عندك»، قال نوح عليه السلام: ﴿وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ﴾، من سينصرني؟ هؤلاء هم قومي، وهؤلاء هم أنصاري، وهؤلاء هم الذين أسلموا، لو طردتهم فمن سينصرني من الناس؟ فأيضًا كذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، لما أسلم من أسلم معه من الضعفاء: بلال، وخباب، وأيضًا عمار، وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا ضعفاء عند أولئك من كبراء قريش، بعضهم مثلاً عبيد ثم أُعتقوا، أعتقهم أبو بكر رضي الله عنه. وهكذا فقالوا: «إن أردت أن نأتي، اطرد هؤلاء». أنا إذا أردت أن نأتي إليك ونستمع إليك، أطرد هؤلاء. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. فلذلك الله عز وجل حذر نبيه أن يطرد هؤلاء. انظروا، هؤلاء فقط أتباع النبي، مع أنهم يعرفون أن هذا النبي شريف، وله نسب، وله كذا، لكن لما تبعه الضعفاء قالوا: هذا الضعف. فكيف لو كان هذا النبي ضعيفًا؟ كيف لو كان هذا النبي ليس له نسب أو ليس له شرف؟ لكن جعل الله عز وجل الشرف لهذا النبي فوق هذا. إلا وإنهم يعادون وهم يعلمون صدقه. فهذا شيء مما يذكر، إن شاء الله في درس لاحق نذكر ما هي الأسباب التي تجعل هؤلاء يكذبون بالأنبياء، ما هي الأسباب التي تجعل هؤلاء الكفار يكذبون بهؤلاء الأنبياء مع الصفات التي كانت في هؤلاء الأنبياء العظام الذين أرسلهم الله عز وجل. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.