كتاب التفسير من صحيح البخاري 280

كتاب التفسير من صحيح البخاري 280

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 280، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى الانفطار وأحوال السماء يوم القيامة

يشرح المقطع معنى "إذا السماء انفطرت" بأنه الانشقاق والتشقق، مستشهداً بأقوال الربيع بن خثيم وابن عباس. ويقارن بين حال السماء المحكمة في الدنيا وتشققها يوم القيامة لنزول الملائكة مع تفجير البحار.

القراءات المتعددة لألفاظ السورة وأقسامها

يتناول المقطع اختلاف القراءات في لفظ «فجرت» و«فعد» مع بيان معانيهما، ثم يستعرض أقسام سورة الانفطار وسورة التكوير التي تصف أهوال يوم القيامة. ويختم بتوبيخ الإنسان على كفرانه بربه الكريم الذي خلقه وسواه وعدله.

توبيخ الإنسان وكرم الرب في الخلق والتسوية

يتناول المقطع تفسير قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ مبيناً كرم الله بخلقه الإنسان وتسويته وتقويمه. ويستعرض أقوال المفسرين في قراءة ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بالتخفيف والتشديد والفرق بين جعله معتدل القامة أو صرفه في أي صورة شاء الله.

تنوع صور الخلق البشري ومشيئة الله

يوضح المقطع أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في الصورة التي شاءها، متنوعاً بين الجميل والقبيح والطويل والقصير والأسود والأبيض. ويشير إلى أن المفسر اكتفى بذكر هذه المعاني في بعض آيات السورة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: سورة إذا السماء فطرت، بسم الله الرحمن الرحيم. وغالب هذه السور لم يذكر رحمه الله فيها شيئاً من الحديث لعدم وجود حديث على شرطه، وإلا كما تقدم معنا أن هناك حديثاً عن ابن عمر عند أحمد والترمذي، وفي سنده مقال، بعث به النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء فطرت، وإذا السماء انشقت». فهذه من السور التي ذكرت فيها صفات يوم القيامة، والأحوال التي يكون فيها ذلك اليوم العظيم. وهذه السورة أيضاً سورة مكية باتفاق العلماء، ويقال لها أيضاً سورة الانفطار في المصاحف، وسماها سورة الانفطار أو «إذا السماء فطرت» كما في هذا في كلام البخاري هنا. قال: وقال الربيع بن خثيم: «فجرت» أي فاضت. هنا «فجرت» يقول أنها فاضت، وفي بعض النسخ: قال: انفطارها انشقاقها. «إذا السماء فطرت» أي شقت، السماء انفطرت، معنى تشققت، ومثلها أيضاً انشقت. وقال الله عز وجل أيضاً في ادعاء الولد: ﴿السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾، أي متشقق من ذلك الهول العظيم أن دعوا للرحمن ولداً. فالانفطار هو الانشقاق. والله عز وجل قد ذكر في القرآن أنه خلق السماوات وأحكم خلقها، ولم يجعل فيها شقوق، ولم يجعل فيها شيئاً، حتى قال الله عز وجل في سورة الملك: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، فقال: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، فارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير. يعني: هل ترى فيها من تشققات؟ لا ترى أبداً، فإن كررت النظر ونظرت جيداً بتكرار لا تجد أبداً. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾، أي محبوكة ومسوية، ليس فيها شيء مما من الشقوق. فهذه السماوات التي خلقها الله عز وجل بغير عمد، خلق السماوات بغير عمد ترونها، فهي بغير عمدة، وجعلها سقفاً سقفاً محفوظاً، لا يتساقط ولا أيضاً فيه شيء من التشقق، بل كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾، لا يستطيع أحد أن يمسك السماء هذا الثقل العظيم والسقف العظيم. فربنا جل وعلا جعلها بغير عمد، ليس عليها أعمدة، وهي أيضاً محبوكة ليس فيها انفطارات وانشقاقات، لكن يوم القيامة تتشقق: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، فتنزل الملائكة من تلك الشقق، من تلك الأبواب التي تكون في السماء في ذلك اليوم العظيم، فتشقق وتتفطر السماوات. قال: ويذكر طيب. قال: وقال الربيع بن خثيم هنا ذكر أيضاً، قال: ويذكر عن ابن عباس: «بعزيرة» يخرج من فيها من الموتى. ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾. تقدم معنى انتثارها، الكواكب أي النجوم في سورة التكوير قال: انكدرت، ومعناها واحد: تناثرت وتساقطت. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾، فجرت قال: فاضت. فجرت قال: فاضت. وهذا عن الربيع بن خثيم وهو من التابعين، الربيع بن خثيم، رواه عنه الثوري أو منذر الثوري. لكن بعضهم قرأ هذا الحرف كما ذكر الحافظ هنا، أو أقصد ذكر بعضهم في قراءة بالتخفيف، أنا بالتخفيف «فجرت»، وكأنها على هذا التفسير فسرها الربيع بن خثيم أنها فاضت. لكن من شدد «فجرت» ففسروها بأنها أضرمت ناراً، وقيل: فجرت أي زالت من مكانها كما تقدم في «سجرت». قال: وقرأ الأعمش وعاصم «فعد لك» بالتخفيف، وقرأه أهل الحجاز بالتشديد، عن أهل الحجاز يريد قراءة أهل المدينة وأهل مكة، قراءة نافع وقراءة عبد الله بن كثير. وأما أهل الكوفة أكثرهم قرؤوا بالتخفيف: حمزة والكسائي وخلف وغيرهم قرؤوا بالتخفيف «فعد لك». لكن بعضهم وافقنا في قراءة أهل الحجاز وأهل الشام، وقراءة أبي عمر بن العلاء قراءة أهل البصرة قرؤوا بالتشديد «فعد لك». قال رحمه الله: وأراد معتدل الخلق. أي الله عز وجل صور الإنشاء الإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾، أو قال الله عز وجل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾. فهذه الأقسام العظيمة، وكذلك قد أقسم ربنا جل وعلا في سورة التكوير كما تقدم: أحد عشر قسماً، أقسم أحد عشر قسماً، فقال: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، إلى أن قال: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾. أنا كلها هذه الأقسام والمقسم به أن هذه النفس يوم القيامة تعلم ما أحضرت من الأعمال: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾، وأيضاً في هذه السورة قرأ أيضاً أقسم على النفس: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾. معنى السماء وانفطارها تشققها، والكواكب وانتثارها وتساقطها، والبحار إذا فجرت ملئت وفاضت، أو أنها أزيلت، أو أنها فتحت كما في «سجرت» في بعض التفاسير، معنى دخل بعضها في بعض، دخلت البحار في الأنهار ففاضت الأنهار وكذلك فاضت البحار. فقال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾. معنى هذا الذي قدمته تعلمه يوم القيامة، وهي نفس قول الله عز وجل: ﴿مَا أَحْضَرَتْ﴾، لأن أعمالها تحضر أمامها، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، تريد أن تهرب منه، تريد أن تتبرأ من هذا العمل السيء، لكن لا محالة فهو ملتصق بها، وأيضاً يحضر ذلك العمل أمامها أمام هذه النفس. فلهذا الله عز وجل أقسم بهذه الأقسام العظيمة، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. ما الذي غرك حتى تكفر بالله؟ ما الذي جعلك تكفر بالله؟ هو الذي خلقك وهو الذي رزقك وصورك في أحسن صورة وفضلك على كل المخلوقات، فلماذا تكفر بالله؟ ولماذا تعرض عن الله؟ ما الذي جعلك تغتر به حتى تفعل ذلك؟ ولهذا قال الله عز وجل في سورة عبس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾. ما الذي يجعله يكفر؟ وقوله «قتل» مثل «لعن»: لعن الإنسان، أو «قتل الإنسان ما أكفره»، ما الذي يجعله يكفر، وما الذي يجرئه حتى يكفر بالله جل وعلا وهو خالقه ورازقه ومسخر له كل شيء؟ فلماذا يعرض عن الله؟ وما الذي يجعله يتكبر على الله وهو نطفة قدرة؟ ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾، خلقه ثم قدر له، وأيضاً كذلك دله على طريق الحياة وكيف يشرع في الحياة، قدر له طرق الحياة. وهنا قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. وقال ربنا جل وعلا: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ لأنه كريم سبحانه وتعالى، أكرم على الخلق، أعطاهم وخلقهم ورزقهم، ثم بعد ذلك يردون عنه. ولهذا يقول الله عز وجل يوم القيامة لعبده: «يا فل...» يعني يا فلان، ما الذي جعلك...؟ قال: فيقول الله عز وجل له: «قد جعلتك ترأس وتربع»، أنا ترأس في الناس وتربع، أي تكون مسؤول عن رباع، أنا حاكم فيهم أو لك كلمة، جعلتك ترأس وتربع، فماذا عملت؟ فيقول: عبدتك يا رب. يقول: كذبت، فقد طلبت منك... قال: أو يقول هذا العبد: أفتديت أو أفتدي بما معي من مال وكذا. فيقول الله عز وجل: «قد طلبت منك أهون من هذا أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشر». فلهذا الله عز وجل أيضاً جاء في الحديث القدسي، يقول الله عز وجل في الصحيحين: «يقول الله عز وجل: أنا... يقول الله عز وجل، أو يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس أحد أصبر على أذى من الله، يخلقهم ويرزقهم ويدعون له الولد، يخلقهم ويرزقهم ويدعون له الولد». يعني يشركون به، ويجعلون هناك من يساوي الله أو نداً لله جل وعلا، وهو الذي خلقهم ورزقهم. وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾، سواك في خلقك، ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَسَوَّاكَ﴾ أي جعلك في أحسن صورة، كما قال الله عز وجل في سورة التين، وهنا قال: ﴿فَعَدَلَكَ﴾، معنى جعلك أعدل المخلوقات وأحسنها. فما الذي غرك بعد ذلك وهو قد أنعم عليك بهذا النعمة العظيمة؟ وقيل: أنه ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي جعلك قائماً، فليس هناك من المخلوقات ما هو قائم إلا الإنسان. معنى: كل الحيوانات التي خلقها الله عز وجل تجدها إما تمشي بأربع، وإما تزحف، وإما إن كانت لها أرجل لكنها ليست قائمة، إذا كانت لها لكن تكون لها أربع. بعض الحيوانات مثلاً تكون مثل بعض الحيوانات، الحيوانات تكون لها رجلين تحت تمشي بها لكن ورجلين فوق، لكنها ليست قائمة، ليست قائمة مثلاً الغراب أو كذا، حيوان حيوان هو يمشي على رجلين لكن أيضاً ليس قائم معتدل كالإنسان. فليس هناك في المخلوقات قائم معتدل إلا الإنسان. فقال الله عز وجل: ﴿فَسَوَّاكَ فَاعْتَدَلْتَ﴾، في كما قلنا قراءة أهل الحجاز: ﴿فَعَدَلَكَ﴾، أي جعلك قائمة. وقال هنا: وأراد معتدل الخلق، أراد معتدل الخلق، وهذا أيضاً كلام أبي عبيدة. وقال: ومن خفف، يعني: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، إما حسن وإما قبيح، أو طويل وقصير، أنا جعلك الله عز وجل في ما جعلك منه من الصور. وهذا ذكر الحافظ أنه قول الفراء. فقال الحافظ: من قرأ بالتخفيف فهو والله أعلم: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، يصرفك في أي صورة شاء، إما حسن وإما قبيح، وإما طويل أو قصير. ومن شدد فقال: ﴿فَعَدَلَكَ﴾، فإنه أراد والله أعلم: يجعلك معتدلاً، معتدل الخلق، أنا قائم. ثم قال: وهو أجود القراءتين في العربية، وحبه ما إلي، أي كلام الفراء. فالمهم أنه المراد به: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي جعلك قائماً، أو ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي جعلك في صورة شاءها سبحانه وتعالى، فجعل الجميل والقبيح والطويل والقصير، وكذلك الأسود والأبيض وغيرها مما جعله الله عز وجل في المخلوقات. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر فيما ذكره المفسر في بعض آيات هذه السورة، فنكتفي به، والله تعالى أعلم.