الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 292، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يسرد المقطع قصة نبي الله صالح مع قوم ثمود وتكذيبهم وعقرهم الناقة وتآمرهم لقتله، فأنزل الله بهم العذاب بالصيحَة. كما يذكر مرور النبي صلى الله عليه وسلم بديار ثمود المحرمة وتحذيره أصحابه من دخولها إلا باكين معتبرين.
يتناول المقطع إيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم بوضع السلا على ظهره أثناء سجوده، فدعا عليهم بأسمائهم فهلكوا جميعاً في معركة بدر. ويشير إلى موقف عتبة بن ربيعة ونصيحته لقريش بالرجوع قبل المعركة فلم يستجيبوا.
يبيّن المقطع توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن ضرب الزوجة ضرباً مبرحاً ثم مضاجعتها، وينهى عن الضحك من خروج الريح أو العطاس مراعاة لمشاعر من وقع منه ذلك بغير قصد.
يوضح المقطع نسب الزبير بن العوام وأنه أسدي يلتقي مع النبي في جدهم عبد العزة، ويبين أن أمه صفية بنت عبد المطلب تجعله ابن عمة النبي، كما يذكر أن زمعة بن الأسود عم الزبير.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو أبو سلمة التبوذكي المنكري، قال: حدثنا وهيب، وهو ابن خالد، قال: حدثنا هشام بن عروة عن نبيه، أنه أخبره عبد الله بن زمعة، وابن الأسود بن عبد المطلب، وابن أسد بن عبد العزة، أنا أسدي، وهو صحابي، وهو زوج زينب بنت أم سلمة، وأم سلمة خالته. قالته أم سلمة: متزوج على بنتها زينب، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث. قال: أن عبد الله بن زمعة أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وذكر الناقة والذي عقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذ انبعث أشقاها». قال: «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة». قال: وذكر النساء، فقال: «يعمد أحدكم يجلد امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه». قال: ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة، وقال: «لم يضحك أحدكم مما يفعل؟». قال أبو معاوية: حدثنا هشام عن نبيه عن عبد الله بن زمعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل أبي زمعة». عم الزبير بن العوام، عم الزبير لأنه أسدي، وأبو زمعة هو والد عبد الله بن زمعة. هذا الحديث فيه عدة أحاديث، ووجه الشاهد منه قوله: «إذ انبعث أشقاها»، فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الذي انبعث، فقال: «انبعث لها رجل عزيز عارم». عارم: شديد وغليظ. وقوله هنا: «وذكر الناقة»، ناقة صالح التي جعلها الله عز وجل آية له، وهذه الناقة بعثها الله عز وجل بصالح لما طلبوا آية، فجاءت هذه الناقة آية، وكانت حجرة فتحولت إلى ناقة. قال: «والذي عقر»، عقرها، أي: الذي قتل الناقة، أو هو الذي تسبب في قتلها أو في ذبحها. والله عز وجل قد ذكر في كتابه الكريم أن هناك تسعة رهط تآمروا في قوم صالح أنهم يقتلون الناقة، فقال الله عز وجل: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾، قال: ﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. ثم ذكر ربنا جل وعلا: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. أنهم يريدون أن يقتلوا صالحًا أيضًا بعدما قتلوا وعقروا الناقة، فالله عز وجل مكر بهم، ومكروا مكرًا، ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾. سبب ظلمهم، وبيوتهم معروفة كانت عند العرب، وإلى اليوم يقال لها: حجر صالح، أو مكان، أو يقال: ديار ثمود، وهي من طريق تبوك، من جاء من تبوك يمر على هذه الأماكن، قد مر بها النبي صلى الله عليه وسلم فأسرع فيها، وقال: «لا تدخلوا على قوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين»، وقال: «لا يدخل أحدكم على قوم معذبين إلا أن يكون باكيًا»، لكي يتذكروا أنهم قد عذبهم الله، يتذكر عذاب الله، كيف أن العبد إذا أعرض عن الله جل وعلا فإن الله عز وجل لا يبالي به، ويكون سريعًا ما يعاقبه إذا أصر على كفره وعناده. وهؤلاء أرسل الله عز وجل لهم صالحًا يدعوهم إلى الله، لكن استكبروا وتفاقروا بقوتهم، وأيضًا كذلك أعرضوا عن صالح، بل هموا بقتله كما تقاسموا على أنهم يقتلوه، وهؤلاء تسعة رهط من قوم صالح كانوا منعة في قومه. وقال بعض العلماء: ما جاء عن بعض المفسرين أن هذا الذي عقر الناقة كان منهم، لهذا قال في وصفه النبي صلى الله عليه وسلم: «رجل عزيز عارم»، أي: في قومه، «منيع في رهطه»، أن له جاهًا، وكذلك قوة في رهطه، ورهطه أيضًا من خيرة الناس وسادات الناس في ذلك الوقت، ولهذا مثله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل أبي زمعة». أبو زمعة هو رئيس بني أسد ومقدمهم، معنا مقدم بني أسد في قريش، ابن أسد من القبائل، وكان مقدمهم أبو زمعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فانبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة». فالله عز وجل لما تقاسموا على أنهم يقتلوا صالحًا بعد أن عقروا بالناقة، فإن الله عز وجل عذبهم، ومكروا مكرًا، ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون، فهم اتفقوا على أنهم يقتلون صالحًا وأهله، وهذا المكر الذي فعلوا، والله عز وجل مكر بهم، وجاءهم العذاب في تلك الليلة، وما أصبح وما أشرقت الشمس إلا والعذاب قد حل بهم، حلت بهم الصيحة العظيمة التي لم تترك لهم طرفة عين. فقال: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، أي: انبعث لها رجل عزيز عارم، عارم كما قلنا: شديد غليظ، منيع في رهطه، مثل أبي زمعة. مثل ما قال عبد الله بن مسعود: لما تمالأ كفار قريش عند الكعبة والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فقال أبو جهل، أخزاه الله: «من يذهب إلى جزور بني فلان فيأتي بها ويضعها على رقبة محمد صلى الله عليه وسلم؟» قال ابن مسعود: «فانبعث أشقى القوم، وهو عقبة بن أبي معيط». هذا الرجل الشقي الذي كان جارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أيضًا يحب النبي صلى الله عليه وسلم في بداية أمره، ثم تغير عليه، غيّره بعض كفار قريش، فصار من ألد الأعداء. فهذا الشقي انبعث وأتى بهذا السِّلء، سِلاء الجزور، يعني: ما يخرج من معدة الجزور من الوسخ وغيره، فجاء به ووضعه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها وأخرجت ذلك الأذى، وسبّت هؤلاء المشركين، فمنعها النبي صلى الله عليه وسلم، وهددهم، فما كان بعد ذلك أحدهم، أو فسكتوا جميعًا، آذاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذبح، ودعا عليهم، أو في هذه المرة دعا عليهم، قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبي جهل بن هشام»، وعددهم، «وعقبة بن أبي معيط». قال بعض الرواة، والظاهر عبد الملك بن عمير: «نسيت السادس»، وبعض في بعض الرواة ذكر أنه أمية بن خلف. قال ابن مسعود رضي الله عنهم: فكانوا كلهم صرعى في بدر، أولًا الستة الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم كانوا صرعى في بدر، قتلهم الله عز وجل، وكان مصرعهم في بدر. ولما دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، تقوفوا، لأنهم يعلمون أن الدعوة في هذه البلاد حرسها الله، مكة دعوة مستجابة، وخاصة يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صادقًا، لهذا خافوا، حتى أن أمية بن خلف لما كان في بدر ما أراد أن يخرج خوفًا من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دعا عليه، لكن جاء المغرور، هذا أبو جهل، وكذلك أيضًا عتبة بن ربيعة، عتبة بن ربيعة هو سيد قريش، فكان ما يريد أن يخرج، لكنه جاءه أبو جهل وعيّره حتى خرج، ولهذا كان يقول لهم في بدر: «ارجعوا، إن أردتم النصيحة مني، ارجعوا بذراريكم ونساءكم وأموالكم»، فلم يطيعوه، وأطاعوا أبا جهل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يطيعوا صاحب الجبل الأحمر يرشدوا»، وهو عتبة بن ربيعة، يقول: «إن يطيعوا صاحب الجمل الأحمر يرشدوا»، لكنهم لم يطيعوه، وأطاعوا أبا جهل، فأصابهم ما أصابهم، وخذلهم الله عز وجل، وهزمهم الله في بدر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم هنا، يعني: قصد نفس الكلام، قال ابن مسعود: «فانبعث أشقى القوم، وهو عقبة بن أبي معيط»، وهو كان من كبار قريش كذلك، وولده الوليد بن عقبة كذلك، بنته أم كلثوم بنت عقبة، زوجة عبد الرحمن بن عوف، أو أقصد: زوجة الزبير بن العوام. قال: «إذن انبعث أشقاها»، قال: «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة». قال: «وذكر النساء»، معنى ذكر النساء في كلامه صلى الله عليه وسلم، قال: «يعمد أحدكم يجلد امرأته جلد الفحل، أو قال: جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه». هذا ليس صحيحًا أن يضرب الرجل امرأته كأنها عبد عنده، أو كأنها حيوان، يضربها ضربًا مبرحًا، ثم في آخر الوقت يحتاج إليها فيضاجعها، فهذا ليس من العدل، وليس من الحكمة، وليس أيضًا من الرشد، لهذا لا ينبغي للعبد أن يفعل هذا. قال: «ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة». وهذه جاءت هكذا، نهى النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في البخاري، معنا باختصار، اختصاره البخاري، فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الضرطة، وقال: «لم يضحك أحدكم مما يفعل؟». وجاء في لفظ أنه قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس». نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس. معنى من هذه، معنى الريح هذه التي تخرج، كذلك العطاس وغيرها، الذي ينبغي أنه لا يضحك من أجل هذه الأمور، لأن غالبًا هذه الأمور يستحى منها، فإذا ضحك الإنسان الآخر إذا سمع، يكون أيضًا يجعل ذاك الذي فعل ينكسر أكثر، فهو مكسور لأنه أخرج هذا الصوت، لم يتعمد إخراجه، لكن أخرجه، خرج عليه، أو قد يكون لأجل مثلًا مرض أو كذا، فيكون منكسرًا عند الناس أنه أخرج مثل هذا، ثم يجد أيضًا من يضحك، فيكون انكساره أكثر. لهذا من يخرج أو يتعمد إخراج مثل هذه الأمور عند الناس، هذا يعتبر سفيهًا، معنى عقله ليس ذاك العقل الصحيح، وإلا مثل هذه الأشياء يستحى منها، وينكسر الإنسان أنه حصلت منه هذا الشيء بدون تعمد. هذا يحصل، يحصل الإنسان مثلًا يضحك كثيرًا فيخرج منه، أو عنده غازات ما يستطيع مثلًا أن يمسكها فتخرج منه، وأشياء كثيرة من هذه الأشياء العذرية التي قد تحصل للإنسان حتى بين أصحابه أو بين أهله، لكن أن يتعمد مثل هذا، فهذا سفه وخطأ، أن يتعمد إخراج مثل هذا الأمر، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يضحك من هذا الشيء، فقال: «لا يضحك أحدكم مما يفعل». قال: وقال أبو معاوية، ذكر الإسناد إلى عبد الله بن زمعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل أبي زمعة، عم الزبير بن العوام». فأن الزبير بن العوام أسدي، وهذا زمعة أيضًا أسدي من بني أسد، وهو ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزة، أنا يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في عبد العزة، يعني: عبد العزة أخو، أو أنا أخو عبد مناف، لهذا فهو أسدي، عم الزبير بن العوام. الزبير بن العوام يعتبر ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن أمه صفية بنت عبد المطلب. طيب، إن شاء الله نفهم بهذا، والله تعالى أعلم.